حادثة سجن الكوت سنة 1953

حادثة سجن الكوت سنة 1953

عبد المنعم تقي           
كانت مدينة الــكوت وقصبات الـلواء الاخرى تشارك في الاحداث السياسية التي مر بها العراق وسجن مــدينة الكوت المعروف كان تجمعاً لاحرار العراق منذ سنة 1948 م اذ كان المسجونون فـــيه هم مـــن اقطاب الحزب الشيوعي والحركات الوطنية في العراق والتي تطالب باستقلال الــــعراق ورفاه شعبه.


حادثة سجن الكوت
استغلت محطات الاذاعة المعادية للـــــعراق انذاك حــــادثة سجن بغــداد التي وقعت في 18/حزيران /سنة 1953 وراح ضحيتها عدد مــن القتلى والجرحى واخذت تذيع انباء تلك الحادثة وتثير الشعور المعادي للحكومة وكانت الصحف الموالية للحكومة العراقية انذاك ترد على تلك الانباء والتعليقات وفـي اثناء ذلك التدهور السياسي والشائعات تقع حادثة مهمة في سجن الكوت مماثلة لحادثـة سجن بغداد ففي ليلة الثالث من ايلول سنة 1953 م حدثت اضــطرابات بــين سجناء سجــن الكوت وسجانيهم والتي راح ضحيتها عدد اخر مــــن القــتلى والجرحى قدرته المصادر الرسمية بـ ( 102 ) سجيناً من اصل ( 121 سجيناً ) .
استفزت حادثة سجــن بغداد السجناء السياسين في سجن الكوت فتقدموا الى الحكومة بأحتجاجات استــنكارية شديدة اللهجة ولما شرعت السلطات في التحقيق مع المسجونين في من حرك تلك الاحتجـــاجات اضرب السجناء عـــن الطعام وتمـــادوا فــــي اضرابهم واحتجاجاتهم وكنا نسمع اصواتهم واستغاثتهم ليلاً ونحن في محلة الشرقية .
يقول السيد طاهر القيسي متصرف لواء الكوت وقتها فــي كتابه المرفوع الــــى وزارة الداخلية برقم ( 412 ) وتاريخ 9/9/1953 م ( اســـتمر السجـــناء الشيوعيون علـى الاضراب عن استلام الارزاق مكتفين بما ادخروه في الايام السالفة وتهريج مستمر في الليل والنهار بتلاوة الاناشيد الفوضوية والاستغاثة من اشياء لفقوها وشــــتائم تــــكال لرجال الحكومة كل ذلك ورأي مستقر على انهم عزل من السلاح الا ماذكرته من وجود بعض الات الجارحة والقناني الفارغة وان القوت المـــدخر لديهم على وشك النفاد وان خير وسيلة نعاملهم بها هي ان نضـرب صفحا عـــن تهريـــجهم ونتركهم وشأنهم حتى تضطرهم الحاجة الى الاستــــسلام بدون عـــناء او اصطـــدام . وبالفعل نفذت ذخيرتهم بتاريخ 1/9/1953 م . يقول السيد طاهر القيسي مــتصرف لواء الكوت انذاك اعلمني مدير السجون العام تلفونياً بأن السجناء جميــعاً استســـلموا بدون قيد او شرط وطلبوا غذاءاً فجهزوا بحاجـــتهم اليومـــية وزرت بناية الســــجن فأكد لي مدير السجون العام استسلام السجناء فقـــــلت له انني اوصــــي قبل كل شــــيء بعدم السماح للسجانين او الشرطة ان يدخلوا على المسجونين باسلحتهم . وللعلم ان مدير السجون العام مكث في الكوت مدة يعالج الموقف بنفسه حتى يوم الحادث وتصفية القضية.
الظـاهر انه وقع بعد زيارة المتصرف للسجن ما لـم يكن فـــــي الحسبان اذ حدث حادث مؤسـف ابانت عنه الحكومة بالبيان التالي :- بـيان رسمي : ( قام السجناء الشيوعيون في سجن الكوت باعمال متكررة تـــخالف قانون ونـــظام ادارة السجون وكان يتزعمهم موشي مـــناحيم قوجــان وحسقـــيل مناحـــيم قوجان ومحمد راضي شبر واكرم حسين ومحمد عبد اللطيف وقــــد بذلت الــــسلطات الرسميـــة جــهوداً لحملهم على الكف عن مخالفاتهم المستمرة ولكنها لم تأتي بنتيجة مرضية . وقد الـت حالتهم منذ 2/8/1953 م الى التمرد والعصيان واعتدوا في عدة مناسبات على مدير السجن وعلـى السجانــين وقد بلغت اصاباتهم من جراء هذا الاعتداء ستاً وثلاثين اصابة مختلفة عيـنتها التقارير الطبية المنظمة بهذا الخصوص وان وضعهم هذا حمل ادارة السجون علـى تطبيق حكم القانون بحقهم اسوة بغيرهم مـــن الـــمساجين فــــــــي السجـــون الاخرى . وبتاريـــخ 2/9/1953 م قررت ادارة الســـجن تفـــتيش امتعة الســجناء وجردها واخراج المواد الممنوعة منها وشكلت لجنة من موظفي السجن ومـــن ممثـــلين عن السجناء عينوهم لهذا الغرض بعد ان وافقوا على اجراء التفتيش وعنـــد قيام اللجنة باعمالها فقد عثرت على كثير من الالات الجارحة والراضة وغيرها مـــــن الــــمواد الممنوعـــة ولما اطلع السجناء على ذلك وقبل انهاء التفتيش رفضوا اكمال عملية الـــجرد واقاموا الـــعراقيل امام اللجنة حتى يحاولوا دون اتمام مهمتها .
