الزعيم عبد الكريم قاسم ومشكلة الصرائف في بغداد(2 ـ 2)

الزعيم عبد الكريم قاسم ومشكلة الصرائف في بغداد(2 ـ 2)

■ حيدرعطية كاظم
لايخلو من مغزى عميق، أن عبد الكريم قاسم استخدم في مفاوضاته مع شركات النفط العاملة في العراق، كل الأوراق ووسائل الضغط على ممثلي الشركات بما فيها موضوع الصرائف، وذلك عندما قال  في جلسة المفاوضات المنعقدة بتاريخ 6 نيسان 1961 ما نصه: " لم تكن هذه الصرائف التي ترونها إلا نتيجة لسرقة ثرواتنا".

 ولم يكتفِ عبد الكريم قاسم بذلك فقط وأنما، قام بنقل وفد شركات النفط الذي يفاوضه الى منطقة الصرائف في شرق بغداد، بهدف اطلاع الوفد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعاني منها سكان تلك المنطقة اولاً، وليقول لهم أن شركات النفط هي المسؤولة عن البؤس الذي يعيش فيه سكان الصرائف ثانيا، وأنه لم يتفاوض إلا من أجل ضمان حقوق الشعب التي طمسها العهد السابق.
من المهم أن نلاحظ أن عبد الكريم قاسم كان يعلم أن مشروعه الذي تضمن القضاء على أكثر من مئة ألف صريفة مشروعا كبيرا يحتاج إلى حشد المزيد من الإمكانيات، ودعوة العديد من فئات المجتمع العراقي للمشاركة فيه، ومما قال في هذا المجال . لن تقوم لنا قائمة ولن يشتد ساعدنا إلا إذا تغلبنا على الفقر في هذا البلد، وإلا إذا تمكنا من مساعدة الضعفاء والقضاء على الصرائف المنتشرة هنا وهناك، وعليه يمكننا أن نفهم قراره بتعيين حسن رفعت رئيس "لجنة النظر في مشكلة أهل الصرائف" وزيرٍ للأشغال والإسكان. في هكذا اهتمام من قبل رئيس الوزراء لم يكن غريبا أن يقترح أكثر من متصرف تأسيس مصلحة ترتبط بوزارة الأشغال والإسكان، تكون مهمتها معالجة مشاكل أصحاب الصرائف سواء ما كان منها في بغداد أو في الألوية الأخرى عن طريق تشييد دور السكن لهم أو توزيع الأراضي السكنية عليهم.
تم في ذلك الوقت وتحديدا تشرين الثاني 1960، تشكيل لجنة تابعة لوزارة الأشغال والإسكان سميت بـ" لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي"، كانت برئاسة المهندس معروف بوتان جياووك، حددت مهمتها، بتوزيع الأراضي المفروزة على أصحاب الصرائف المسجلين في جمعية بناء المساكن التعاونية. كانت أوامر عبد الكريم قاسم واضحة ومحددة للجنة المذكورة، أهمها، عدم تخصيص أية قطعة سكنية لأي شخص إلا بعد استكمال منح كل أصحاب الصرائف قطع الأراضي السكنية، فضلا عن عدم ترحيل أي صاحب صريفة إلا بعد تخصيص قطعة الأرض التي سيرحل إليها. مع تأكيده بأن النقل لا يتم إلى مدينة الثورة إلا بعد التأكد من وصول الخدمات الأساسية لها.
لم يكتفِ عبد الكريم قاسم بإصدار التعليمات فقط وإنما، كان يفضل أن يقف على واقع الحال بشكل مباشر، ففي أحدى زياراته للقسم الجنوبي من مدينة الثورة، أشتكى أهل ذلك القسم من ضعف تدفق ماء إسالة بغداد، فأوعز إلى المسؤولين في تلك الإسالة بتقوية تدفق الماء إلى  ما أسماهم بـ"إخواننا في الحق".
