إبن خلدون  رائد العلوم الاجتماعية والإنسانية؟

إبن خلدون رائد العلوم الاجتماعية والإنسانية؟

تأليف:   فؤاد البعلي
الناشر: دار المدى  - الطبعة الأولى –184 ص
قراءة: فريدة الأنصاري
  يحاول  مؤرخونا  التخلص من البنى العتيقة وان يحققوا معقولية التاريخ بالتعرف على الذات والموقع الذي يمكن الانطلاق منه لتكوين وعي تاريخي جديد يقوم على دراسة فكر من سبقهم من العلماء العرب. وابن خلدون واحد من اولئك العلماء الذين حظي علمهم وفكرهم بالاهتمام الكبير ليس من قبل الكثير

من مؤرخينا فقط بل من جمهرة كبيرة من علماء الغرب، فالكثير منهم رأى ابن خلدون مؤسس فلسفة التاريخ،وأول من وضع اسس علم الاجتماع، والرائد في وضع اسس الأثنولوجيا،ومن اوائل المهتمين بدراسة الجغرافية البشرية.
  الكتاب الذي نحن بصدد قراءته يفحص آراء العلماء والمؤرخين الذين اطنبوا في مدح طروحات ابن خلدون أو من كان على الضد، وفق منهج تحليلي يعتمد على طرح السؤال والجواب  و تقييم جميع الآراء.
  فالكثير من الكتاب وعلماء الاجتماع سواء من القدامى أو المحدثين والمعاصرين - الذين يحصيهم المؤلف في مستهل كتابه - قد اطنبوا في مدح ابن خلدون واعتبروه مفكراً عبقرياً إلا ان البعض منهم كان على الضد واعتبره متحاملاً على العرب وأكثر من مدح البربر ومن بين اولئك  طه حسين  ومحمد عبدا لله عنان ولاكوست. كما اعتبره البعض رجل دين والبعض الآخرمنهم اعتبره ليس برجل دين ووفق مصطلح اليوم رجل علماني عازين رأيهم الى سلوكه الشخصي المتقلب و لرأيه حين اعتبر الدين ظاهرة اجتماعية. وعلى هذا المسار يقيم المؤلف فلسفة ابن خلدون في مضمار العلوم الاجتماعية والفلسفة.
 ومن الصفات الأخرى التي اطلقت على ابن خلدون والتي يركز عليها مؤلف الكتاب كونه مؤرخاً،ومؤرخاً سياسياً،وفيلسوف تأريخ،ومؤرخاً اجتماعياً،ومؤرخ دين مقارن أو خلاف ذلك. فجمهرة من المؤرخين اطنبوا في منهجه التاريخي وذكروا بأنه اختلف عن سابقيه من المؤرخين  بنظرته الى التأريخ كعلم،وأراد ان يكتب التأريخ وفق منهج جديد من الشرح والتحليل يستحق الدراسة والغور فيه. ومع ذلك نفى البعض من المؤرخين هذه الصفات عنه مثل طه حسين وبيكر وبارنز وغيرهما ممن يشير اليهم مؤلف الكتاب ممن نفى صفة المؤرخ عنه وذكروا بان كتابة التاريخ عند ابن خلدون كانت خاطئة من اساسها،وخاصة حين اعتبر التأريخ بحث اجتماعي وعلى المؤرخ معرفة المجتمع البشري قبل البدء بكتابة التاريخ، وهذا ما تثبته المقدمة وفق ما يذكر محمد فريد وجدي بان المقدمة يورد فيها تصنيفا للعلوم ولا يرد فيها علم التاريخ اطلاقاً.
   وفي مسار آخر يتطرق  مؤلف الكتاب الى ابن خلدون كعالم اجتماعي متميز  والذي اكثرت البحوث من تناوله، مفندا آراء الباحثين ممن انكروا عليه هذه الصفة ذاكرا بان هذا المفكر كان اول مسلم استطاع ان يفكر بعبارات علم الاجتماع،كما ان انتاجه يمكن ان يطلق عليه علم الاجتماع الخلدوني. وفي هذا الصدد يستشهد بعدد كبير من الباحثين ممن قالوا بان ابن خلدون قد وضع الأسس المهمة لعلم الاجتماع وتأكيده على أن الفرد بحاجة الى حياة اجتماعية منسقة ومرشدة بتنظيم اجتماعي.ومن خلال القاء المؤلف الضوء على آراء ابن خلدون الاجتماعية يؤكد بان كونت قد اطلع تماما على آراء ابن خلدون وتأثر بها كثيرا،وان المقدمة تعد عملاً اصيلاً في تسجيل الحياة الاجتماعية لشعوب شمال افريقيا، وقام بجمع مادته عنهم من خلال تجربته الشخصية والمباشرة خلال خمسة وعشرين عاما، تقلب فيها بين المناصب الهامة،وتشبع فيها بالخبرات والمعلومات الثرية التي كان يلاحظها بأم عينيه. وبعد هذه الدراسة لعلم الاجتماع والانثروبولوجيا يفند بعض آراء ابن خلدون حول المجتمع البدوي والمجتمع الحضري (ص 75 – 78)
