الادارة البريطانية في العراق قبيل تأسيس الدولة العراقية الحديثة

الادارة البريطانية في العراق قبيل تأسيس الدولة العراقية الحديثة

عدنان هرير الشجيري
أرغمت التطورات السياسية التي شهدتها الساحة الدولية خلال السنتين الاخيرتين من الحرب العالمية الاولى، كدخول الولايات المتحدة معترك السياسة والحرب الاوربية في 6 نيسان 1917، وأنسحاب الروس من الحرب، بعد قيام ثورة اكتوبر 1917. وما صحبة من انتقادات عنيفة للمخططات الاستعمارية وكشف لاتفاقيات الحلفاء السرية،

 فضلا عن الاسس الجديدة التي أعلنها الرئيس الامريكي ودروولسن في 8 كانون ثان 1918. لتنظيم العلاقات الدولية وخصوصا مبدأ تقرير المصير، والحكم الذاتي اللذان يتعارضان وخطط الحلفاء الرامية الى اعادت فرض الهينمة على المناطق المنسلخة عن الامبراطوريتين الالمانية والعثمانية - صناع القرار في لندن على أعادة النظر بسياستهم في العراق.
وعليه أعلن رئيس الوزراء البريطاني، لويد جورج في خطاب له امام مجلس العموم في 15 كانون الثاني 1918، بأن العراق واحد من المناطق المنسلخة المؤهلة للاعتراف به ككيان مستقل ، وفي العشرين من شباط التالي أستدعت لجنة الشرق الأوسط ( لجنة ما بين النهرين سابقاً) برسي كوكس الى لندن لتباحث معه حول الموضوع نفسه.وقد كرر كوكس امام اللجنة رفضه التام لموضوع الفصل الاداري بين البصرة وبغداد ، وأكد على ضرورة دمجها في أدارة واحدة كخطوة نحو الدمج الكامل للمناطق العراقية كافة، وأن لايستخدم في وظائف الادارةالجديدة وخصوصا الوظائف العليا أي عراقي، كمااقترح شكلين من أشكال الادارة المرغوب أقامتها في العراق يتالف الشكل الاول من حكومة بريطانية برئاسة مندوب سام ، على أن يساعده مجلس استشاري مؤلف من رؤوساء الادارات الرئيسة ومن عراقيين يتم اختيارهم من الشخصيات المحلية البارزة اما الشكل الثاني فهومرتبط بردود الفعل الدولية السلبية ازاء الشكل الاول عند ذلك تصبح مسألة تشكيل حكومة محلية أسمية أمراً ضرورياً ،على أن يتولى رئاستها شخصية عراقية، كعبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد .
ويبدو أن اختياره لهذه الشخصية جاء لاسباب تتعلق بمكانته الأجتماعية الكبيرة بين السكان والتي من الممكن استغلالها لجلب تعاطفهم مع البريطانيين. فضلا عن قلة طموحاته السياسية، واستعداده اللامحدود للتعاون مع سلطات الاحتلال .
وافقت اللجنة علىمقترحات كوكس، وخولته العمل بموجبها، ولكن قرار نقله المفاجىالى ايران في ايار 1918، قد وضع مسؤوليته تنفيذالاتفاق على عاتق وكيله أرنولد ولسن الذي كان يتطلع الى مثل هذا المهام بشغف كبير ، إذ يجد فيها وسيلة لتحقيق طموحة في أن يصبح شخصية سياسية وأدارية مرموقة.
باشر ولسن بتنظيم الادارة المدنية حسب تصوراته مستغلا تردد حكومة لندن في أتخاذ قرار حاسم يحدد شكل الحكم البريطاني في العراق، فضلا عن عدم تضمن مقترحات كوكس الى اللجنة الادارية لبلاد مابين النهرين أي مسارات عمل محددة، مماترك الابواب مفتوحة للاجتهادات كافة. وبحلول أيلول 1918 شكلت في بغداد ادارة موحدة لادارة ولايتي بغداد والبصرة العثمانيتين ثم الموصل في ايلول 1919، وكانت عبارة عن صيغة لحكومة منظمة، تألفت من دائرة الحاكم المدني العام وخمس سكرتاريات، وعدد من المديريات الملحقة وهي:
1. دائرة الحاكم المدني العام:وهي المقر العام لمفوضية الشؤون المدنية، وتألفت من الحاكم المدني العام وكالة السيرارنولد ولسن، رئيسا وعدد من الضباط بصفة سكرتيرين ومساعدين ومجموعة من المترجمين والمستخدمين.وتولت الدائرة رسم السياسة العامة للاحتلال والاشراف على تنفيذها، وتنظيم وتنسيق عمل الدوائر، فضلا عن أشرافها المباشرعلى دوائر الشرطة، والشبانه والتعليم.
