عادات وتقاليد المجتمع الكربلائي

عادات وتقاليد المجتمع الكربلائي

 كربلاء المدينة التاريخية المقدسة التي تضم مرقدي الامام الشهيد الحسين بن علي وأخيه العباس (عليهما السلام) ، ويؤمها آلاف مؤلفة من المسلمين وغير المسلمين في مشارق الارض ومغاربها لزيارة العتبات المقدسة .
 وكربلاء مدينة قديمة لها ماض مشرف حافل بالأعمال الخيرة والطيبة الموروثة .

 والمجتمع الكربلائي الذي عرف بحرصه على حفظ تقاليده وعاداته التي توارثها السلف عن الخلف ، ليعتز في الحفاظ عليها ، لانها أساس العلاقات الاجتماعية ، حيث هناك كثير من هذه العادات والتقاليد تكاد تكون غير معروفة لدى معظم ابناء الوطن من غير أهالي كربلاء .
 ونحن هنا في هذا البحث نود أن نلقي ضوءاً كشافاً على جانب من هذه العادات :
1 ـ عيد الدخول (تحويلة السنة)   
 مناسبة يقوم الناس فيها بتبادل الزيارات فيما بينهم ويزورون مراقد الاولياء الصالحين والخروج الى البساتين والتنزه وهن يحملن الابسطة والشاي والسماورات ابتداء من صباح اليوم الباكر حتى اليوم الثالث عشر .
وقبل ان تبتدأ السنة الجديدة وتنتهي السنة السالفة ، وخلال تلك الساعات يقمن بتلاوة الادعية لفتح أبواب الرزق وتحقيق الآمال متضرعين متبركين أن يحفظهن . ومن الطريف ان هناك اعتقادا يتداولنه هو ان البيضة سرعان ما تتحرك من تلقاء نفسها وتتخذ لها من المرآة مستقراً ويعرف هذا العيد عندهم بالنوروز .
 أما العرب أهالي كربلاء الاقحاح ، فيطبخون في ذلك اليوم الزردة والحليب وليضعون معها في الصينية السمسم والسكر والكليجة والسمك والدجاج والبيض ، ويزينون المائدة بالشموع على عدد أفراد العائلة . ويعتقد هؤلاء ان السنة القابلة ستدور على شيء معين ، فمثلا يقولون ان السنة تدور على الكلب فتجدهم يتشائمون ويعتقدون ان هذه السنة ستكون وبالا عليهم ، حيث يتقاتل الاخوة أو ستدور السنة على خنزير ، حيث ينعون الشفقة والرحمة وهكذا .. ويسمى هذا التحول بـ (دورة السنة) وتزين النسوة باطن اكفهن بالحناء ويرتدين الحلي المزركشة ابتهاجاً بهذا اليوم الجديد مشاركة لغيرهن من أهالي المدينة .
2 ـ صوم زكريا 
في أول يوم من شهر شعبان كل عام يصوم الرجال والنساء يوماً واحداً يسمى بـ (صوم زكريا) لاجل تطمين رغبات واحتياجات يعمل الفرد في تحقيقها . فالنساء الحوامل في الغالب يرغبن أن ينجبن أولاداً ذكوراً ، فيصمن هذا اليوم نذرا وهن يتقربن الى الله في تحقيق الاماني والغايات ، ثم يفطرن على 
(1) النوروز أو النيروز أول يوم من السنة الشمسية (يوم الفرح عموما) وفيه يتساوى الليل والنهار . 
ماء جلب من بئر وقطعة من خبز شعير ويخلطن اللبن بالدبس ، ويعلمن الدولمة والخضروات ، وتجلب هذه المواد الى صحن العباس (عليه السلام) لتوضع على (سفرة) ويوقدن الشموع ويؤدين الصلاة ركعتين ثم يفطرن ، وبعدها تعود النسوة الى منازلهن .
3 ـ الدباغية :   
 في آخر يوم أربعاء من شهر صفر يذهب الرجال والنساء الى الدباغية، حيث يحوي المكان أحواضاً لغسل جلود الغنم والابقار والجاموس والجمال .