قلنا إن عبد الكريم قاسم، كان قد أصدر أمرا بأن يكون توزيع أراضي مدينة الثورة حصرا بأصحاب الصرائف، وكان عبد الكريم قاسم عند وعده، وكلامه لن يتزحزح عنه مهما كانت الظروف وطبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت تربطه بأقرب الأقربين إليه، فقد طلبت منه بنت أمه وأبيه أمينه، التي كانت تسكن وعائلتها دارا مستأجرة وحالتها المادية ضعيفة لا تسمح لها بشراء دار لها، طلبت أن يخصص لها أرضاً، باعتباره من يملك أعلى سلطة في العراق آنذاك، فقام عبد الكريم قاسم باصطحابها إلى السدة الشرقية ليقول لها كلاما لا ينطق به إلا المخلص جداً لوطنه وشعبه:
"أترين هذه الصرائف، هؤلاء أحق منك في الحصول على دور سكنية تليق بهم، وحتى أنتهي من توفير دور السكن لهؤلاء سيكون لك الحق في أن تحصلي على دار سكنية مثلهم ".
رأى عبد الكريم قاسم أن مناسبة عقد المهندسين العراقيين لمؤتمرهم الثالث الذي عقد بتاريخ 17 كانون الثاني 1961، فرصة عليه أن يستثمرها في دعوتهم لمساعدة إخوانهم أصحاب الصرائف، لا بأس أن نتركه يتحدث مع المهندسين عن همه الأول بهذه الكلمات الواضحة : " ألا يعز عليكم أيها الإخوان، أن ترون أبناء الشعب من إخوانكم الفقراء والآخرين يسكنون بمثل هذه الصرائف المنتشرة هنا وهناك". ثم راح يشحذ همم المهندسين العراقيين للمساهمة في إعداد خطته للترفيه عن أهل الصرائف إذ قال:" علينا إعداد العدة وإعداد الخطة، للترفيه عن هؤلاء، وتشجيعهم على ترك هذه الصرائف، والسكن بدور مريحة تؤمن لهم العيش هم وأطفالهم".
أثمرت جهود وزارة الأشغال والإسكان و" لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي" التي واصلت في عملها النهار بالليل على فرز 22 ألف قطعة سكنية في مدينه الثورة، فقد أعلن حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان، أولا، أن عبد الكريم قاسم أشرف على كل الترتيبات اللازمة لتحسين حالة سكن أصحاب الصرائف الموجودة في أطراف العاصمة بغداد، بعد ذلك زف الوزير المذكور البشرى لأولئك المساكين، بأنه سيتم توزيع 22 ألف قطعة سكنية لأهل الصرائف، مساحة كل قطعة منها أقل قليلا من 150 م2، وهي من الأراضي الأميرية، ليتمكنوا من بناء دورٍ بسيطة لهم في مدينة الثورة. على أن يكون البناء على أساس النموذج الذي بنته الحكومة في مقدمة المدينة. ثم أعلن وزير الأشغال والإسكان عن رغبة الزعيم في إدخال جميع مظاهر الحياة العصرية لمدينة الثورة، فسيكون للمدينة المذكورة حدائق وطرق معبدة ومدارس ومستوصفات وخط لمصلحة نقل الركاب لنقل أبناء هذه المدينة إلى بغداد، فضلا عن قرار الزعيم بإنشاء طريق تمتد من مدينة الثورة إلى ساحة الطيران في الباب الشرقي، مما يسهل عملية وصول سكان المدينة في أقصر وقت ممكن.
يلح علينا القول هنا، إن ظاهرة الترحيل القسري لأصحاب الصرائف في بغداد دون إيجاد مأوى لهم، لم تعد موجودة بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958، ففي أغلب المخاطبات الرسمية التي كانت بين الوزارات التي تهتم بقضية أصحاب الصرائف، كانت عناوين الكتب المرسلة هي ترحيل و إسكان، وهذا لم يكن معهودا في العهد الملكي، لاسيما وفي أكثر الأحيان تلجأ السلطات الحكومية آنذاك إلى هدم أحياء كاملة من الصرائف في بغداد. وكما كانت أحياء الصرائف متغلغلة بشكل لافت للنظر في معظم ضواحي مدينة بغداد لدرجة أنها وجدت بالقرب من أهم المباني والمقار الحكومية لمجلس السيادة والعديد من الوزارات، والمؤلم حقا أنها أنشئت في بعض المناطق الخطرة كوقوعها تحت أسلاك وأبراج نقل الطاقة الكهربائية، فضلا عن وجودها في بعض الفضاءات التي خصصت لإقامة المشاريع الحيوية عليها، فأنه، أُعطي لأصحاب هذه الصرائف جميعهم الأولوية في تخصيص الأراضي السكنية لهم في مدينة الثورة، ثم ترحيلهم إليها.
