الزعيم عبد الكريم قاسم ومشكلة الصرائف في بغداد(1 ـ 2)

الزعيم عبد الكريم قاسم ومشكلة الصرائف في بغداد(1 ـ 2)

■ حيدرعطية كاظم
لا نبتعد عن الحقيقة أذا ما ذكرنا هنا أن ذاكرة عبد الكريم قاسم ونفسه مترعتان بالصور المؤلمة عن حياة سكان أحياء الصرائف في بغداد، لاسيما أن تلك الأحياء لم تكن بعيدة عن محل سكنه وعليه فإن مأساتهم وعذاباتهم الكبيرة لم تفارقه وظلت شاخصة أمامه.

ومن المناسب جداً أن ننقل هنا ما ذكره العقيد محسن الرفيعي، إذ قال ما نصه دون زيادة أو نقصان: "اصطحبني الزعيم ذات مرة في جولة في بغداد، كان معه السائق والمرافق وبدأنا الجولة في منطقة الصرائف خلف السدة (منطقة الشطيط ) وكان المطر شديدا جدا، وكانت المنطقة على شكل مستنقع، وهي غير مجهزة بالكهرباء، الوقت بعد منتصف الليل، وبعد أن أصبحنا في وسطها قال لي أنظر يمينا ويسارا هل يمكن لبشر أن يعيش وسط هذه الأجواء، والله لأسكنهم في دورٍ عامرة مجهزة بالماء والكهرباء وتتصل ببغداد بطرق معبدة ".
لذلك لم يكن غريباً أن يولي عبد الكريم قاسم موضوع الإسكان اهتماما كبيرا كما يؤكد الكاتب الكبير مير بصري. الحقيقة التي أكدتها إحدى الدراسات الأكاديمية عندما قالت" أثرت نشأة عبد الكريم قاسم، وفقر أبويه تأثيرا دائما في نفسه، فكان يحب الطبقات الكادحة، ويأنس لرفقة أبناء الشعب والتحدث إليهم، ومعالجة مشاكلهم، والتخفيف عن كاهلهم، ولذلك عمد حالما تسلم زمام الحكم إلى القضاء على الأكواخ المحيطة بالعاصمة والمعروفة بالصرائف فأنشأ المساكن للعمال والفلاحين".
ولتقريب الموضوع الذي نحن بصدد مناقشته نقول إن عبد الكريم لم يلتفت إلى نداء زوجة أخيه التي ناشدته بتوفير سكن لها في اليوم الثالث من عمر ثورة 14 تموز، قائلا لها، بأنه منهمك في كيفية إنقاذ أصحاب الصرائف من واقعهم.
ولم تمضِ إلا أياماً قليلة على نجاح ثورة 14 تموز حتى صرح عبد الكريم قاسم، بأنه سوف يقضي على الصرائف وأحيائها من خلال حلٍ عمليٍ ومدروس. لأجل ذلك طالب على وجه السرعة الممكنة إعداد التقارير اللازمة لوضع الحلول الناجعة لهذه المشكلة، فرفع طارق سعيد فهمي متصرف لواء بغداد في     30 آب 1958 مذكرة، تضمنت بعض الحلول والمقترحات، أهمها، توزيع الأراضي الزراعية مجاناً لمن يسكن حول العاصمة بغداد وأطرافها وإعادتهم إلى الريف، غير أن المتصرف لم يحدد الإجراءات التي ستتخذ ضد هؤلاء الذين لا يوافقون على هذا المقترح.
طبقا لذلك، نظمت الحكومة حملات دعائية، استخدمت فيها وسائل الإعلام المختلفة للترويج لفكرة العودة إلى الريف الذي زال عنه الإقطاع، كما تم إلقاء بطاقات ملونة من طائرات الجيش على أحياء الصرائف في العاصمة بغداد . تطلب فيها متصرفية بغداد من سكان الصرائف إملاءها من قبل الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم في الريف، مقرونة بوسائل ترغيب للعودة.
