سطوة الواقع وسحر الخيال العلمي المجنح

سطوة الواقع وسحر الخيال العلمي المجنح

عدنان حسين أحمد
تنطوي رواية"آدم عبر الأزمان"للدكتورة خولة الرومي على شيء من المراوغة لأنّ أحداثها تترجّح بين الحقيقة والمجاز. فالرواية يمكن أن تُقرأ قراءة واقعية من جهة وخيالية من جهة أخرى. وكلتا القراءتين صحيحة وممكنة وقابلة للتأويل، لكننا يجب أن نعترف منذ البداية أن الرومي لا تحبّذ الاصطدام بالمتشدّدين

 من أتباع الديانات المُوحِدة كلها لذلك فقد حوّرت بعض الأسماء الدينية المعروفة غير أن هذا التحوير لم يفلح كثيراً في عملية التمويه أو التخفّي وراء الأسماء المحوّرة قليلاً لأن الإيقاعات الداخلية للأسماء الأصلية لا تزال ترنّ في الأسماء المحوّرة.
لم توظِّف خولة الرومي الحكايات والأساطير المندائية في روايتيها السابقتين"رقصة الرمال"و"الصمت حين يلهو"، لكنها فعلت ذلك في رواية"آدم عبر الأزمان".
لقد اشتطت الروائية كثيراً في خيالها الجامح حينما اعتقدت بأن الخطأ الذي اقترفه آدم ليس بسبب تناوله للفاكهة المحرّمة، وإنما بسبب الإنجاب ومعرفة الخير والشر حيث أدخلت إلى عقل آدم"نسمة ثا"التي تمثل الخير، و"شْتان"الذي يمثّل الشر فبدأ الصراع الذي شكّل أولى ملامح المعرفة البشرية التي أدخلت الإنسان في غابة الأسئلة الفلسفية الشائكة.
لا بد من الأخذ بعين الاعتبار قدرة الكاتبة خولة الرومي على تصوير الحياة البدائية الأولى التي عاشها آدم على وفق التصورات المندائية التي أخرجته من بدائيته فانتصب وافقاً بعد أن دخلت"نسمة ثا"إلى تجاويف عقله، وأمدّته بأولى عناصر المعرفة التي دفعته لإطلاق أول جملة استفهامية في الوجود مفادها:"منْ أنا؟"ثم مهدّت للمتلقي مراحل التطور التي مرّ بها آدم واكتشافاته المتتالية للنار والزراعة وتأمين هاجس الطعام من الحيوانات التي يصطادها والفواكه التي يجدها في الغابة، وتدجينه للحيوانات التي سوف تلعب دوراً مهماً في حياته اليومية فحينما يأتي حواء المخاض وتُنجب طفلها الأول يندفع الكلب ليعض حبلها السُرّي قاطعاً إياه في الحال مُبدداً حيرة الأم ودهشتها وهي تستقبل مولودها الأول الذي اكتشف طريقه إلى ثدي أمه مستمداً منها أسباب الديمومة والبقاء. لقد ادعّت حواء بأنها طلبت هذا الطفل من الشمس، فلا غرو أن تسند أبوته إلى ضيائها الباهر مُنبهةً إيّانا إلى أهمية الكواكب والنجوم في حياة الكائن المندائي. كما تجدر الإشارة إلى الصوت العميق الذي انبثق من عقل آدم مُحفِّزاً إياه على تعميد ابنه بمياه الفرات المقدسة كي يكون شبيهاً به من جهة، ومباركاً من جهة ثانية.
إن شخصية آدم هي التي ستلعب دور البطولة على مَدار النص وهي التي ستشدّ الفصول الثمانية إلى بعضها بعضاً في وحدة بنائية متينة تحاول قدر الإمكان أن تحتوي معظم الأحداث الكونية الكبيرة وما مرّت به الديانات الموحِدة من أحداث جسام غيّرت مجرى الحياة مرات عديدة. ولا بد أن يكون للديانة المندائية نصيبها الوافر في عرض رؤى أتباعهم وتصوراتهم الفكرية التي تتعلق بـ"شتان"الذي تمرّد على الله ورفض إطاعة أوامره خالقاً عالمة السفلي المظلم وجحيمه الخاص الذي يقتنص به الأرواح التائهة التي ضلّت طريقها إلى عالم الأنوار، لكن الملاك زيوا كان له بالمرصاد حيث وضع حداً للشر وأوقف زحفه المخيف، مُغلقاً في نهاية المطاف، بوابات الجحيم التي انفتحت عن آخرها.
وعلى الرغم مما فعله زيوا إلاّ أن نوحاً يصنع فلكه كي ينقذ البشرية من الانقراض، فالطوفان قادم لا محالة كي يغرق الأرض ويطهّرها من الذنوب الكثيرة علقت بها. لم تكتفِ خولة الرومي بسرد بعض قصص الأولين وحكاياتهم المتنوعة الكثيرة، وإنما ذهبت أبعد من ذلك لكي تنبّه القرّاء الكرام إلى أنّ الأديان والكتب السماوية تضم قصصاً متتابعة، وأن الدين الجديد يأخذ دائماً من الأديان القديمة، ويتعكّز عليها، بل يسوم أصحاب الديانات السابقة سوء العذاب إذا لم يتحولوا إلى الدين الجديد، ويتبنوا افكاره وعقائده ومنظومة قيمه الفكرية والأخلاقية والاجتماعية.