 مما يستحق الذكر هنا، أن ثلة من أصحاب الصرائف، بسبب عدم ثقتهم بإجراءات الترحيل، أو بسبب ارتباط بعضهم بمصالح شخصية مع بيئتهم، أو بسبب ضعف وعيهم الذي لم يسمح لها، فهم معنى الانتقال والتغيير الكبير الذي ينتظرهم، آثروا البقاء فلم يملأوا استمارات توزيع الأراضي في مدينة الثورة، الأمر الذي استوجب توجيه دعوات لهم للحضور إلى مقر "لجنة الترحيل وتوزيع الدور و الأراضي" لملء استمارات الأراضي، وغالبا ما تكون هذه الدعوات مصحوبة بتوجيه الإنذار لهم. وهناك نوع آخر من سكان الصرائف فضلوا البقاء في أحيائهم واختاروا الحياة فيها، بسبب قرب محل سكانهم من مكان عملهم، مثل أولئك الذين سكنوا إلى جوار معامل الطابوق في مناطق الشماعية وشاعوره وأم جدر. غير أن الشرطة كانت ترحل هؤلاء من أماكنهم إلى الأراضي التي خصصت لهم بقوة القانون، وكان ذلك يتم في الغالب إما بموجب دعوى قضائية يرفعها أصحاب الأراضي الأصليين التي شيدت عليها الصرائف، أو لأجل إقامة مشروع عمراني في العاصمة.
لعل شهادة إسماعيل العارف، تفيدنا في هذا المجال وهي أيضا توضح لنا الطريقة الحضارية التي يتعامل بها عبد الكريم قاسم مع سكان الصرائف، وذلك عندما ذكر أنه ذهب مع عبد الكريم قاسم ليلا، لإلقاء نظرة على أحوال الصرائف، وكثيرا، ما كان الزعيم يقوم بهذا العمل، قبل أن ينقلوا إلى مدينة الثورة المجاورة لصرائفهم، ويتذوقوا لأول مرة في حياتهم طعم السكن اللائق بالإنسان وكانوا فرحين بما يتحقق لهؤلاء الناس من حياة جديدة مشرقة . لكن ما أن ترجلا من السيارة، وتجمع سكان الأكواخ حول عبد الكريم قاسم يقبلونه ويقبلون سيارته، حتى انبرى له شيخ كبير، طالبا منه، أن يأمر الجهات التي تنوي ترحيلهم إلى أمكانهم الجديدة، أن يدعهم فيها لأنها ديارهم التي تعودوا العيش فيها، ولايحبذون الانتقال منها. عندها قال عبد الكريم قاسم له: " لقد هيئنا لكم دورا لائقة فيها الماء الصافي والكهرباء، إليس أفضل لكم أن تعيشوا فيها بكرامة ؟ أخرجوا غدا وقفوا على السدة الترابية مجردين من أثاثكم وسوف أبعث اليكم من يرتب أحوالكم "، وأضاف العارف أن الزعيم عبد الكريم ركب سيارته وهو متألم، لأن التعاسة المزرية التي عاشها هؤلاء البؤساء غطت أعينهم بغشاوة كثيفة، أفقدتهم القدرة على التمييز وقتلت فيهم التطلع إلى حياة أفضل.قطع عبد الكريم قاسم عهدا لأصحاب الصرائف، بعدم تركهم وشأنهم والاكتفاء بتوزيع الأراضي السكنية عليهم، دون أي متابعة منه، فقد ورد في أحد خطبه أنه قال : " سوف تكون بيوتا عامرة عما قريب، ولن يحل يوم 14 تموز حتى ترون 14 شارعا تمتد من شرقي بغداد إلى غربها، تفتح المناطق لأهل الصرائف للأحياء القديمة تنطلق فتقسمها إلى قواطع، وعند ذاك يسهل التنقل فيما  بينهم ويسهل نقل الماء الصافي وبسهل وصول الكهرباء إليهم". وقبل الموعد الذي التزم به عبد الكريم قاسم بأيام، أعلن حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان خبر إيصال الماء والكهرباء للقطع المفروزة في مدينه الثورة، وأن تعبيد الشوارع جارٍ بوتيرة أسرع مما كان مقرراً، فضلا عن إعلانه بدء وزارته ببناء مدرستين وسوق وحمام شعبي وجامع، ناهيك عن الأبنية العامة الأخرى التي هي قيد الإنشاء والدراسة.
