من اصدارات المدى..الحرب والسلام بين عالم الطبيعة وعالم التقنية

من اصدارات المدى..الحرب والسلام بين عالم الطبيعة وعالم التقنية

تأليف: باري كومونر .......  ترجمة: عارف حديفة
الناشر: دار المدى- الطبعة الأولى – 2011              
          مراجعة: فريدة الأنصاري
يعيش البشر في عالمين: عالم الطبيعة الذي تكون من سلسلة عمليات فيزيائية وكيمياوية وبيولوجية،وأما العالم الآخر فهو العالم الخاص الذي نعيش فيه  ويضم منازلنا وسياراتنا ومصانعنا وغذاءنا وآلاتنا. ومع ظهور ثقب في طبقة الأوزون الواقية للأرض،وارتفاع درجة الحرارة،

والطفرة في عالم التقنية بعد الحرب العالمية الثانية و تلوث البيئة،وقع الإنسان بين عالمين متضادين عالم الطبيعة،وعالم التقنية ما حدا بعلماء البيئة لإيجاد الحلول لإنقاذ البشرية وتفادي آثاره الكارثية بإقامة السلام بينهما. والكتاب (إقامة السلام مع الكوكب) لباري كومونر الذي بين أيدينا واحد من أهم الكتب التي تحاول إيجاد الحلول.
على امتداد 295 صفحة و بعشرة عناوين  يحاول المؤلف البحث عن الطرق التي تمنع وقوع الخسائر الكارثية في المستقبل وإنهاء هذه الحرب فيدرس اثر الثورة التقنية على البيئة، ويحلل طروحات علماء البيئة.
   في مستهل الكتاب يذكر المؤلف بأن العالمين عالم البيئة وعالم التقنية  اللذين نعيش فيهما تحكمهما قوانين متعددة ومتباينة، مثل القوانين التي تحكم عالم البيئة: (كل شيء مرتبط بكل آخر) أي انه ليس إلا شبكة محكمة يرتبط كل جزء فيها بأجزائه  الأخرى و(أن الطبيعة خير من يعرف) أي أن عناصره المكونة العديدة منسجم مع بعضها البعض الآخر ومع المجموع.اما عالم التقنية فإن لأجزائه المكونة علاقة مختلفة جداً بالمحيط. ولكون الإنسان يشغل هذين العالمين فأنه واقع في شرك التعارض بينهما. كما يبين كيف حاول علماء البيئة والحكومات المعنية في مختلف دول العالم  ايجاد الحلول لوقف هذه الحرب،وللمضي في دراسة الاسباب ومناقشة الحلول التي أشار اليها بعض الباحثين في شؤون البيئة يأخذ المؤلف الولايات المتحدة مثالاً للبحث عن إجابات باعتبارها وفق ما يذكر أول دولة سنت القوانين الأساسية لإزالة تلوث الهواء والماء وتخليص البيئة من المواد الكيميائية السامة ونفايات الزراعة والمدن ليخرج بعد ذلك بنتيجة مفادها: بأن الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة وعلماء البيئة لم تكن بالمستوى المطلوب. فالنفايات الملوثة لم تنخفض إلا بنسبة قليلة ،بل أن التغيرات الجديدة التي طرأت على منظومة الإنتاج أدت الى اعتداء جديد اشد اعتداءً من القديم.فالتغير الكبير في تقنية الإنتاج الصناعي والزراعي والاستعمال الواسع للسماد الكيماوي والمبيدات الحشرية التي لا يصل منها إلا القليل جدا الى الهدف المقصود، معرضة الحياة البرية والإنسان لأخطار جسيمة.ولكن رغم ذلك كما يؤكد المؤلف تمضي الشركات بإنتاجه لأن الربح في اقتصاد الولايات المتحدة حصرياً هو الربح الزائد.، وأن المستهلك ملك فهو من يصدر الأوامر من أجل منتجات جديدة يخضع لها المنتجون.
   وقبل أن ينتقل المؤلف إلى مواضيع أخرى تتعلق بالحرب بين العالمين يبين الأسباب المؤدية الى هذه الحرب  فيذكر بأن العامل الاقتصادي لم يكن وحده وراء تلوث البيئة وإنما هناك العامل الاجتماعي ايضاً.فما يدخل السوق من سلع يتحول معظمه الى قمامة بدءاًمن الجريدة اليومية وأكياس التسوق الى بقايا الفاكهة والخضروات واللحم ووجبات العشاء الجاهزة الى الصابون.ورغم محاولات بعض الشركات معالجة هذه المخلفات إلا انها تبقى عاجزة عن حل المشكلة.وهنا يقوم المؤلف بطرح البدائل والنظريات التي يشير اليها  في ص99-172 تحت عنوان (اعادة تصميم عالم التقنية) و(درء أزمة القمامة).
   فأزمة القمامة تعطينا صورة بيئية كئيبة وتبين ما يمكن عمله لجعلها مشرقة ومن بين طرق المعالجة الحالية نحو 80% تدفن في حفر و10 % تحرق والباقي يعالج رغم أن الحرق والدفن تزيد التلوث. وعلى ضوء ذلك يدعو إلى معالجة شاملة تعتمد على الوقاية لا على التحكم متفوقة على الإحراق إضافة إلى إنها ذات مردود أفضل من الإحراق وتحفز الاقتصاد من غير أن تستنزفه.