تعرّج الرومي على حقبة الجاهلية وصدر الإسلام مُنتقدة تعدد الأزواج أو الزوجات، ووأد البنات حتى تكشف عن اضطهاد المرأة الذي أشرنا إليه غير مرة حيث تُدين الكاتبة ظواهر السبي والقتل والاضطهاد التي تتعرض لها المرأة على مرّ العصور، لكننا نفاجأ بوجود آدم كي ينقذ"هبة"بوصفها رمزاً للمرأة ومحوراً للعالم الأنثوي. وهكذا تمضي أحداث الرواية حتى الفصل الأخير الذي يدور في الوقت الراهن.
لقد اختارت خولة الرومي مدينة شروباك، وهي مدينة حقيقية موجودة في جنوب العراق ولا تبعد عن"أوروك"سوى ثمانين كيلومترا كي تُنهي فيها فكرة عملها الروائي بطريقة رمزية مؤثرة شديد الدلالة. لا شك في أن الرومي قد أفادت كثيراً من إشارة طه باقر في هامش"ملحمة كلكامش"إلى وجود قوم الأنوناكي في مدينة شروباك أيام السومريين الذين اعتقدوا في حينه بأنهم آلهة قدموا من كواكب أخرى، وساعدوا السومريين كثيراً بعلومهم المتقدمة جداً، لكنهم غادروا شروباك عندما حدث الطوفان، وتبدو هذه المعلومة قابلة للتصديق، خصوصاً وأن"آدمو"وزوجته كانا يخدمان الأنوناكي وأنهما تعلّما الكثير من المسائل الحضارية خلال المدة التي قضاها في خدمة هؤلاء الناس المتطورين القادمين من الفضاء الخارجي.
ربما تكون مخطوطة جد سيرين هي خير خاتمة لهذه الرواية فآدم المعاصر لا يعرف على وجه الدقة إلى أية سلالة تنتمي سيرين وبحسب الرواية التي وردت في مخطوطة الجد فأن بنات جدتها ست"وهن المندائية واليهودية والمسيحية والشيعية والسنية والكردية"وقد سكَنَّ في مناطق مختلفة تتوزع بين العمارة وبغداد والنجف وكربلاء والسليمانية وتركيا ولبنان وفلسطين. لقد طلب آدم يد سيرين، لكنها ترددت في بادئ الأمر خشية من رفض والدها الآغا لهذه الزيجة، غير أنها تقرر الذهاب في خاتمة المطاف إلى السليمانية علّها تليّن موقف أبيها وتجعله يبارك هذا الزواج، لكنها ما إن تصل هناك حتى يقع الهجوم الإرهابي ويدمر المعبد وكل من فيه. ومع ذلك فإن الختم الأسطواني الذي اكتشفه آدم وأوصله إلى السير ديفيد ناش بلندن سوف يحلّ ألغازاً عديدة كانت تشغل بال البشرية منذ آلاف السنين. ثم تبيّن أن هذا الحجر الأسطواني هو رسالة من كوكب يقع ضمن كواكب المجرّة الثالثة واسمه"1300 م. ش. ك"وقد جاء قوم الأنوناكي بسفنهم الفضائية بحثاً عن الذهب الذي يمنحهم طاقة الحياة في كوكبهم، ولكنهم لم يعثروا على هذا المعدن، وإنما وجدوا كوكباً جميلاً مليئاً بمختلف أصناف الحياة وبضمنهم القرود لذلك فكروا بتعديل جينات أحد القرود وخلق حيوان ذكي قادر على بناء حضارة متقدمة، إذ حسّنوا جينات القرد بنسبة ثمانين بالمئة في مختبرهم البايولوجي وأبقوا على عشرين من جيناته الحيوانية وأسموا هذا القرد المحسّن"آدمو"الذي انتصب في الحال وقال:"منْ أنا؟"لقد ذهب خيال الرومي إلى أبعد من ذلك بكثير فجعلتهم يخلقون لآدمو أنثى كي يديموا نسلهم، لكن الخطأ الوحيد الذي ارتكبوه أنهم أبقوا آدمو وأنثاه على بعض غرائزهم الحيوانية، وبدلاً من الاكتفاء بمفهوم الدفاع عن النفس تطورت لديهم شهوة القتال حتى أصبحوا متوحشين لا يتورعون عن الذبح والقتل مما دفعهم لإغراق الأرض والتخلص من بني آدم، لكنهم نجوا من الفناء الكلي، وعادوا للتكاثر من جديد، الأمر الذي دفع قوم الأنوناكي إلى حفظ الحجر الأسطواني في مكان سري بمعبد شروباك والعودة إلى كوكبهم.
لا تكتفي خولة الرومي بالتعاطي مع القضايا الراهنة، بل هي تذهب إلى المستقبل وتعتقد أن الأرض قد تنتهي نهاية كارثية بعاصفة شمسية وتستدل على ذلك بأن الأرض قد تعرضت إلى الفناء غير مرة بواسطة هذه العواصف الشمسية، ولكنها تعتقد أن الحياة سوف تستمر على كوكب الأرض وأن الروبوتات التي تُشحن بطارياتها بواسطة أشعة الشمس لا تموت، وإنما سوف تحكي للأجيال القادمة قصة الحضارة التي اندثرت. وحينما يعود قوم الأنوناكي مرة ثانية فإنهم سوف يخلقون آدمو جديد اعتماداً على المعلومات المخزّنة في الروبوتات، لكنهم سيخلّصونه هذه المرة من جين القتل والصراع كي يدعونه يعيش بسلام.
نخلص إلى القول بأن"آدم عبر الأزمان"هي رواية مستقبلية بامتياز، مثلما هي رواية خيالية علمية تتكئ على الواقع وتنطلق من أُسّه الديني والأسطوري مُفنّدة ما فيه من أوهام وخرافات عاشت معنا منذ بدء الخليقة حتى الوقت الراهن.