حرص عبد الكريم قاسم على متابعة عملية أنتقال سكان الصرائف وتذليل كل الصعوبات التي تقف أمام عملية الانتقال هذه، فكان في زيارته المتكررة للمدينة الناشئة يسمع بكل سرور لمطالب سكانها، وأحيانا يستلم عرائض مكتوبة ليقوم بدراستها وتنفيذ ما يمكن تنفيذه عن طريق الدوائر المختلفة، كل ذلك لتكون المدينة الجديدة مركز جذب لسكان الصرائف في بغداد.
لم يكن ذلك كافيا برأي عبد الكريم قاسم فقام في 13 آب 1961 بتشكيل لجنة وزارية مهمتها تسريع عملية تقديم الخدمات لسكان مدينة الثورة، تكونت هذه اللجنة من حسن رفعت وزير الإسكان والأشغال وباقر الدجيلي وزير البلديات ومتصرف (محافظ ) بغداد. ترأس عبد الكريم قاسم اللجنة وتدارست كل التقارير الفنية وغيرها الخاصة بالنهوض بمدينه الثورة، ثم أصطحب عبد الكريم قاسم اللجنة إلى المدينة، لتتطلع على واقع المدينة عن كثب والمشروعات الجاري تنفيذها بها، والمشاريع المطلوب بناؤها فيها. ووعد عبد الكريم قاسم الذين لم يحصلوا على قطع سكنية بأن لجنة ستأتي لتسجيل أسماءهم ليمنحوا قطع الأراضي السكنية، ووعدهم بإيصال الماء والكهرباء لهم بأقصى سرعة ممكنة، وأمر بتوفير الماء الصالح للشرب بشكل مؤقت عن طريق السيارات الحوضية.
قامت الدوائر الحكومية المختصة في اليوم التالي من زيارة عبد الكريم قاسم إلى مدينة الثورة بحملة لتنفيذ التوجيهات والتعليمات التي أصدرها رئيس الوزراء فيما يتعلق بمشروع إسكان أصحاب الصرائف وتهيئة سبل الراحة لهم، لاسيما إيصال الماء والكهرباء إلى المنطقة التي سيشيدون الدور عليها في مدينة الثورة، وعليه باشرت الجهات المختصة في مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد بمد أنابيب المياه بطول أكثر من سبعة كيلو مترات وبقطر 15 عقدة . أعلن فائق أحمد حالت مدير عام مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد، أن العمل سينجز بأقل من عشرة أيام. أما بالنسبة للكهرباء فقد اتخذت الخطوات اللازمة في مصلحة كهرباء بغداد لمد الخطوط الكهربائية وإيصال القوة الكهربائية إلى مدينه الثورة خلال عشرة أيام، وفيما يخص الشوارع والطرقات في المدينة المذكورة، فقد قامت أمانة العاصمة بحملة لتعديلها وتنظيفها، كما أقدمت الأمانة على تخصيص سيارة خاصة تقوم برش الشوارع العامة الترابية في مدينة الثورة بمادة النفط، ليسهل على المارة السير فيها.
شجعت هذه الإجراءات المترددين من سكان الصرائف على القبول بالانتقال إلى مدينة الثورة، وتسهيلا لذلك ترأس عبد الكريم قاسم جلسة طارئة لمجلس التخطيط الاقتصادي، أتخذ فيها قرارين بشأن مشروع إسكان أصحاب الصرائف، فقرر تخصيص مبلغ 8 آلاف دينار أضافه إلى مبلغ ألفي دينار مخصصة سابقا، وذلك لغرض تهيئة ومسح وتخطيط وإفراز القطع المراد توزيعها على الفقراء من أصحاب الصرائف، وخول المجلس وزارة الأشغال والإسكان الصلاحيات الكاملة لصرف الأموال. ثم قرر المجلس تخصيص مبلغ 31 ألف دينار لإنشاء محطة تصفية الماء في مدينة الثورة شرق بغداد، وتخويل وزارة الأشغال والإسكان القيام بهذا العمل، على أن تكون طاقة المحطة كافية لسد حاجات المدينة المذكورة. تنفيذاً لذلك انخرطت أكثر من جهة حكومية في عمل متواصل . عبرت فيه تلك الجهات عن إنجاز أعمالها بأسرع وقت من أجل إكمال عمليات المسح والفرز والتقطيع والتوزيع بفترة قياسية.
