مؤرخ العراق في القرن التاسع عشر..سليمان فائق اداري وسياسي ومؤرخ

مؤرخ العراق في القرن التاسع عشر..سليمان فائق اداري وسياسي ومؤرخ

■ هيثم عبد الخضر معارج
يعد سليمان فائق بن طالب أغا  أحد أبناء المماليك الذين جُلبوا إلى العراق منذ عهد والي بغداد حسن باشا الذي يعّد مؤسس نظام المماليك في العراق. ويعود فائق بأصوله إلى بلاد الكرج, المعروفة بجمال سكانها وشدة مراسهم وقوة شكيمتهم, وبشكل أدق فأنه ينتسب إلى أسرة كرجية مسيحية تنتمي إلى عشيرة آجق باش أي: ذوي الرؤوس المكشوفة .

 ولم تسعفنا المصادر التي بين أيدينا في التعرف على أصول أسرة طالب ومكانتها الاجتماعية أو الاقتصادية أو ما شابه ذلك, سوى إشارة عابرة ذكرها فائق توضح ان والده ينتمي إلى أسرة معروفة في بلاد الكرج وتؤكد بعض المصادر أن جد فائق لأبيه كان قساً مسيحياً في موطنه الأول في قرية بجوار تفليس.
وفيما يتعلق بأمه أن المصادر التي بين أيدينا تسكت عن أية معلومة عنها وعن وأسرتها, حتى أن فائق نفسه لم يذكر شيئاً عنها عند كلامه عن نفسه و عن والده طالب، وهناك ثمة إشارة يذكرها، وهي أن جدهُ كان يشغل منصب رئيس كتاب إدارة الكمرك في بداية حكم داود باشا للعراق ولما كان جده لأبيه غير معروف
- كما مر بنا - فالظاهر أنه يقصد جده لأمه. وأكد في موضع آخر، عند كلامه عن الأسرة البابانية ان له صلة قرابة بهذه الأسرة, وربما أن جده لأمه ذاك كان من البابانيين. ان نسب اسرة فائق في العراق يتوقف عند ابوه (طالب)، ولا نعرف شخصاً آخر يعود اليه أصل هذه الأسرة ونسبها لذا يعد (طالب) مؤسسها.
وفي عام 1816م أصبح داود باشا والياً على بغداد, فسطع نجم طالب، وزادت مكانته رفعة و سمواً، وتبوأ المناصب المهمة، وشارك في صنع الأحداث الجسام, وفي عام 1818م, منح داود باشا طالباً منصب الخزنة دار أصالة. بعد أن أبعد الخزنة دارالسابق (يحيى آغا) بسبب خيانته. ويشير فائق إلى أن إلحاح الوالي لم يدع امام والده مجالا للرفض، فقبل المنصب وفق شروط, ويؤكد منحه صلاحيات واسعة من قبل الوالي، الأمر الذي ساعده على تصفية المعارضين للحكم، وابعاد مجموعة من كبار ضباط المماليك عن وظائفهم، ونفي البعض الآخر، وبذلك أستقرت الأوضاع.
في عام 1822م أصبح طالب كتخدا لداود باشا, ويعدّ هذا المنصب مهماً، ويأتي صاحبه بعد الوالي مباشرة من حيث الأهمية، ويسمى صاحبه أحيانا بـ(الوالي الثاني).
. وفي سنة 1831م أصاب بغداد طاعون جارف, فتوفي فيه، وقد جاوز عمره الخمسين سنة. ودفن في مسجدهٍِ الذي أنشأه
بجوار داره وتجدر الإشارة إلى ان فائق ووالدته وبعض المقربين إليه تركوا المدينة هربا من الطاعون بعد استئذانه من والده الذي اصر على البقاء بالقرب من داود باشا وبعد زوال الخطر عاد فائق إلى منزله، فوجد والده قد فارق الحياة وداود باشا جليس داره مصابا هو الآخر بالطاعون. وعلى اية حال كان طالب رجلاً مثقفاً بارعاً في التأليف، وله مقدرة في الرياضيات والحساب, ويتصف بالجرأة والشجاعة وأشتهر بالوفاء والتسامح والصدق والوقار كان ديناً باراً بأصحابه, وهو "حسن السياسة، ذا عفة وكياسة، ومحبا للعلماء، ومحبوباً من جميع اهل الزوراء". وله من المآثر إنشاء مسجد وإنشاء جسر على نهر مهرود من الآجر المعقود عليه، وترك من الأولاد محمد بك، وسليمان بك.