أ‌. الشرطة: وهي من الدوائر التي شملتها اعادة الهيكلة، فاصبحت تتالف من مقر عام في بغداد (مديرية الشرطة العامة) وكان يديرها بالنيابة عن الحاكم المدني العام وكالة، العقيد كريكسون، كما تألفت من عدد من الدوائر التنفيذية واخرى ملحقة، أشتملت التنفيذية على مديريت شرطة بغداد، والبصرة ومعاونيات شرطة العمارة والشامية، والنجف وسامراء وكركوك والموصل، وأما دوائر الشرطة في باقي المناطق فتألفت من وحدات صغيرة تعمل تحت اشراف الحكام السياسيين ومعاونيهم في مناطق ومقاطعات بغداد والبصرة، واشتملت الدوائر الملحقة على ادارتي مدرستي الشرطة في هاتين المنطقتين. ولم تقتصر التغييرات على دوائر الشرطة وحسب ، وأنما شملت الشرطة انفسهم وكما إذ تم استبدال عناصرها المصرية والصومالية باخرى محلية لكونها اقل كلفة وأكثر كفاءة مع زيادة ملحوظة في العدد من ( 1430) في اواخرسنة 1918 الى( 2470 ) في اب 1920 ، وفي الاول من نيسان 1920 أستبدل عنوان دائرة الشرطة من مديرية الشرطة العامة الى مفتشية الشرطة العامة ، وعين لادارتها البريطاني العقيد بريسكوت Brieskoot مفتشا عاما.
وبموجب بيان البوليس رقم 72 الصادر في الاول من تموز 1920 وضعت الاسس العامة التي تقوم عليها تشكيلات الشرطة وادراتها وواجباتها ، وقواعد التعيين وسلطاته والمخالفات والعقوبات التي يخول رؤساء الشرطة فرضها والحكم بها. وبموجبه ايضا الغيت المواد من 1-87 من قانون الشرطة العثمانية لسنة 1913 وهذا يعني استمرار تطبيق باقي مواد القانون وعددها 41 مادة،والتي تتناول المخالفات التي يرتكبها منتسبو الشرطة على مختلف مستوياتهم واصول محاكمتهم والعقوبات المقررة ازاء كل مخالفة .
ب.الشبانه، هي واحدة من الدوائرالتي الحقت بالمقر السياسي العام في بغداد، وقد اقتضى هذا الارتباط وجود تنظيم مركزي لها يتولى تجهيزها ودفع رواتب منتسبيها غير انها من الناحية العملية ظلت تحت ادراة مكتب الحاكم المدني العام حتى اذار 1919، وعين لادراتها أحد الضباط البريطانيين وهوالرائد بويل بصفة مفتش،فعمل على أعادة تنظيمها بتقسيمها الى فرقتين ، الفرات ودجلة، وقسم كل فرقة على مجموعات مترابطة ، تألفت فرقة الفرات من خمس مجموعات كانت على التوالي الاولى في الرمادي والثانية في الحلة والثالثة في ابي صخير والرابعة في الديوانية والخامسة في الناصرية ، أما فرقة دجلة فتألفت من أربع مجموعات، الأولى في سامراء والثانية في الكوت والثالثة في قلعة صالح والرابعة في القرنة وكانت المجموعة الواحدة عبارة عن سرية مؤلفة من فصيلتين (مشاة وخيالة) وهم خليط من عناصر عربية وكردية يقودهم ضباط من ابناء الشيوخ وكان لدى الدائرة عدد من السرايا المحررة لحفظ الأمن في كل من البصرة ، وبعقوبة، وخانقين وكركوك،والسليمانية ، وجندرمة الموصل ، ودير الزور ( قبل انفصالها والحاقها بسوريا في أيلول 1919).
وقد برهنت الشبانة حسب قول المس بيل على انها سلاح فعال بيد السلطة المحتلة لتأديب العناصر الثائرة ومطاردتها واعتقالها . وبناءاً على هذه الأسباب حرصت سلطة الاحتلال على زيادة افرادها إذ وصل في نيسان 1920 إلى (4800) مجند ، بعد ان كان عددهم في نهاية 1916 م ( 500) مجند.