 وأما في مجال علم الجغرافيا فيؤكد المؤلف في الفصل السادس من الكتاب بأن ابن خلدون قد دعم وساهم في نشوء علم جديد هو علم الجغرافيا الاجتماعية حيث ان بداية المقدمة مخصصة لأبحاث جغرافية مناخية وانثروبولوجية،،وتبرهن على انه ادرك أهمية هذه الأبحاث الأساسية،وهو اول من اهتم بتخطيط المدن.
 وعن طريق طرح السؤال ومن ثم الإجابة عليه يتساءل مؤلف الكتاب (هل أبن خلدون عالم تربية اجتماعية؟) وهنا في الفصل السابع من الكتاب يشير الى الباحثين الذين  اعتبروا ابن خلدون  رائدا في التربية لطرحه آراء مهمة في هذا الجانب مشيراً الى رأي بعض من تناول هذا الجانب المهم مضيفاً عليها رأي الحصري الذي أكد بأن أبرز الانطباعات التي يحصل عليها  علماء الاجتماع عندما يدرسون مقدمة ابن خلدون يلاحظون اهتمامه بالمظاهر الاجتماعية اهتماما بارزا وإهماله العوامل الفردية  كليا ويعزو وايت ذلك الى عدم فهمه الى دور الفرد في التاريخ ويرد عليه شامبلس وعمر فروخ قائلين بأن نظرياته عن الطبيعة الإنسانية تشكل قاعدة لنظريته في المجتمع.
 ومن الصفات التي اطلقت على ابن خلدون ويقف عندها مؤلف الكتاب طارحاً سؤاله كما عودنا في فصول الكتاب هل ابن خلدون عالم اقتصاد؟
 من خلال مناقشة الكتب التي اشارت الى نظريته في الاقتصاد ومناقشة المراجع التي نفت هذه الصفة عنه يؤكد أنه أعظم عالم اقتصاد في القرون الوسطى الاسلامية وذو مقدرة فائقة في الموضوعات الاقتصادية وسبق الغرب في تعريفه لمبادئ الاقتصاد وأن جميع طروحاته في الجانب الاقتصادي تستحق الملاحظة والبحث.
قبل ان يختتم المؤلف الكتاب يؤكد بعد مناقشة المراجع التي نفت عن ابن خلدون كونه عالم  في السياسة. لا بد لنا من القول  بأن دراسة السياسة كمحدد من محددات الواقع الاجتماعي صعبة جدا. فالحكم السياسي ظاهرة شديدة التعقيد والالتباس. وهذا ما جعل ابن خلدون يفرد في المقدمة  صفحات كثيرة يتناول فيها ظاهرة الملك والسلطان من الوجهة الموضوعية المجردة من الاعتبارات المعيارية والعلمية.وبعد تناول هذا الجانب الواسع من جوانب مقدمة ابن خلدون، يختم الكتاب بالفصل العاشر باستنتاجاته عن ما طرح من افكار وردت في المراجع التي شكلت مادة كتابه ليؤكد بان غالبية الذين كتبوا عن ابن خلدون مقتنعين بأنه وضع اسس علم جديد لم يكن معروفا قبله،وانه عالج بقوة وبراعة مفهوم العمران البشري. وان الكثير من البحوث التي ناقشت افكاره حاولت أن تعرف وتشرح موضوع مادة العمران، وان الكثير من المقارنات بين ابن خلدون وبين من جاء بعده تذكر بأن اسهامات ابن خلدون أصيلة.
 وفي الختام  لابد من القول بأن آراء وتعميمات ابن خلدون رغم انها قد اصبحت قديمة،لكن الكثير من افكاره التي نجدها في صفحات متفرقة في المقدمة لا زالت صحيحة ويمكن مقارنتها بالفكر الحديث والفكر المعاصر.  ولا بد من القول بأن المؤلف قد وفق في جمع ما كتب عن ابن خلدون وجعل كل فصل يتناول جانبا علميا من جوانب ابن خلدون وهذا ما يجعل الكتاب يليق بكل مكتبة وكل من يهتم بالفكر الخلدوني ونظرياته في علم الاجتماع والجغرافية والسياسة و فلسفته في التاريخ والاقتصاد.