ولادته، نشأته، ثقافته وتكوينه الفكري
ولد فائق في بغداد. في دار والده طالب الذي لا يبعد عن سراي الحكومة إلا قليلا, في الجانب الشرقي من المدينة، وهو موضع سكن الطبقة العليا في المجتمع البغدادي. ووصف هذا الجانب من المدينة أحد الرحالة الأجانب بأنه "يقع فيه مسكن الباشا والبعثة البريطانية, وجميع الناس المعروفين, وبالتحديد تقع هذه الدار في محلة يطلق عليها اسم محلة (جديد حسن باشا), ويذكر كامل الجادرجي أنه ولد في تلك المحلة, وان أحد الدور المجاورة لدارهم هي دار سليمان فائق. أما تاريخ ولادته فقد تباينت المصادر في تحديده, فبعضها يشير إلى انه ولد في سنة 1801م، بينما ورد في مصادر اخرى أنه ولد ما بين سنتي 1812ـ1816م(  في حين يذكر مير بصري انه ولد سنة 1814م. في حين يكتفي احد تلك المصادر بتحديد مطلع القرن (13هـ/19م) تاريخاً لولادته. والراجح أنه ولد في سنة 1816م، وذلك اعتماداً على رواية ابنه حكمت سليمان، وعلى احد الترجمات التي تعد أوسع ما كتب عنه وعن أسرته، وهي بعنوان (ترجمة سليمان بك ووالده وولده) ، التي حددت تاريخ ولادته في بداية عهد داود باشا أي: عام 1816م.
إن ولادته، في مفتتح عهد الوالي داود باشا تركت أثراً واضحاً في مستواه الثقافي وتكوينه الفكري، فقد شهد العراق ولاسيما بغداد في هذا العهد انتعاشاً في الحياة الثقافية. وتأثر بشكل أو بآخر بأحداث ذلك العهد، الذي شغل سنوات حياته الأولى، حتى بلغ الخمسة عشر عاماً من عمره، وإذا كان صغر سنه قد حال دون اشتراكه في صنع أحداث ذلك العهد، فقد كان لأسرته وموقع سكناه الدور المهم في ان يكون على تماس مع تلك الأحداث. ففي عهد هذا الوالي اخذ نجم أسرته بالصعود نتيجة للمكانة السياسية التي نالها عميد هذه الأسرة (طالب) ، وذلك لتبوئه المناصب المهمة في حكومة المماليك وللمكانة الاجتماعية بسبب نشأته في بغداد ودراسته في مدارس المماليك التي كانت تضم أعداداً من ابناء الاسر البارزة في أوساط المجتمع البغدادي آنذاك.
ان فترة حكم المماليك اتسمت بسمات، كان من بينها شيوع ظاهرة المجالس الأدبية في بيوت الفئات المثقفة في المجتمع، وكثيراً ما تحولت هذه المجالس إلى ندوات فكرية ناقشت مشاكل اجتماعية، وتضم في بعض الأحيان أناساً من طبقات مختلفة اقتصادياً لا يجمعها إلا حب العلم. ونحن لا نبالغ إذا قلنا ان شخص مثل (طالب) وما يمتاز به من مكانة اجتماعية وثقافية، كان قد تأثر بهذه السمة، ويبدو إن منزله كان محّجاً يتردد عليه رجال العلم والمثقفون من مختلف الطبقات الاجتماعية. كما تأثر بظاهرة أخرى هي بناء المساجد وتجديدها ووقف الأوقاف لها. فبنى مسجداً قرب داره، في وقت كانت فيه المساجد، والتكايا ما تزال تقوم بدورها الثقافي، إلى جانب دورها الديني، في تعليم القراءات والخط وغيرها. وهذا ما دفع (طالباً) إلى ان يوظف لمسجده هذا (ملا) ، يدعى (الملا عبد الرزاق معروف). وإذا كان طالب بهذا المستوى من الوعي والثقافة، فمن المرجح انه حاول جاهداً ان يحصل ولده على مستوى ثقافي جيد يليق بمكانة عائلته وسط المجتمع، ويؤهله للحصول على المناصب الرفيعة في مراحل حياته اللاحقة.