ولم يكــتفوا بذلك بل عارضوا تنفيذ الامر الصادر بتسفير خمسة عشر سجين مــــــن اليـــهود الشـــيوعيين الصادر من السلطات المختصة ومانعوا في اخراجهم مــن بينــــهم واتخذوا ذلك ذريعة لهم فأعلنوا عصيانهم ولم يكتفوا بذلك بل انهم هاجموا قــــوات الشـــرطة والسجانيين المجردين من الاسلحة النارية بالحجارة وما تيسر لـــديهم من الألات الــــراضة او الــــجارحة وقد كسروا احد المصابيح الكهربائية اثنـــاء ذلك وادى الـــى قطع التـــيار الكـــهربائي وانطفاء الانوار فساد الهرج وعمت الفوضـى واستغل السجـــناء هذا الموقف فزادوا في شدة مقاومتهم واعتداءاتهم حتى اصيب عدد مـــن الـــشرطة والســـجانين بكسور ورضوض واستفز الصراخ البعض مــــن افراد الشرطة فهرعوا الــــــى مــقرهم الملاصق للسجن وجلبوا اسلحتهم وتصادموا مـع السجناء وادى هذا الـــتصادم مـــع الاسف الى قتل وجرح عدد من السجناء .
وقد باشر حـــاكم التحقيق اجراء التحقيقات الــــقانونية بحضور المدعي العام واصدر امره بتوقيف عدد مــــن افراد الشرطة ومعاون القوة الســـيارة وعدد من السجانيين كمـــا قررت السلطـــة الادارية سحب يد مدير الـــسجن وثلاثة مـــن معاوني الشرطة ومأمور المركز وذلك لتأمين سلامة التحقيق وما زالت التحقيقات مستمرة في 9/9/ 1953م 1 .
و . مدير الدعاية العام بعد ذلك قامت اللجنة التحقيقية المشكلة مـن المفتش الاداري السيد عبد الحليم السنوي ومفتش الشرطة السيد عبد الجبار صدقــي بعملها ونشر تقريرها في جريدة الدفاع عدد ( 306 ) بتاريخ 23/ايلول / سنــــة /1953 م وجاء مطـــابقاً لما صـــدر عـن مديرية الدعاية العامة غير ان التقرير افصح عن عدد القتلى والـجرحى وهــــو قوله ( اسفرت الحادثة عن قتل ثمانية مــن المساجين وجرح ( 94 ) وكــــان مجـــموع الــــمساجين ( 121 ) سجيناً أي ان من نجا من الحادثة فقط تسعة عشر سجيناً .
ان تـلك الايام مرت على اهالي الكوت بشكل عصيب وكانوا يتألمون لسماع استغاثات المسجـــونين وخاصـــة ليلاً وكانــت اناشيدهم الوطنية تؤجج الشعور والحماس الوطني وتجد مظاهر التأييد والعطف في وجوه الناس .
كان هذا السجن عنوان الظلم والاضـطهاد فـــي ذلك الــوقت وكثيرا ما يزج به من ابناء العراق الاحرار لمجرد المطالبة بحقـــوقهم الوطنــية المشروعة وكانت التهمة الوحيدة لدى السلطات هي (انه شيــوعي) وهذا غـــير صحيــــح لان احزاب وتنظيمات وطنية أخلرى  كانت تلعب دورها الـــوطني في الـــساحة السياسية العراقية ذلك الوقت وكانت اسر المسجونين تعبر عن ذلك تعـــبيراً صـــادقاً عندما يزورون الكوت وكان الكثير من ابناء الكوت يلتقون تلك الاسر اثنـــاء الزيارة لابنائهم المساجين ويتعاطفون معهم لذلك تولد لدى ابناء الكوت شعور متنامـــي بظلم الحــــكومة وتعسفــــها وقهرها للـــحريات وتعاونها مع الاقطاع والاستعمار لغرض فرض وجودها على ابناء الـشعب هذا الشعور المتنامي جعل اهل الـــكوت يتخذون الـــمواقف المؤيدة للـــحركات السياسيـــة المناوئة للحكومة .
كان ابناء الـــــكوت يسمعون باستمرار استغاثة السجناء واناشيدهم الوطنية وخاصةٍ تلك الـبيوت المــــجاورة لبنايـــة الســـجن فخافت الحــكومة من تطور الموقف واشتعال نار الغضب لدى ابناء الكوت الذين كانوا يراقبون الــــموقف عن كثب وخاصة بعد ان خرجت تظاهرة تساند مطالب المسجونين عليه عجلت الــحكومة في انهاء الامر والقضاء على اولائك الذين رفضوا تسفيرهم الــى سجن نـــقرة الســـلمان فأقتــــحمت الشرطة السجن فجر يوم 2/9/1953 م وأستيقضـــت الكــوت علــى صراخ المساجين وأزيز الرصاص وصوت سيارات الاسعاف التـي كانت تنقل الجرحـــى والقـــتلى الى مستشفى الكوت وبذلك اسدل الستار على حادثة سجن الكوت الرهيبة.
عن  موقع تاريح الكوت