لم يترك عبد الكريم قاسم مجالا أو وسيلة إلا وسلكها من أجل مساعدته في إيجاد حل لمشكلة سكان الصرائف، فخاطب مؤسسة " دو كسيادس" الشركة الاستشارية لمجلس الإعمار في قطاع الإسكان في العراق لبيان رأيها في كيفية حل تلك المشكلة، غير أن المؤسسة المذكورة لم تجد غير التصميم الذي وضعته لحلها في الأسابيع الأخيرة من العهد الملكي. لم يقتنع "مجلس الإعمار" بذلك التصميم، وقرر إعادة دراسته بشكل أكثر دقة وتفصيلا. كان المجلس بعد ثورة 14 تموز يرغب بوضع المقترحات والأفكار التي من شأنها القضاء على العزلة الاجتماعية التي كان يعيش فيها سكنه الصرائف وتحويلهم إلى جزء من مجتمع  العاصمة بغداد بكل ما تحمل تلك الكلمة من معنى.
بالمقابل، حاولت وزارة الداخلية اتخاذ تدابير عديدة لغرض إيقاف هجرة الفلاحين إلى بغداد التي تؤدي إلى زيادة سكان الصرائف، فيها، إذ أوعزت إلى متصرفيات الألوية في العراق بمنع الفلاحين من الهجرة إلى بغداد، عن طريق إجراءات معينة كفيلة لهذا المنع، مثل عدم السماح لهم بالتعيين كعمال بالمشاريع المشمولة بقانون العمل. غير أن مثل هذه المقترحات لم تجدِ نفعاً، إذ لم تكن الظروف مهيئة لإعادة المهاجرين إلى الأماكن التي هاجروا منها.
على أية حال أرسلت وزارة الداخلية إلى رئاسة ديوان مجلس الوزراء كتاباً في 16 أيلول 1958، بحثت فيه مشكلة الصرائف في مدينة بغداد، إذ اقترحت فيه تشكيل لجنة لدراسة المشكلة المذكورة، تتكون من وزارات الداخلية والدفاع والمالية و الشؤون الاجتماعية، فضلا عن مديرية الشرطة وأمانه العاصمة، وذلك لدراسة مشكلة أصحاب الصرائف، و إيجاد الحل المقبول لها. تضمن الكتاب من بين ما تضمن اقتراحا آخر لوزارة الداخلية، اعتبرته يمثل حلا مناسبا برأيها، وهو أن يؤخذ بنظر الاعتبار عدم السماح لتكتل أصحاب الصرائف مستقبلا في منطقة واحدة، بسبب كونهم ينتمون إلى عشائر وأفخاذ عدة ولا زالت القيم والعلاقات القبلية والإقطاعية تحكمهم بقوة، وعليه فإن وزارة الداخلية ترى أن يتم إسكان أبناء كل عشيرة أو فخذ في منطقة واحدة، بحيث لا تزيد على 200 مسكن. غير أن الوزارة المذكورة كانت بخيلة جدا في تحديد مساحة القطع السكنية المقترح توزيعها على أصحاب الصرائف وكأن أرض العراق الواسعة قد ضاقت بأهلها، فاقترحت أن تكون مساحة القطعة 60 مترا فقط، على أن يتم تسجيلها بأسمائهم مقابل مبلغ بسيط من المال على أمل أن تقوم أمانة العاصمة بفتح الشوارع إلى هذه المناطق وتزويدها بالماء والكهرباء، لكي ينتقل إليها هؤلاء عن طيب خاطر بعد أن يتأكدوا من وجود ما يحتاجون إليه أمراً ميسوراً.
بعد ذلك بأيام قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم 22 أيلول 1958، تشكيل لجنة من وزارات الإعمار والداخلية والدفاع والمالية والشؤون الاجتماعية، فضلا عن أمانة العاصمة ومديرية الطابو، لدراسة موضوع سكان الصرائف في بغداد وإيجاد الحلول اللازمة لها بتأمين السكن المناسب لأصحاب الصرائف والمعوزين والمحيطين بالعاصمة بغداد عن طريق اختيار الأراضي المناسبة لذلك.