اما موقع سكناه فقد كان له ايضاً اثر واضح في مستواه الثقافي والفكري، فقد ساعده هذا الموقع في الاطلاع على احداث ذلك العهد، إذ كان مجاوراً لسراي الحكومة، وبطبيعة الحال فقد شهدت تلك المؤسسة الرسمية احداثاً متشابكة ومختلفة، فهي مقصد المبعوثين من العاصمة اسطنبول لنقل تعليمات الحكومة المركزية هناك، وهي منتهى طموح المتنافسين على الحكم، إلى جانب مؤسسات حكومية أخرى تشاركها في الأهمية، فأخذت أذناه تتلقف الروايات من أفراد أسرته (أبيه وجده لامه بالدرجة الأساس) وأبناء محلته وبعض رجالات الحكم القاطنين في تلك المحلة أو بالقرب منها، فضلاً عن جهوده الشخصية في متابعة معظم ما يدور في تلك المؤسسة وما حولها من أحداث. وعلى أية حال فقد تركت تلك البيئة والحياة المفعمة بالحيوية أثراً واضحاً في حياته، وكانت رافداً استقى منه كثيراً من المعلومات. فظهرت آثارها بشكل ماثل للعيان في كتاباته عن عهد المماليك.
استطاع أتاحت البيئة الأولى التي نشأ في كنفها  فائق ان يتلقى، منذ نعومة أظفاره، تعليماً جيداً، وقد أسهمت جملة من الروافد والقنوات في رفع مستواه الثقافي والفكري، وفي مقدمة تلك الروافد العاصمة اسطنبول التي كانت قبلة أنظار الفئة المثقفة العراقية، لما تتمتع به من مظاهر التطور الحضاري إذا ما قيست ببقية الأقاليم الخاضعة للدولة العثمانية. وكان لظهور الطباعة فيها منذ عام 1727م, أثر واضح في انتعاش الجانب الثقافي, فأخذت أنظار تلك الفئة ترنو إلى نتاجات رجال الفكر والأدب في اسطنبول, وأصبحت الكتب التركية المؤلفة والمترجمة منهلاً للمثقفين العراقيين الذين تعرفوا عن طريقها الى العلوم الحديثة والأفكار المستنيرة. فكان فائق أحد أبرز عناصر تلك الفئة، من خلال اطلاعه على بعض تلك المؤلفات. ثم ان النهضة الفكرية التي عاشتها مصر قد أثرت أيضاً في المثقفين العراقيين، وتدفقت المطبوعات المصرية إلى العراق, وكان لفائق أيضا نصيبه من هذا التيار الفكري، فقرأ ومحص بعض تلك المطبوعات.
إن زيارات فائق المتكررة إلى اسطنبول أتاحت له فرصة الاطلاع إلى ما يدور في العالم من خلال تلك المدينة, والاتصال برجال الفكر والأدب والسياسة هناك, والذين كانوا ينشدون الإصلاح والأخذ بأسباب التقدم والرقي، اسوة ببقية الدول والشعوب، ولاسيما الدول الأوربية، أمثال نامق كمال، وبدا تأثير هؤلاء المجددين الأتراك واضحاً في نتاجات المثقفين العراقيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ اقتبسوا أفكارهم. والأمر نفسه ينطبق على فائق الذي تأثر بهؤلاء المجددين, وكان معروفاً بميله إلى نامق كمال.

