المعالجات السينمائية للرواية الحديثة

المعالجات السينمائية للرواية الحديثة

 بغداد/ المدى
يبدأ كتاب (المعالجات السينمائية للرواية الحديثة) للباحث أحمد جبار العبودي والصادر عن دار (نيبور) للطباعة والنشر والتوزيع في العراق بتقديم للدكتور طه الهاشمي أستاذ الدراسات العليا في مادة السيناريو وتحليل النص بجامعة بغداد كلية الفنون، لافتاً الى انه اشرف على بحث للعبودي قدمه رسالة لنيل

درجة الماجستير في العلوم السينمائية متناولاً فيه المقتربات الفنية والجمالية في الاتصال والتعبير والتلقي بشتى انماطها لفن الفيلم الذي اقتبس الدراما والرواية والقصة القصيرة وغيرها من الأجناس الأدبية وتقريبها للمشاهد، بعد ان كانت السينما بمنأى عن معالجة الاتجاهات الحديثة لهذه الأجناس، وانشغلت بالكلاسيكيات باعتبارها سيناريوهات جاهزة لا تحتاج الى تدفق صوري متحرك.

والأسباب في ذلك كثيرة فمن الصعب تحويل نص شعري طويل مثل الأرض الخراب لاليوت مقارنة بتحويل الاوديسة، او رواية مسزدلاواي لفرجينيا وولف مقارنة باقتباس جاتسبي العظيم للروائي جيرالد فيتز جيرالد الا حين تؤخذ هذه الأعمال الحديثة سينمائياً.. والرسالة التي اتخذت شكل الكتاب بين ايدينا الآن كانت جديرة برسم الخطى التي يسلكها فن الفيلم في معالجته للرواية الحديثة من خلال موضوعاته التركيب البنائي والدلالي للرواية الحديثة، والرواية الفرنسية الجديدة، وتجليات الحداثة في الرواية العربية، وتركيب البنية السردية للرواية الحديثة، وعناصر بنية السرد الروائي الحديث، والرؤية السردية وتعددها، ثم بناء الزمن والسرعة السردية. ووعي الحداثة في الاتجاهات السينمائية وأساليب الحداثة الشكلية والواقعية ونظام اللغة السينمائية وحداثة الشكل السينمائي ومستويات المعالجة الفيلمية للرواية الحديثة.
مبيناً من خلالها أن الدرس السينمائي المعاصر يؤكد على التماهي المطلق بين السينما كوسيط تعبيري قائم بذاته والفنون الأخرى كمنجزات جمالية سابقة عليه، يتعالق معها بنيويا ودلاليا، وكانت الرواية من أكثر الأجناس الأدبية التي أستلهم منها صناع الفيلم منذ بداياتهم الأولى، لاقترابها من ميزة السينما السردية، ومع اكتمال الوسيط التعبيري للسينما توغرافي بدخول الصوت الذي وسع مديات الفيلم السردية والجمالية الى أقصى مدياتها في التدليل الفكري، استطاعت السينما أن تتسلح بالوعي الحداثي، لاقترابها عن كثب من تجربة الفنون والآداب، باتجاهاتها وانقلاباتها الفكرية والجمالية والأسلوبية.. شكلت العلاقة بين الخطاب السينمائي المعاصر، والرواية كجنس أدبي مكتفٍ بذاته، اعترته تحولات جمالية وفكرية، رافقها صناع السينما منذ بداياتهم الاولى، باعتبارها ثروة فكرية وحضارية، منفتحة على فضاءات أبستمولوجية لا متناهية، مما جعلها تؤثر وتتأثر في العرض الفيلمي حتى في فترات صمته العظيم، وهذا ما جعل تصدي منظري ونقاد فن الفيلم لهذا الحوار المستديم بين الوسيطين التعبيريين الرواية والفيلم، محاولين تلمس المقاربات والمفارقات، ومستويات التعالق والاقتباس،وآليات اشتغال صناع الفيلم على تفكيك النص الروائي كبنية دلالية وإعادة بنائه على وفق منطق فني مغاير سمعبصري، يعكس مستوى الفهم والتفسير والتأويل الذي يتجلى من خلال فعل التحول البنائي والدلالي للرواية، في العرض الفيلمي، وما تعتريها من متغيرات نابعة من تغير الوسيط التعبيري السينما توغرافي، والفن الروائي شأنه شأن كل الخطابات الفنية ذات الدلالة، تعتريه متغيرات فكرية وجمالية، نابعة من احتكاكه العميق بالواقع ومتغيراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما أل إلى الضيق ذرعا بالسائد الروائي الملتزم بالتقعيد الأرسطي، والبحث عن مسالك