الرواية العربية الجديدة.. السرد وتشكل القيم

الرواية العربية الجديدة.. السرد وتشكل القيم

هشام بن الشاوي

في كتابه الجديد:"الرواية العربية الجديدة.. السرد وتشكل القيم"(دار النايا، سوريا 2014م)، يعتبر الدكتور إبراهيم الحجري  الرواية إحدى القنوات الأساسية التي تنبه المبدع العربي إلى أهميتها في توصيل خطاب الذات، وكشف المستور، وتعرية الجروح المتعفنة التي تراكمت في هذه الذات، عبر قرون، فرضا من قوى خارجية حاصرتها، جاعلة منها ذاتا مفرغة، تعيش، في استلاب تام، لحظة تاريخية غير لحظتها، وتعبر من خلال إبداعها مكتوبا أو شفهيا، عن أسئلة متوهمة لا تمس من بعيد أو من قريب ما يؤرق هذه الذات العربية، وما يطرح على الآخر واقعها الفعلي، لذلك ظلت خارج تاريخها. لكن مع ظهور المد العولمي الحداثي والانفجار المعلوماتي

 والدفق التكنولوجي، انكشف الغطاء عن الغطاء، ولاحت في الأفق الروائي مطبات أقنعة الحكي، فلم تعد في الإمكان استعادة تجارب الماضي أو استنساخ المكرور، فأزالت الشخصية الروائية أقنعتها بالكامل، ومزقت حجب الطابوهات، وغاصت في يوميها ومحكيها معرية وجهها وما يجول في خاطرها المكسور وأحلامها المجهضة، ملمحة إلى مواطن الجرح العميق في دواخلها دون خجل أو خوف.

 لقد فتح لها المتخيل الروائي، بما يتميز به من مرونة، وما يتسع له من مساحات القول وأساليبه آفاق البوح على مصراعيه، كما أتاحت للروائي أيضا فرص تأمل الواقع وتحولاته وتداخلات مكوناته وأسئلته، وتشريح الذات سيكولوجيا وسوسيولوجيا وسياسيا وفكريا، ووضع الإنسان على طاولة الدرس، مع تقليبه من مختلف زواياه في محاولة لرصد همومه وتطلعاته، والقبض على خلجاته وانفلاتاته الزئبقية بغية بلوغ ما لا تستطيع ذات الفرد الإعراب عنه مباشرة.

ويرى د. الحجري أن هذه التجارب قد تفاوتت من حيث قيمة الصوغ الفني مثلما تفاوتت من حيث البروز الدلالي، لكنها في مجملها تعبر عن حس إنساني مفرط يتسامى عما تغرق فيه الإنسانية المعاصرة من عفن، وتنشد قيما جديرة بخلق توازن عالمي على مستوى العيش الكريم. ويبدو أن الهدف الأسمى لهذه التجارب هو إثبات الذات، وصد العوائق التي تجابه هذا الحلم.

وبالموازاة مع التعويل على الجانب القيمي، كانت هناك نداءات عميقة للجسد: شعرية الجسد الأنثوي كما تراها المرأة، حيث تصبح اللغة رسما بالحروف لجسد مشتعل لا يهدأ. وقد كان السند في هذه النداءات سخرية عميقة بالأشياء التي تمهد لتفسخ عام، وجرأة حادة تفوق جرأة الرجل في كثير من الحالات. فضلا عن ذلك، نجد بعض الأسماء تسعى جادة للبحث عن أشكال فنية جديدة تستقطب محكي المرأة.

ويخلص الباحث إلى أن الرواية العربية الجديدة قد عبرت عن رفضها للقوالب والأشكال والموضوعات الجاهزة والمستهلكة منذ إرهاصاتها الأولى، إذ ظلت تعبر عن قلقها الشكلي والمضموني من خلال التجديد، الذي تخضع من قبل كتّابها الذين يكادون لا يستكينون إلى خط معين حتى يفارقونه بحثا عن أثر آخر، وظل الحفر عن البديل ديدن الروائيين العرب إلى درجة أن دارس الرواية العربية الجديدة يستحيل عليه إيجاد تنميط من أي نوع لهذه الرواية، بسبب الاختلاف والتنوع بين نص وآخر لنفس الكاتب، فقد أضحى سؤال التميز والتفرد والبحث عن صوت جديد ميسم الكتاب الجدد.