ولكي تشمل الأحياء الجديدة من مدينة الثورة الجهود الحكومية استنهضت "لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي" همم وزارتي الصناعة والبلديات ورجتهما بالإيعاز إلى الجهات المختصة لغرض الإسراع بمد أنابيب الماء وتأسيس الكهرباء للقطع الأراضي الأخرى التي تم توزيعها في مدينه الثورة مؤخرا، لأن التأخير في ذلك سيؤدي إلى عدم تشجيع المواطنين في سكن هذه المدينة، التي تعتبر من المنجزات الهامة لثورة 14 تموز، والتي هي موضع الاهتمام الكلي لعبد الكريم قاسم.
ما يستحق الذكر هنا، أن وزارة الأشغال والإسكان حاولت أن تقضي عمليا على عزلة أصحاب الصرائف وتجعلهم في تماسٍ مباشرٍ ومعايشة يومية للحياة الحضرية لمدينة بغداد، بأن وزعت حوالي 200 دارا من مجموع 911 داراً التي أنجزتها حكومة الثورة، على بعض فئات الموظفين في أجهزة الدولة .
بعد ذلك كله، بدأت الحياة تدبُ في مدينة الثورة موضوع البحث رويدا رويدا، فقد أعلنت مصلحة إسالة الماء لمنطقة بغداد، بناء على أمر الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء، أن المرحلة الثانية التي ستبدأ بها المصلحة فور تسليم القطع المفروزة لأصحابها، هي مد شبكة داخلية لأنابيب المياه داخل المدينة لتزويد الدور التي ستشيد على القطع الموزعة بالمياه النقية. فضلا عن ذلك أخذت أمانة العاصمة تقدم الخدمات البلدية إلى مدينة الثورة، مثل تسوية الشوارع الداخلية للقطع المخصصة للتوزيع، ورشها بالنفط بصورة دورية تمهيدا لتبليطها تدريجيا في المستقبل. من جانب آخر وافق" مجلس التخطيط الاقتصادي" على إحالة تبليط شارعٍ موازٍ لمدينة الثورة من جهتها الجنوبية بطول كيلو مترين، وبعرض 51 مترا من شأنه المساهمة في إعمار المدينة المذكورة وتسهيل ارتباطها بمناطق بغداد الأخرى.
آلى عبد الكريم قاسم اليوم الأول من العام 1962، إلا أن يزور بعض أحياء الصرائف الذين لم يشملهم  بعد توزيع قطع الأراضي في مدينة الثورة. المهم أنه اسمعهم كلاما يستحق أن نثبته هنا:  " إنني أرغب قبل كل شيء في صباح هذا العام الجديد بزيارة إخواني الفقراء والمحتاجين، فإنني من الفقراء، وأرغب أن أكون بينهم في أحيائهم ومحلاتهم في الساعات الأولى من هذا العام، ليذكرني ذلك دائما بالاستمرار على العمل من أجلهم والاطلاع على حالهم، وأرجو الله أن يساعدنا للقضاء على الاستعمار، ونشر العدالة في بلادنا، ومواصلة الكفاح بصبر وعزم لرفع مستوى المحتاجين والفقراء، ولنتمكن من إعداد وتأمين المناطق والمساكن والدور العامرة لهم ولعوائلهم، وبصورة خاصة لإخواننا أهل الصرائف".يبدو أن جدية الحكومة في تأهيل مدينة الثورة للسكن من خلال الخدمات البلدية والاجتماعية التي بذلتها، شجع الكثير من أصحاب الصرائف على مراجعة وزارة الأشغال والإسكان للحصول على قطع أراضي في المدينة المذكورة . الأمر الذي أكده عبد الكريم قاسم عندما قال ما نصه :"خلقت ثورتنا البناءة وعيا جديدا في نفوس الفلاحين والعمال والمواطنين الآخرين في جميع أرجاء العراق، فعندما كانوا يتهيبون من الحكومة عندما تهرع إليهم لإنقاذهم من بؤس الصرائف وشظف العيش، ورواسب التأخر والجمود، انعكست الآية، فأصبحوا هم يهرعون إلى الحكومة، وإلى المسؤولين وكثيرا ما يراجعونني بالذات ويقولون: يا سيادة الزعيم أنقذنا كما أنقذت غيرنا، أعطنا حقنا من الأرض، إننا مستعدون لإعمارها وبنائها، إننا جنودك وجنود الجمهورية ".