ج.المعارف:وقد انتدب لادارتها ناظر المعارف المصرية البريطاني الميجر همفري يومان Himfree Buman .( فقام بتنظيمها على هيأة أدارة مركزية تألفت من مقر عام( نظارةالمعارف العمومية) وعدد من الدوائر التنفيذية ، تألف المقر العام من مكتب ناظر المعارف ، وقسم التفتيش (تألف من معاون المدير البريطاني المستر سمرفيل وثلاثة مفتشين عراقيين وهم يوسف عز الدين مفتش معارف منطقة بغداد وسليم حسون، ومفتش معارف المنطقة الشمالية ، وعبد الرزاق ابراهيم مفتش المركز العام ببغداد) وقسم القلم العربي،ويضم عددا من الكتاب والمترجمين وتولى الأعمال الكتابية الروتينية لنظارة المعارف .
 اما الدوائرالتنفيذية فتألفت من ثلاث مديريات معارف وهي:
1.مديرية معارف المنطقة الشمالية ومقرها الموصل وتشرف على مناطق الموصل وكركوك واربيل والسليمانية.
2.مديرية معارف المنطقة الوسطى ومقرها بغداد وتشرف على مناطق بغداد والدليم وبعقوبة وكربلاء والنجف والديوانية والحلة.
3.مديرية معارف المنطقة الجنوبية ومقرها والبصرة وتشرف على مناطق البصرة والقرنة والعمارة والناصرية والكوت وفي أواخر سنة 1920 استحداث مديريتين اخريتين وهما:
أ.مديرية معارف المنطقة الشرقية ومقرها كركوك وتشرف على مناطق كركوك والسليمانية وأربيل.
ب.مديرية معارف المنطقة الغربية ومقرها الديوانية وتشرف على مناطق الديوانية وكربلاء والنجف والحلة بعد فصلهم عن بغداد والسماوة.
واشتملت اجراءات بومان التظيمية على جعل اللغة العربية لغة التعليم الرسمية بدلا من التركية، وقسم مراحل الدراسة على ثلاثة اقسام ، الدراسة الاولية ومدتها سنتان، والدراسة الابتدائية ومدتها اربع سنوات، والدراسة الثانوية ومدتها أربع سنوات. وحدد عمر المتقدم للقبول في المدارس الابتدائية بان لايقل عن ست سنوات ولايزيد عن ثلاث عشر سنة،واشتراط على المقبولين دفع أجور دراسية مقدارها روبية واحدة شهريا باستثناء الفقراء الذين عليهم ان يقدموا شهادات تثبت فقرهم. كما وضع منهج التدريسات للمرحلتين الاولية والابتدائية ، وجداول حصص الدروس الاسبوعية.
وعلى الرغم من أهمية التنظيمات التي وضعها بومان في مسار تطور التعليم في العراق ، فانه كأي موظف أخر في الدائرة السياسية كان عليه أن يلتزم بخطط ومقرارات رؤساءه بخصوص تركيز الاهتمام بالتعليم الابتدائي دون الثانوي، لتجنب مشكلة بطالة الخريجين على حد زعمه، وإذا كان ولابد من ذلك، فيجب حصره في عدد محدود من الطلاب وخاصة الذين يستطيعون الافادة منه.
2.سكرتارية الواردات، تولت تحديد واستيفاء الضرائب والرسوم، والاشراف على مديريات الطابو والزراعة والبلديات. وأشتملت علىدائرة مركزية ودوائر تنفيذية تألفت الدائرة المركزية من مكتب سكرتير الدائرة العقيد هاول”howell” وأقسام الحسابات ، والتدقيق والخزينة، أما الدوائر التنفيذية فتألفت من مديريات مال المناطق ومأموريات مال المقاطعات. أما النواحي فلم تتوفر معلومات تفيد بوجود ادارات مالية فيها، وغالبا ما كان يكلف مديريها بجباية الاموال الحكومية مقابل حصة من الأموال المجباة تصل الى حد 10% ، او باضافة مبلغ مقطوع الى راتبه الشهري ومقداره 140 روبية، أي ما يعادل 10 أسترليني .
شكلت الضرائب والرسوم مصدرين رئيسين للايرادات في سنوات الاحتلال ابريطاني المباشر وقد وفرت مبالغ خيالية وصلت في سنة 1919/1920 الى (510، 536، 49 روبيـة) ، ويعـادل ضعـفي ماجمعه العثمانيون في سنة 1911/ 1912 والبالغ
(000، 657، 20 روبية) وقد عللت سلطة الاحتلال البريطانية اسباب هذه الزيادة الى التوسع الطبيعي في الاستزراع . بينما يشير الواقع الزراعي الى أن الزراعة في العراق كانت تعاني من تدهورحاد طيلة سنوات الاحتلال المباشر. وهذا يعني أن الزيادة ناجمة عن اسباب اخرى كاستحداث ضرائب ورسوم جديدة ومضاعفة الضرائب والرسوم المفروضة في العهد العثماني، وامتداد الجباية الى المناطق النائية (العشائرية) التي كانت تتهرب في السابق من دفع الضرائب. واستخدام العقوبات المعنوية والجسدية بحق المتهربين من الدفع . فضلاً عن الكفاءة الادارية والمقدرة على الاشراف المالي.