بنائية جديدة، للتدليل على معطيات العصر الذي تنتمي اليه، وهذه القراءة العميقة للواقع وانقلاباته أفضت الى تسلل الوعي الحداثي الخارق للبنية المعيارية للرواية الكلاسيكية بأتجاه تشييد نسق سردي لايحيل الا لذاته منفلت من أي تقعيد بنائي سابق يتعالق في ذات الوقت مع التراث والتأريخ والفلسفة، وانصهار مختلف الاجناس الفنية والادبية في بنيتها الدلالية، لذا أتفق منظري الادب على نقطة في غاية الاهمية، وهي أن الرواية الحديثة جنس أدبي هجين، أطلقوا عليه سمة النص، المنعتق من أجناسيته، من خلال كسره لآليات التجنيس بنيويا، ومتشبثا فيها ظاهريا، وهذا ما جعل الخطاب الروائي الحديث بنية دلالية غاية في التعقيد، كونه فسيفساء لأجناس فنية مختلفة، مما آل الى تجلياتها بأشكال جديدة يتساوق مع مكنونه الفكري، بسبب سردها المعقد المتكسر، فعلى مستوى السرد قد يتعدد الرواة أو تتعدد مستويات التبرير، فتكون بنيات تركيبها الزمني غير قابلة للحصر، ويبدو ذلك ظاهريا، بالنسبة لتكيفها سينمائيا، أمام صعوبات جمة. أن السينما المعاصرة مع أكتمال وسيطها التعبيري، عبر شكلها وسردها ولغتها السينمائية، تلج ميدان الرواية الحديثة، باعتبارها ثروة جمالية وفكرية، عبر معالجات فيلمية تتماهى مع حداثة النص الروائي، محققة أثرءاً جمالياً ودلالياً، عبر بنائها لسياق فيلمي معاصر واستيعاب تراكيبها المعقدة، وذلك عبر أفلام مشهود لها بالأصالة والابتكار، لا تتوقف سرديتها عند حدود وأشكال الاقتباس المعروفة، بل تتعدى ذلك في تقديم قراءة ذاتية، تأويلية نابعة من التغاير البنيوي والدلالي، بسبب تغير وسيلة السرد بوسيط فني أخر وهو السينما توغرافي.. كما ان تطور الفن السينمائي على مستوى السرد واللغة السينمائية واستجابة قطعات من الجمهور الى المعالجات الفنية الحديثة عبر الفيلم السينمائي لأفلام الحداثة بسبب تشبع هذا الجمهور بالسائد من الأفلام، لذا فان التصدي لمناقشة فن الفيلم من حيث استيعابه للأدب الحديث او تجليات الحداثة بفن الرسم انما هو أمر يعده الكثير مغامرة. لأن السينما اساساً تعتمد على جملة ما تعتمده من ايرادات شباك التذاكر للكلفة العالية التي يحتاجها المشروع السينمائي. لذا فان افلاماً مثل الساعة وامرأة الضابط الفرنسي قد غامرت بالكثير من اجل ان تكون بالمستوى المطلوب كفن جمالي وجماهيري للسينما، فقد تمركزت المعالجة الفلمية لرواية امرأة الضابط الفرنسي على قصة الحب التي تنشأ بين السيد النبيل تشآرلز المرتبط بخطوبة أرنستينا الفتاة الارستقراطية المدللة التي لا يشعر تجاهها بأي استمالة عاطفية مع المرأة الغامضة الصموتة المنكفئة على ذاتها سارة ودراف حيث يعاني من الاغتراب في الوعي مع ما يحيط بها من فضاء اجتماعي تتفاعل معه رغماً عن ارادتها.. ومن اهم الاصوات السردية التي تروي ظمأ تشارلز معلوماتيا عن سارة طبيب البلدة الوحيد غروغان وهو من الشخصيات التي اعتنى بها الروائي في نصه، وقدمته المعالجة الفيلمية بايجاز حال لقائه مع تشارلز في منزل غروغان الذي برع التكوين المرئي في اعطاء معلومات كافية عنه من الوهلة الأولى من صور طبية وتماثيل لاجساد بشرية.. وقد تضيف المعالجة الفيلمية اشياء غير موجودة في الرواية الحديثة او تهمل ما موجود لبناء سياق فلمي معاصر. ويعد نص رواية الساعات من الاعمال المتطرفة في شعريتها خارج المعيار التقليدي شكلاً ومضموناً ولغة، حيث تتناسخ فيه ثلاث حقب زمنية متباعدة مما يتطلب من القارئ الفهم والتأويل، الا ان آليات الشكل السينمائي الحديث بتقنياته السردية التي تتجلى من خلال تعاضد البنى البصرية والسمعية والمونتاجية والادائية استطاعت اجتراح تكنيك مونتاجي جعل الأحداث تتصل مع بعضها دلالياً وفكرياً ودرامياً.