صفات سليمان فائق وبعض ملامح شخصيته
كان فائق اسمر اللون، نحيف البدن، خفيف الروح. ويتمتع بصفات خلقية سامية، ذكرها جميع من ترجم لهُ أو كتب عن سيرته، فقد مدحه أبو الثناء الآلوسي في العديد من مؤلفاته، فوصفه بالاخلاص والصدق، وأشاد بعلوّ همّته وكرم أخلاقه وقوّة شخصيته، وكذلك أشاد بلين جانبه وطيب صحبته، وقال فيه:
ولو أن المكارم صرن نفساً
لكان لها الضمائر والعيونا
ومدحه لسمو أخلاقه وصفاته الحميدة وصحبته الجميلة، إذ كان يجالسه ويتسامر معه. وفي موضع آخر ذكر أنه رأى من حسن أخلاقه و جميل صفاته الشيء الكثير، إلى أن يقول:
لا أبصرت مقلتي محاسنه
إن كنت أبصرت مثله حسنا
وكان فائق ذا أدبٍ جمٍ وسلوك مرضٍٍ، ويمتلك سمعة طيبة عند
معاصريه. ووصف بسداد الرأي)، كما عد من أهل الفضل  والعرفان. وقد وصف أيضا بكونه غيوراً على وطنه (العراق)، على الرغم من كونه من المماليك، إذ أشار في ثنايا مؤلفاته إلى مكانة العراق في نفسه، وهو يحترق ألماً لما حلّ بالبلد من خراب وفساد، ويشعر بمرارة وأسف وحزن بالغ حينما يتحدث عن أوضاع العراق. وفضلاً عن ذلك كان ثائراً بطبيعته، لذا فقد نقم على السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م)، وعدّ من مناصري كل جماعة تعمل ضده مهما كان نوعها وطبيعة عملها.

زواج سليمان فائق وأولاده:
تزوج فائق ثلاث نسوة، كانت إحداهن عربية الأصل من عائلة (العمري) المشهورة في الموصل، والأخرى شركسية توصف بأنها قوية الشخصية وشديدة المراس الذي قد يصل أحياناً حد العناد. أما الثالثة فليس هناك ثمة أشارة اليها. وكان له من تلك النسوة أولاد ربما قاربوا العشرين ولداً، مات أكثرهم في حياته. وترك من بعده ثمانية أبناء أكبرهم راغب. ودونه نشأت وكمال. وبرز أبناؤه في أكثر من مجال، فكان نعمان الملقب بـ (ثابت)، رجلاً مثقفاً، إلى درجة ان والده قد نشر احد مؤلفاته بأسمه. وكان محمود شوكت قائداً عسكرياً ومثقفاً أيضاً ألفّ وترجم العديد من الكتب، وقد اغتيل عام 1913. وبرز منهم مراد سليمان، الذي
أصدر (صحيفة بغداد)، واشتهر من أبناؤه أيضاً خالد
سليمان، وحكمت سليمان الذي أدى دوراً بارزاً في الانقلاب الذي وقع عام 1936م، في العراق وأصبح رئيساً للوزراء. وقد ترك فائق بقوة شخصيته وثقافته و روحه الثورية بصمات واضحة على شخصيات أبنائه، فعلى سبيل المثال كان حكمت وأخواه مراد وخالد يجتمعون في داره مع معروف الرصافي، ويعقدون مجلساً لمناقشة أفكار الأحرار في مقاومة الاستبداد، وكان يختلف إلى هذا المجلس رجال العلم والسياسة..

وظائفه
تقلد فائق مناصب كثيرة هي:
‌أ. مدير المحاسبات العسكرية للفيلق السادس في بغداد (... – 1267 هـ /...
–1850م).
ب - رئيس ديوان الإنشاء في ديار بكر (1267 هـ -.../1850م -...).