 ومن الطبيعي ان يكون الماء المستعمل ذا رائحة نتنة . ومن المعتاد ان يعبر هؤلاء سبعة أحواض ، ويملأون دواليكهم أو سطولهم أو قنانينهم أو صراحياتهم أو صفائحهم من هذا الماء النتن فيجلبونه الى دورهم . ويعتقد هؤلاء أن كل من سحر لهم ، فان هذا الماء الذي يسكبونه في زوايا الدار يبطل أثر السحر . وتخلط المرأة المتزوجة من الماء المجلوب مع الماء الصافي وتسكبه على الفتاة التي تحلم بالزواج
 ومما هو طريف ان عدد الرجال والنساء الذين يترددون على الدباغية يبلغ قرابة الاربعة آلاف، حيث يتوافدون من المحافظات الجنوبية ، وغالباً ما تكون تلك الزيارة يوم الاربعاء من كل أسبوع.
(1) الدباغية : خان كبير يقع في نهاية زقاق يبعد حوالي نصف كيلومتر عن مدرسة العزة الابتدائية في كربلاء على الطريق العام المؤدي الى الهندية (طويريج) . 
4 ـ المشية : 
 تذهب بعض النسوة الى دار الفتاة فيشاهدن الفتاة ويفاوضن والدتها ، ثم تعرض والدتها الامر على والدها ، فان وافق فيحدد اليوم الموعود . فينبه أهل الفتى عائلة الفتاة استعداداً لمجيئهم .فيذهبون ويصطحبون من اصدقاء كلا الطرفين ويحضرون في دار الفتاة ، ويتحدث الشخص المرموق فيهم فيقول :
 (ابختنه) أي اعطنا عهداً بأنك لا ترد طلبنا . فاذا رد عليهم ولي أمر الفتاة بقوله : (مبخوتين) فانهم ، يشربون الشاي ويتحدثون عن المهر وما يمت للزواج بصلة .
 والمشية تأتي لعدد من المناسبات كالقتل والصلح والزفاف وغير ذلك .
5 ـ الخطبة : 
يذهب جمع من قريبات الفتى الى دار الفتاة ، ويقدمن الخاتم او السوار وبعض الهدايا الى الفتاة ، ويتم الاتفاق بحضور رجل الدين الذي يقوم بمهمة عقد القران في وسط من الاهازيج والزغاريد .
6 ـ الجلوة في الاعراس :   
 تحضر (الملة) المعروفة في الحي الى دار الزوج ليلة الزفاف ، وعندما يقدم الزوج تضع يده بيد الزوجة وتضيء
 (1) الملّة : لفظة تطلق في كربلاء على المرأة فقط وهي التي تقوم بتعليم الاطفال . أما الرجال فيسمى واحدهم بالشيخ . 
الشمعة الكبيرة التي اعدتها أمامهما فيمنحها الزوج نقوداً ، وهي تقرأ بعض الادعية . كما ان القابلة التي تسكن الحي والتي اعتادت توليد النساء ، تحضر وتغسل ايدي الزوجين بابريق من ماء الورد كانت قد اعدته منذ حين لاجل هذه المهمة فتمنح لها الهدايا من الزوجين تكريما لها .
7 ـ الشوباش: 
 عندما يتزوج الرجل تأتي قارعات الطبول من نساء العبيد في اليوم التالي فيضربن بدفوفهن وينشدن بعض الاغاني لتهنئة الزوجين بهذه المناسبة السارة ، وتفرش عباءة في ساحة الدار ويهرع الناس من اصدقاء وجيران وأقارب وكل من يشعر أن للزوج أو الزوجة حقاً عليه فيرمي بمبلغ مناسب في العباءة هدية منه . بعد ذلك يجمعن المبالغ المتوفرة فيتقاسمنها بينهن . كما ان أهل المحتفى بزواجه يقومون باكرامهن مالا وملابس وسكرا ، ثم يبرحن الدار وهن داعيات للزوج الخير والبركة والبنوة الصالحة .