لما كانت مشكلة سكان أحياء الصرائف كبيرة ولا يمكن حلها بين عشية وضحاها، وأن أوضاعهم المزرية لا يمكن لمسؤول في الدولة يمتلك ذرة ضمير أن يسكت عليها، فإن رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم قد وجه بإيصال الماء الصالح للشرب لتلك الأحياء كعلاج مؤقت ريثما توضع الخطط المدروسة لعلاج المشكلة بشكل عام، طبقا لذلك التوجيه أمر مجلس العاصمة في بغداد بنصب عدة نقاط (حنفيات) ماء صالح للشرب في منطقة " العاصمة " وكل أحياء الصرائف الواقعة شرق السدة حتى وصل عدد نقاط الماء حوالي 500 نقطة . وفي الوقت نفسه نصبت أمانة العاصمة عددا من نقاط الماء الصالح للشرب في حي الشاكرية للصرائف الكائنة في كرادة مريم. من جانبها قامت وزارة البلديات بنصب عدة نقاط للماء الصالح للشرب في بعض أحياء الصرائف الواقعة خلف السدة. وبذلك أصبح الحصول على الماء الصالح للشرب العامل الأساس في استمرار الحياة والمحافظة عليها من الأمراض سهلا في أحياء الصرائف.
 إذا ما أردنا أن نؤشر البداية الحقيقية لمعالجة ثورة 14 تموز لمشكلة الصرائف في بغداد، فإننا نقول إنها تعود إلى تبني مجلس الإعمار لتصاميم ومواصفات مشروع إسكان كربلاء. واتخاذها وسيلة في معالجة بعض جوانب مشكلة إسكان أصحاب الصرائف في بغداد. وعليه فقد أعلن مجلس الأعمار بتاريخ 23تشرين الثاني 1958 مناقصة مشروع بناء 911 داراً، اشتمل على نموذجين من الدور مساحة كل منهما 108 م2، النموذج الأول يحتوي على غرفتين وكافة مرافقها، فضلا عن حديقة صغيرة، أما النموذج الثاني، فقد أحتوى على ثلاث غرف وكل ما يلحق بها وحديقة صغيرة . كما أشتمل المشروع إنشاء الطرق الرئيسة والفرعية، وشبكات الماء الصالح للشرب، ومجاري المياه الثقيلة، كما تضمن المشروع بناء مدرستين وحماما عاما وسوقين. المهم أن مجلس الإعمار بعد أن درس كل العطاءات من جوانبها الفنية والمالية أحال أول مشروع لإسكان أصحاب الصرائف ، في 27 حزيران 1959. وتجدر الإشارة أن عبد الكريم قاسم دأب على زيارة هذا المشروع باستمرار وكان يحرص على إخراجه بالوجه الأكمل، لاسيما وأنه كان يصر على أجهزه الإسكان أن يتم ذلك المشروع ليفتتحه بنفسه في الذكرى الأولى لثورة 14 تموز غير أن هذا الأمر كان من المتعذر عملياً إنجازه.
بدأ عبد الكريم قاسم مع مرور الأيام يقترب من هدفه الكبير في إيجاد حل لمشكلة أصحاب الصرائف، مما سمح له أن يزف بشرى لهم، إذ أعلن يوم 16 حزيران 1959، بأنه سوف يزيل صرائفهم حتما، وأن يحل محلها البيوت المريحة المجهزة بالماء والكهرباء التي تليق بأبناء هذا الشعب الذي يعرفون أنفسهم ويحترمونها . ولم يتم ذلك برأي عبد الكريم قاسم إلا بتوجيه ثروة العراق توجيها صحيحا.
لم ينسَ عبد الكريم قاسم وهو يتحدث لمجموعة من الضباط والعديد من المسؤولين، أصحاب الصرائف، فراح يقطع وعدا أمامهم بأن لا يبقى أي كوخٍ قائمٍ أو صريفة مشيدة أو بيتٍ خربٍ على أرض العراق. ملاحظاً أن ثروة العراق أصبحت تخدم الشعب العراقي ومصالحه . كما أشاد بجهود المسؤولين وحماستهم لتنفيذ مشروع إسكان أصحاب الصرائف شرقي بغداد، واصفا المشروع موضوع البحث بالمشروع النبيل.