ج - قائممقام قضاء خراسان (بعقوبة) (1274 هـ -... /1857م -...).
وهو أول من شغل هذا المنصب في قضاء خراسان، واتخذ بلدة بعقوبة قاعدة لمركز قضائه، ولم تسعفنا المصادر في التعرف على أعماله بشكل مفصل ودقيق خلال تبوئه تلك المناصب وغيرها، سوى ما أشار إليه هو في أكثر من موضع في مؤلفاته. فعندما كان يشغل منصب قائممقام قضاء خراسان، حاول جاهداً تقديم العون والمساعدة إلى والي بغداد عمر لطفي باشا (1858-1859م)، في التصدي لعشائر عربية غازية جاءت من بادية الشام، وعند اقترابها من بغداد و وصول الخبر إلى الوالي الذي كان في لواء شهرزور تحرك بسرعة مع قوات عسكرية حتى وصل إلى المناطق التي كانت تحت ادارة فائق، الذي استقبل الوالي ورحب به ثم اخبره بعودة تلك العشائر من حيث جاءت.
 د. محاسب المنتفق (1278-1281هـ/1861-1864م)
وقد سعى أثناء حصوله على هذا المنصب إلى تهدئة الأوضاع المضطربة في المنتفق، وصرف في سبيل تحقيق ذلك مبالغ مالية دفعها من ماله الخاص. وفي أثناء تلك الوظيفة أيضاً أنيطت به مهمة جلب ناصر السعدون إلى بغداد لغرض التفاوض مع الحكومة، وقد نجح في تحقيق ذلك، بعد ان اعطى العهود والمواثيق بعدم القبض عليه من قبل الحكومة، والحفاظ على حياته. وقد تعرض فائق لحوداث عدة في المنتفق في أثناء عمله في تلك الحقبة. فقد حرض ناصر السعدون بعض العشائر القاطنة هناك على الحكومة، واتفق مع مجموعة من اقاربه واعوانه على قتل المحاسب، فقاموا بأضطهاده وقتل بعض غلمانه، وكادوا يقتلونه لو لم يقف منصور السعدون بجانبه معلناً حمايته له، واستعداده لمجابهتهم دفاعاً عنه حتى لو كلفه ذلك حياته. كذلك تعرض أثناء عمله هذا إلى اضطهاد العشائر القاطنة في سوق الشيوخ، والتي حاولت قتله، لكنه تمكن من الهرب بمساعدة داود افندي السعدي الذي كان يشغل وظيفة الافتاء والتدريس في تلك المنطقة، فاستطاع ان يرسله إلى القرنة مصحوباً بحماية بعض المشايخ، فوصلها سالماً.
وكانت الأوضاع في المنتفق مضطربة أثناء وجود فائق هناك، وهذا ما دفع الوالي محمد نامق باشا (1862 – 1867م)، إلى عدم دفعه للأموال التي أنفقها المحاسب لغرض تحسين الأوضاع هناك، وكذلك أساء الظن به، معتقداً انه من أعوان ناصر السعدون، وهذا ما دفعه إلى أبعاده إلى البصرة بصفته محاسب.
هـ. محاسب ثم قائممقام ثم متصرف للبصرة(1281-1286 هـ/1864-1869م).
وقد اضطر فائق، عندما كان قائممقام في البصرة، إلى ان يستعين بأهالي تلك المدينة، لعدم وصول الامدادات إليه، فجند ما يقارب (2000) شخص منهم، على اثر مهاجمة عشيرة بني مالك الساكنة بجوار البصرة، القوات الحكومية هناك، فقام بتسليح المجندين واحضر لهم المدافع وكبَّد العشيرة خسائر تقدَّر بـ (600) قتيل، فاضطرت إلى طلب العفو من الحكومة. وفضلاً عن ذلك قام ببعض الأعمال التي نال بها مدح الشعراء،
كما ساهم فائق في الإصلاحات التي قام بها الوالي مدحت باشا, فقدم تقريراً، بطلب من هذا الوالي، عن الأراضي والحالة الزراعية في العراق لا سيما في منطقة المنتفق، مما سهل مهمة ذلك الوالي في الإصلاح، عندما شرع بتمليك الأراضي للعراقيين لتسهيل الزراعة وتشجيعهم عليها.