 وفي خارج المدينة تختلف الامور ، حيث الحياة القبلية والعشائرية ، فيأتي عدد من الاشخاص ممن لهم صلة بالعائلة ويطلقون العيارات النارية مشاركة لهذه الفرحة ، فيرد عليهم أهل الدار باطلاقات أخرى وهم يعلنون عن فرحتهم بزيارتهم ، ويستضيفونهم . ثم يفرش صاحب الدار عباءته في الساحة المعدة لهم ، ويعد لذلك يشماغاً لمن يقف بالقرب من العباءة وينادي بالشوباش ، ويبتعد صاحب الدار مسافة قصيرة ، بحيث يسمع المنادي وهو يردد «شوباش .. حجي (...) انعم الله عليك .. الله يبيض وجهك» ثم يحصي بذلك صاحب الدعوة المبالغ المتجمعة
عن طريق عدد خرزات المسبحة ، لان ما يدفعه كل شخص يعادل ما يدفعه الآخر ، حتى لا يضيع عليه الحساب ، واذا تعذر ان يكون هناك من المبلغ المحدد بينهم ، يأتي فيهمس باذن العريس معتذراً ان ذات اليد مقصرة معه في دفع المبلغ الكلي المتفق عليه آنياً ، فيقبل صاحب الدعوة عذره وهو يعطيه فرصة أخرى لسد ما تبقى عليه من دين ادبي .
8 ـ صوم اليتيمة : 
 تروي الاساطير بأن هذه التسمية تعود الى ان هناك فتاة يتيمة الام ، لها أب وزوجة أب ، تنال من زوجة أبيها سوء العذاب ... ذات يوم شكت همها الى الجيران ، وقيل لها «ان هناك صوماً لليتيمات ، ويمكنك صوم ذلك اليوم واتجهي الى بيوت ثلاث في كل منها فتاة اسمها فاطمة وخذي من الاولى سكراً ومن الثانية طحيناً ومن الثالثة دهناً لعمل العصيدة وصومي ذلك النهار ، واستعدي للفطور» . امتثلت البنت لقول جارتها وعملت العصيدة وفطرت بها ، بعد ان صامت ذلك النهار لطلب مرادها . كل ذلك جرى دون علم أهلها . وتقول الاساطير ان هذه البنت قد نالت مرادها ، وتزوجت من ابن السلطان . وفي العام الثاني من زواجها ، وبعد ان أدت الواجب الملقى على عاتقها بصومها دون علم أهل الزوج ، وخلال فطورها ، دخل عليها زوجها ابن السلطان الى المطبخ ونهرها ومن ثم رفس الطاوة برجله ، وقال لها : «هل انت مازلت فقيرة كما كنت في دار أهلك ؟» وكان ملكالدولة المجاورة قد أرسل اليه يرجوه للمقابلة ، فنفذ ابن السلطان الامر ، وقبل ان يودع زوجته قال لها : استعدي وهيأي لي المتاع ،
(1) الملك ـ ورد في الماثور انه السلطان أيضا . ولكي لا يشتبه مرجع الضمير ، استعملت كلمة (الملك) لقب السلطان البلد المجاور للتفريق .   
فوضعت له في الخُرج ثلاث بطيخات وبعدها سافر ، وحال وصوله الى الملك للسلام عليه ، وجد الخرج يقطر دماً ، وعندما فتح له الخرج ، وجد فيه ثلاثة رؤوس بشرية وقال له الملك : نحن رجوناك لمهمة ، فكيف تتسبب بقتل ثلاثة أشخاص ؟ وحجزوه هناك فترة من الزمن تقارب السنة وارسل خبراً الى زوجته ملتمساً ان تقوم بالصوم وتأدية ما عليها من الواجبات الدينية التي كانت تعملها في دار أهلها حتى يفرج الله عنه الكرب ويعود اليها سالماً . وفي ذلك اليوم الذي صامت فيه من السنة التالية كانت محاكمة زوجها ، وقد أدت ما عليها وأكلت العصيدة . وفي مجلس الملك سئل ابن السلطان عن سبب قتله لهؤلاء الثلاثة ، أجاب بالنفي واوتي بالخُرج ، وعندما فتحه الملك ذهل حين وجد ان هذه الرؤوس قد انقلبت الى ثلاث بطيخات .
 ومن خلال تلك الاسطورة تصوم الفتيات عندنا آخر يوم ثلاثاء شهر رجب من كل عام لاجل الحصول على المراد .