  ينتقل بعد ذلك لمناقشة النظريات الي تعزو تلوث البيئة الى السكان والفقر فيشير الى  القسم الشمالي بعالمه التقني الحديث، والجنوبي الفقير. فالقسم الجنوبي يعاني سكانه من مخاطر التلوث البيئي الناجم من خلق الثروة في الشمال ,فهم ضحايا الصادرات السامة رافضاً نظرية القائلين امثال  جاريت هاردن  بان مشكلة التلوث نتيجة من نتائج تزايد السكان ,  فكلما زادت كثافة السكان كلما حملت الدورات الطبيعية الكيميائية والبيولوجية اكثر مما تحتمل ,وأن حرية الإنجاب هي التي ستسبب الدمار للجميع , وأن ارسال المساعدات الغذائية الى المحتاجين في البلدان النامية عملاً من اعمال الظلال العديمة الجدوى. بعد ان يفند نظرياتهم يؤكد ان التوزيع غير العادل للثروات هو السبب في التلوث ,وهذا ليس ظاهرة بيئية  بل ظاهرة سياسية اقتصادية ،وان تلوث  البيئة لا يمكن حلها إلا بتحويل شامل في الإنتاج الزراعي ,والصناعي , وإنتاج الطاقة، والنقل.
 قبل أن يختم المؤلف الكتاب يؤكد بأن هذين العالمين يتبادلان التدمير في هذه الحرب مرجحاً أن ينتهي بكارثة شاملة أن لم يعمل على اتخاذ حلاً لإيقافها، فالطبيعة يجري تدميرها والمجتمع البشري يعاني لا بسبب التدمير فقط بل لأن نظام إنتاجنا الحالي المدمر للبيئة يقلل من فرص النمو الاقتصادي وخاصة في البلدان النامية. وعليه يجب تغيير تقنيات الإنتاج التي تطورت بعد الحرب العالمية الثانية من غير أن نعيق طاقتها على إنتاج السلع وتقديم الخدمات الضرورية، وعليه يجب أن يكون عالم التقنية منتجاً ومنسجماً مع عالم البيئة في وقت واحد وفي هذا الصدد يشير ظاهرة الدخان الضبابي بإعادة تصميم محرك السيارة، وبحيرات وبحار ملوثة بالطحالب بتغيير طريقة إخصاب الأرض، ونفايات مشعة هائلة لا تعالج بابتكار متفجرات جديدة ومحاولة إعادة تنظيم صناعة الطاقة الكهربائية. اما في مجال الزراعة ثبت بالتجربة أن التدابير المتكاملة في مجال الحشرات يقلل إلى حد من استخدام المبيدات، وأن الزراعة العضوية ثبت نجاحها للتخلص من جميع المواد الكيماوية المستخدمة في الزراعة. وفي مجال الطاقة يذكر المؤلف بأن الكثير من التجارب العلمية في حفظ الطاقة في المساكن والصناعة والنقل وهي لا تحتاج إلا إلى نشرها على نطاق شامل. ومن خلال ذلك يتضح لنا بأن التحول في تقنيات الإنتاج اهداف عديدة و تحقيق أي منها على نحو غير مرض قد يتحول إلى مشكلة في مجال آخر. فالتحول له ثلاث غايات كما يؤكد المؤلف تتجسد في الوقاية من التلوث المحلي من أنظمة الإنتاج، والوقاية من الآثار البيئية الممكنة على نطاق العالم – تسخين الكرة الأرضية وتدمير طبقة الأوزون – وتسريع التطور الاقتصادي غير المضر بالبيئة في البلدان النامية.
  في نهاية الكتاب يشير المؤلف بان هذه الحرب مع كوكب الطبيعة لا تنتهي  بعمل فردي ,فلا الولايات المتحدة ولا اي دولة اخرى سواء كانت بالمعسكر الرأسمالي او الاشتراكي  تستطيع إنهاءها إلا بعمل جماعي يقوم على نزع السلاح وتحويل المصانع العسكرية وملاكها التقني والعلمي الى أغراض سلمية، والانتقال الى مرحلة تاريخية جديدة تقوم على السلام مع جميع الشعوب.
فالحروب والتهديد بالحروب التي أوقعت العالم في البؤس لها أصل واحد هو اخفاق الأنظمة الرأسمالية والاشتراكية على السواء في الانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة وإلى ديمقراطية جديدة لا تشمل على الحرية الشخصية والسياسية فقط بل والقرارات الأساسية التي تقرر مستقبل عالمنا وعالم الكوكب. وبما أن الشعوب بدأت تعي ان العيش بسلام بدون كوارث يبنى على إنهاء الحرب مع  الطبيعة وعلى انهاء الحروب بيننا  وإقامة السلام بين الشعوب التي تعيش على الأرض.
وبذلك يكون قد انهى كتابه بجملة جعلها عنوان كتابه السلام مع الكوكب.
  في الختام لا يسعنا إلا القول بان هذا الكتاب مهم جداً بإثارته عدة قضايا مهمة تتعلق بتلوث البيئة وصحة الإنسان،وفضح المنظور الرأسمالي في الاقتصاد،وكشف اخفاقه في معالجة مشكلة زيادة السكان،ومساعدة الدول النامية.كما انه يفتح لنا نافذة للسلام تتجسد بدعوته الى الانتقال الى مرحلة تاريخية جديدة تقع على عاتق الدولة والمنتج والمستهلك، وأخيراً يمكننا القول بأن المؤلف قد نجح في تحليل هذه الحرب،"الحرب بين عالم البيئة وعالم التقنية"ووضع بعض الحلول لها.