ولكي نفهم معنى الاهتمام الذي كان يظهره عبد الكريم قاسم للموضوع الذي أمتلك كل اهتمامه، وهو تخليص سكان أحياء الصرائف من واقعهم المزري، نقول، إن عبد الكريم قاسم أعلن تصميمه يوم 16 تموز 1959 إثناء وضع حجر الأساس لمشروع دور ضباط الجيش، فقد ذّكر الكل بأنهم وفي طريقهم لحضور الاحتفال قد مروا بأحياء الصرائف بعد ذلك يقول، إننا مصممون على إزالة هذه الصرائف من الوجود داخل العراق، ثم أعلن عن  تخصيص الأموال اللازمة لإنشاء الدور اللائقة لسكان الصرائف، بمكان يبعد عن الاحتفال بكيلو مترين فقط. ولعل عبد الكريم قاسم أراد بذلك التحديد الجغرافي أن يقول للجميع  بما فيهم ضباط الجيش، أن الثورة تنظر إلى العراقيين نظرة واحدة. ومما يستحق الذكر هنا أن عبد الكريم قاسم أنهى خطابه بهذه الكلمات المعبرة التي كانت بمثابة وعد قطعه على نفسه إذ قال : " وفي اليوم الذي أضع فيه الحجر الأساس للقرى الخاصة لإخواننا أصحاب الصرائف سوف أخرج بنفسي وأحطم أول صريفة أو صريفتين من هذه الصرائف" .
كان خطاب عبد الكريم قاسم أمام وفد من رجال الدين من النجف بتاريخ 29 تشرين الثاني 1959، أكثر تفصيلا عما يدور في خياله من أفكار حول إسكان أصحاب الصرائف. لا مفر من أن نتركه يوضح ذلك عندما قال:
" إن الثورة سوف تبقى مستمرة ما زال هناك القصور يسكن فيها الأغنياء وما زال هناك الصرائف يسكنون فيها الفقراء، إننا لا نريد أن نقلل من شأن هذه القصور أنما، نريد قصورا لهؤلاء الفقراء الذين يسكنون في الخرائب وفي الصرائف وبحالة يرثى لها ". وأستمر يتحدث عن جوانب البؤس والفاقة التي يعاني منها أولئك المساكين فقال: "إن هؤلاء الذين يسكنون في الصرائف يرتدون الأسمال البالية التي يخافون من غسلها ". ثم عزز كلامه ببيت من الشعر العربي :
لي ثياب رثاث لست أغسلها
 أخاف أعصرها تجري مع الماء.
بالرغم من ذلك، أظهر عبد الكريم قاسم الكثير من التفاؤل بمستقبل هذه الفئة عندما أكد:" سوف يأتي ذلك اليوم الذي ننقذ فيه أمثال هؤلاء الفقراء ونجعلهم بمصاف الناس المرفهين في عيشهم ". ولم يكتفِ بذلك وإنما، أقسم بالله بأن الثورة سوف تستمر بالحق والعدل. المهم أن تتركه مرة أخرى ليقول: " وإنني أقسم بالله العظيم أن ثورتنا سوف تستمر بالحق وبالعدل، إن ثورتنا سوف تستمر طالما يوجد هؤلاء الفقراء وهم على شظف من العيش حتى يكون عيشهم مرفها رغيدا، والحمد لله كلنا فقراء والفقراء عيال الله ونحن عيال الله".
وفي سياق اهتمام عبد الكريم قاسم المتواصل بموضوع إسكان أصحاب الصرائف قام شخصيا بافتتاح الشارع الذي أوصى بتعبيده، والذي ربط ساحة الطيران بالقرية التي أمر ببنائها والتي تكونت من 911 داراً والتي هي أول مدينة كبيرة لأصحاب الصرائف عرفت فيما بعد بـ " مدينة الثورة". لم يشأ عبد الكريم قاسم للمناسبة أن تمر دون أن يؤكد بعض من أفكاره وتعهداته السابقة، منها، إن المشروع من شأنه القضاء على معاناة بعض سكاني الصرائف، مشيراً في الوقت نفسه بحتمية القضاء على الصرائف في بغداد، كما أطلق عبد الكريم قاسم على ذلك الحي أسم  مدينة الثورة. ندعه هنا يوضح ذلك:" إن هذا الشارع الذي نفتتحه هذا اليوم تكمن أهميته بأنه يمر عبر السدة الشرقية بين أماكن بعثرت فيها الصرائف وامتدت على يمينها ويسارها "، واسترسل قائلا "وإني أعد أبناء الشعب سوف لن يجدوا أي صريفة بعد مرور مدة تزيد على  خمس سنوات"، ومضى في خطابه ليعلن اسم المدينة التي رعى تكونها رعاية خاصة لإخوانه الفقراء أصحاب الصرائف فقال: " لقد أنشئت لأخواني الفقراء أصحاب الصرائف، وهؤلاء سوف يسكنون بيوت مريحة أنجز منها هذا العام ما يقارب الألف دار تفتح في اليوم السادس عشر من تموز الأغر ".