وعندما أصبح متصرفاً للبصرة أثار هذا التعيين غضب ناصر السعدون، الذي أخذ يحرض أهالي البصرة على التقدم إلى الوالي بالشكاوى ضده, مطالبته بعزله, وقد تمّ لناصر السعدون وصديقه رائف أفندي معاون مدحت باشا تحقيق هدفهما هذا, فأصدر الوالي أمره بعزل فائق من منصبه. كما وجهت إليه تهمة الاختلاس, لكنه أثبت براءته منها، ولم تثبت عليه تلك التهمة. لذا نراه يسافر إلى اسطنبول ويمكث فيها مدة طويلة من غير أن يشغل أية وظيفة حكومية فيها. في أثناء إقامته هناك, وفي عام 1876م, وجهت إليه تهمة الاشتراك في حادثة علي السعاوي. ولكن لم تثبت هذه التهمة عليه, فاكتفى السلطان عبد الحميد الثاني بنفيه إلى جزيرة ساقز, ومن ثم نال عفواً عاد على أثره إلى بغداد.
و – كاتب ديوان في (جنوبي أزمير) في ولاية آيدن
(...-1309هـ/...- 1891م).
ز- كاتب ديوان ولاية بغداد (1309ـ1310هـ/1891ـ1892م).
ح- كاتب ديوان ولاية ديار بكر (1310ـ.....هـ/1892ـ....م).
وتذكر بعض المصادر أنه أصبح متصرفاً لسنجق الديوانية, ولكنها في الوقت نفسه تختلف في تحديد مدة بقائه في هذا المنصب, فيشير بعض منها إلى أنه شغل هذا المنصب للمدة ما بين عامي (1900 و1901م), في حين يذكر بعضها الآخر أنه شغلها من (1901و1904م), ويبدو أنه لم يشغل هذا المنصب, وربما كانت الوظيفة الأخيرة، وهي (كاتب ديوان) في ولاية بغداد، آخر ما تقلده فائق من مناصب حكومية, وذلك اعتمادا على تاريخ وفاته.
ومن الجدير بالذكر إلى ان فائق قام ببعض الأعمال التي يمكن ان تعدّ صورة من صور مشاركته في الحياة العامة، فقد نوهنا – سابقاً – إلى مجلسه، وكون منزله كان بمثابة مدرسة فكرية أسهمت ولو بشكل يسير في تنوير الأذهان وتنبيهها إلى المساوئ التي تحيط بالمجتمع، ولاسيما في منطقة المنتفق، وأوضح ذلك من خلال نشر المقالات في الصحف المختلفة، وحاول بذلك ان ينبه المسؤولين إلى خطورة الأمر وتفاقمه هناك. فضلاً عن تبرع فائق بالمال لبناء مدرسة الصنائع، مع مجموعة من وجهاء ومتنفذي العراق آنذاك.

وفاته
كان فائق قد غادر بغداد مع أفراد عائلته، بسبب تفشي الطاعون فيها، فاتجه إلى بعقوبة وفي اثناء سفره تعرض إلى حادث ظلَّ مقعداً على اثره مدة من الزمن، ثم اصيب بعدة امراض لكبر سنه، وتوفى في 28 جمادي الآخرة عام 1314هـ/28 كانون الأول عام 1896م عن عمر ناهز الثمانين عاماً . وتذكر بعض المصادر أنه توفي في عام 1895، وذكر بعضها انه عاش خمساً وتسعين عاما‍ً. ومن الراجح ان التاريخ الأول هو الصحيح، اعتماداً على تاريخ ولادته. وقد دفن في المسجد الذي بناه والده بجانب الرصافة في بغداد .