طبقاً لإحدى وثائق وزارة الداخلية، انهالت طلبات أصحاب الصرائف للحصول على قطع الأراضي السكنية في مدينة الثورة على أكثر من جهة حكومية
لاسيما وزارة الأشغال والإسكان. سبب ذلك الأمر إرباكاً في عمل "لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي"، لأجل ذلك أصدر حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان بيانا لتنظيم وتوزيع الأراضي على المواطنين من سكنة الصرائف، قال فيه حصر مراجعة أصحاب الصرائف باللجنة المذكورة كونها الجهة الوحيدة المختصة بأمور توزيع الأراضي على أصحاب الصرائف، كما أعلن حسن رفعت أن قوائم التوزيع ستصدر في أول كل شهر، لذلك لا تقبل المراجعات إلا في هذا اليوم بغية فسح المجال أمام الموظفين لإنجاز المعاملات، مؤكدا أن الأراضي التي ستوزع مخصصة فقط لسكان الصرائف. ورجا الوزير المذكور في ختام بيانه المواطنين الآخرين من غير سكنة الصرائف عدم المراجعة لطلب الأراضي، كون الوزارة بصدد تخصيص مناطق أخرى لهم.
في الوقت نفسه، أخذت "لجنة الترحيل وتوزيع الدور والأراضي " تستقبل طلبات الراقدين في المستشفيات من سكنه الصرائف، عندما كانت تجوبها، لتسهيل عملية تخصيص الأراضي السكنية لهم في مدينة الثورة. في خضم هذا الاهتمام الكبير اقترح حسن رفعت على مجلس الوزراء اقتراحا بإنشاء مصلحة باسم مصلحة إسكان الصرائف.تكاملت بفضل متابعة عبد الكريم قاسم المستمرة الخدمات الأساسية لمدينة الثورة، فقد تم بناء حتى نهاية 1962، ثماني وعشرين مدرسة فيها، ووضع الخطط لبناء ثمانِ مدارس أخرى، من جانبها فتحت مديرية الإعاشة العامة أربعة مخابز عامة، وفي الوقت نفسه قررت وزارة الصحة بناء مستشفى كبير بسعة 500 سرير في الثورة، كما قررت مديرية المصايف العامة أنشاء مسبحا صيفيا في مدينة الثورة.
لما كان عبد الكريم قاسم قريبا جدا من واقع وطبيعة أحياء أصحاب الصرائف في بغداد، فأنه كان يعلم بأن مدينة الثورة لا تستوعب كل أصحاب الصرائف، وعليه أمر بتخصيص منطقتين أخريين في بغداد، الأولى شمال غرب مدينة الكاظمية، والأخرى في الدورة . أعلن حسن رفعت وزير الأشغال والإسكان وساعد عبد الكريم قاسم في مشروع التخلص من الصرائف في بغداد، بأن عبد الكريم سمى المدينة الجديدة باسم " الشعلة "، وأن تصميمها سيكون على غرار تصميم مدينة الثورة، على أمل أن تستوعب المدينة الجديدة 20 ألف عائلة من سكان الصرائف، وقد خصصت اساسا لأصحاب الصرائف في الشاكرية والوشاش والكاظمية. كما أعلن الوزير المذكور عن رغبة عبد الكريم قاسم بتحويلها إلى مدينة حديثة تتوفر فيها كل مظاهر الحياة العصرية.