تدفقت مشاعر عبد الكريم قاسم وهو يفتتح أول حي عصري في مدينة الثورة يوم 16 تموز 1960 تدفق الأنهار وعبر فيها عن مكنون نفس كبيرة ومحبة صادقة للفقراء ورعاية حقيقية لهم، الذين اسماهم بإخوانه أكثر من مرة في خطاب الافتتاح موضوع البحث من الأهمية أن ننقل عدة فقرات من ذلك الخطاب الذي استهله بقوله: "السلام عليكم إخواني أبناء وسكان الصرائف المنتشرة في أرجاء العراق، إن ثورتنا سوف تبقى منطلقة حتى تتمكن من رفع المستوى اللائق لكم أيها الإخوان، وتصبحون كلكم في عداد الأغنياء المرفهين العاملين المخلصين في هذا البلد ". ثم قطع على نفسه وعد باستمرار الثورة ما دامت هناك صرائف فقال: " إن الثورة لن تتوقف مطلقا ما دامت هناك الصرائف منتشرة، هذه المعالم المنتشرة في أرجاء العراق هي من بقايا العهد المباد . لقد أبدنا هذا العهد وأبدنا ما بناه المستعمر والطامع في بلدنا، وإننا اليوم نزيل تلك المعالم ليحل محلها العيش الرغيد والحياة الكريمة " . بعد ذلك زف بشرى كبيرة على قلوب إخوانه الفقراء مضمونها أن هذه القرية البداية لمدينة سوف تضم معظم أصحاب الصرائف عندما قال: "هذه القرية أو المدينة سميت بمدينة الثورة، وهي جزء من أجزاء وأقسام عديدة سوف تنتشر في هذه المنطقة وفي مناطق أخرى وأرجاء أخرى من بغداد والمدن الأخرى في أرجاء العراق ". طمأن عبد الكريم قاسم أصحاب الصرائف الذين سوف يقطنون مدينة الثورة، بوجود شبكة شوارع مبلطة تربط مدينتهم ببقية مناطق بغداد وهذا ما يسهل عليهم عملية التنقل من وإلى مدينتهم، وأنها سوف تكون من أجمل المناطق في بغداد في طرقها وحدائقها.
أعلن عبد الكريم قاسم في ختام خطابه عن سعادته الكبيرة لافتتاح هذا المشروع الذي سماه المشروع الإنساني، الذي كان من الواجب. إذ قال ما نصه :  " إنه يسرني في هذا اليوم أن أحضر فأفتتح هذا المشروع الإنساني الذي كان من الواجب المحتم علي أن أسعى في سبيل إنشائه وإعداده وأستمر في هذه الروح لإكماله لإخواني أصحاب الصرائف، وإنني اليوم أحضر لأفتتح هذا المشروع لإخواننا أصحاب الصرائف، ولنقل منذ الآن لإخواننا أصحاب الدور العصرية المرفهة، سوف تضم هذه المناطق الخدمات الاجتماعية والمدارس والمستشفيات والمصحات وكل وسائل المدنية التي تأخذ بيد الإنسان، وإنني في هذه اللحظة أفتتح هذا المشروع على بركة الله باسم الله، وباسم الاستمرار في محاربة الفقر والجهل والمرض"   .
لما كانت أحياء سكان الصرائف في بغداد كثيرة جدا أكبر من أن يحلها مشروع بناء 911 داراً، فإن عبد الكريم قاسم اهتدى إلى فكرة أن توفر الحكومة القطع السكنية وتوزيعها على سكان الصرائف بدون أي مقابل، ليقيموا هم بتشييد مساكنهم عليها . على أن تقوم الحكومة ببناء ما تحتاج من خدمات أساسية . وعليه فإنه طلب من وزارة المالية المساعدة في تعيين الأراضي السكنية الصالحة لذلك المشروع.