9 ـ ليلة المحية : 
اعتاد الناس التهيؤ والاستعداد المسبق بالابتهاج بهذه الليلة المباركة فهي ليلة ميلاد المهدي المنتظر (عليه السلام) . وتصادف النصف من شعبان حيث تكون الليلة بهيجة ومفرحة ، يتوافد الناس الى كربلاء زرافات ووحدانا لزيارة قبر الشهيد الحسين (عليه السلام) . كما يسهر الناس حتى الصباح وهم في أبهى حلة من الفرح والسعادة ، اذ تجدهم يسهرون في أماكن يحددونها ، وتقوم النسوة خلال تلك الليلة بتهيئة الطعام الذي يتكون من الدولمة والخضروات والحلاوة واللبن والكباب والدبس ، كل هذا يوضع في سفرة شعبية تحطيها الشموع الموقدة ،
  وبعد ذلك تأكل العائلة تلك الاطعمة المتنوعة ، وما ان يفرغوا من غسل الايدي حتى تهيأ دلال القهوة والدارسين . وبعدها يصلي افراد العائلة عند انبثاق الفجر .
 ولا ننسى ان الاطفال والصبيان يستقبلون تلك الليلة مبكرين بهزجة شعبية هي (الماجينة) وهم يتنقلون من بيت الى بيت في الحي الذي يقطنونه.
10 ـ أربع سبوتة رجب : 
 انطلقت عادة جديدة في أواخر الستينات ، اذ تقوم النسوة بالصيام 4 أيام سبت من شهر رجب تبركاً وطلباً لنذر او مراد ، حيث يخرجن قبيل الفجر صائمات فيقصدن زيارة العباس (عليه السلام) ومن ثم يزرن الحسين (عليه السلام) وهن لا يكلمن أحداً ، وعندما ينهين الزيارة والدعاء بطلب المراد يعدن الى بيوتهن للافطار .
11 ـ زيارة احمد بن هاشم : 
   اعتاد أهالي كربلاء ومجاوروها زيارة مرقد السيد أحمد ابو هاشم(1) المعروف عند العوام باحمد بن هاشم وذلك في موسم جني التمور في شهر تشرين الاول من كل عام(2) ، وذلك وفق
 (1) هو السيد أحمد بن ابي الفائز محمد من ذرية السيد ابراهيم المجاب ابن محمد العابد بن الامام موسى الكاظم (عليه السلام) . وهو الناظر لرأس العين المكنى بأبي ضراس والمدفون خارج شفاثة على ثلاثة مراحل غربي كربلاء ، وقبره يزار وله كرامات كثيرة . انظر كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء) للسيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة ص 132 .
برنامج معين . فيجلبون الماء في صفائح وبراميل خاصة لعدم وجوده هناك ، كما يقوم الآخرون بجلب الحطب الذي يطبخون به الطعام ، كل ذلك لاجل التبرك وقضاء الحوائج . فتقدم النذور والقرابين وهي عبارة عن ذبائح لكل من في ذمته نذر وينحرونها هناك ، ويتجمهر الزوار في كل حارة بسيارات تحمل علماً أخضر اللون تعلقاً بأهل البيت ، ويمكثون هناك ثلاثة أيام .
12 ـ ليلة آخر صفر : 
 عندما ينتهي شهر صفر ، وهو من الشهور الحزينة في السنة الهجرية ، اعتاد الناس رمي الكوز من أعلى السطوح ، بعد ان يضعوا في كل واحدة منها قطعة صغيرة من الفحم وقليلا من الماء وذرات من الملح وعدداً قليلاً من النقود الصغيرة التي لا تتجاوز الخمسة فلوس . وتقوم النسوة برمي تلك الكوز في الطرقات دفعاً للشر والسوء ، وهن يرددن : «فلوس الخير بجرّة صفر» ويتم هذا بعد رؤية هلال شهر ربيع مباشرة ، حيث يقوم الصبيان بايقاد النيران في الطرق والازقة ابتهاجاً وفرحاً بانبثاق فجر الربيع وهم ينشدون في مظاهرة شعبية : (راح صفر جانه ربيع .. يا محمد .. يا شفيع) . ولا يتوانى الرجال من اطلاق الرصاص مشاركة في هذه الفرحة . وتلك عادة توارثوها عن أسلافهم.
عن مجلة بغداد 1965