وأشتملت مسؤولية سكرتارية الواردات على الاشراف على الدوائر الاتية:-

ا.دائرة الزراعة: أسست في تموز 1918 ، على شكل وحدة عسكرية . لمتابعة مشروع الأستثمار الزراعي في الفرات الاوسط والاشراف وعلى محطات البحوث الحقلية للحبوب والقطن. وبعد انتهاء العمليات العسكرية للحرب العالمية الاولى حولت الى أدارة مدنية، وفي أذار 1919 وضعت تحت اشراف سكرتير الواردات  .
ب.دائرة الطابو ، أسست مديرية الطابو العامة " في أواخر سنة 1919، بمقتضى برنامج توحيد الدوائر مركزيا، للاشراف "على مديريات الطابو ومأمورياته في المناطق والمقاطعات، وقد عهد بادراتها الى البريطاني المستر "ج.ف.رويدز G.F.Royds" وكان يساعده في مهامه معاون ومفتشان عراقيان.
وقد ضمت الدائرة فضلا عن هؤلاء المذكورين من مئة وخمسين موظفا جميعهم من العراقيين ماعدا أثنين من الهنود، موزعين على مديرية العامة وفروعها، وبواقع مدير ومهندس ومساح وعدد من الكتاب لكل فرع. وكان الجميع يعمل بموجب توجيهات سكرتير الواردات التي تضمنها بيانه رقم ( 15) في 18 / كانون اول/ 1918 ، واشار فيه الى عدم خلق حقوق تصرفيه جديدة لبعض الناس ، وانما ينبغي أن يتركز العمل على اقرار وتثبيت الحقوق القديمة ، بعد أن يدفع هولاء بما في ذمتهم من ضرائب لان الارض التي في حوزتهم تعد من حيث المبدا موجرة لهم. وفي بيان تسجيل البيوع رقم ( 28) في 5 حزيران 1919 أقرت السلطة المحتلة رسميا عدم تسجيل اية أرض لايمتلك صاحبها سند طابو عثماني. وهذا يعني تكريس سيطرة شيوخ القبائل والملاكين على الاراضي الزراعية، وتعميق معاناة الفلاحين الذين يشكلون السواد الاعظم من الشعب العراقي.
2. السكرتارية المالية: وكانت تتولى اعداد الموازنة السنوية، وصرف المستحقات المقررة للدوائر، والاشراف على العملة والكمارك والتجارة والبريد والبرق وصحف الحكومة ومطابعها ، وأشتملت على أدارة مركزية ودوائر تنفيذية ، تألفت الادارة المركزية من مكتب سكرتير الدائرة العقيد سليتر Slater ، وشعب المحاسبات العمومية والتدقيق والخزينة، أما الدوائر التنفيذية ، فتألفت من مديريات صرف المناطق واشتملت على مدير ونائب مدير ومحاسب وعدد من الكتاب ، أما الصرف في المقاطعات ( الاقضية) فكان يتولاه الحاكم السياسيون ومساعدوهم.
 
ومن مسؤوليات السكرتارية المالية الاشراف على:
ا.دائرة التجارة والصناعة: اسست هذه الدائر في 1919 ، وفي الاول من نيسان 1920، عين مدير الكمارك المستر "واتكينزWatkinze " سكرتيرا لها فضلا عن وظيفته الاصلية ،وكانت تضم مديريات الكمارك والبريد والبرق والمخازن المدنية والنقليات ومطبعة الحكومة، أما مديرية الكمارك فقد تاسست في 1919 في اطار برنامج العمل بالادارات الموحدة للاشراف على مديريات كمرك بغداد والبصرة والموصل والمأموريات التابعة لها في المناطق المهمة والمنافذ الحدودية.
أما مديرية البريد والبرق ، فقد كانت على شكل دائرتين مستقليتين عن بعضهما يعملان تحت اشراف دائرة الاشغال العسكرية لجيش الاحتلال البريطاني ، وفي الاول من نيسان 1919 وضعتا تحت أشراف دائرة التجارة والصناعة وثم دمجتا بدائرة واحدة هي مديرية البريد والبرق " للاشراف مركزيا على مديريات بريد وبرق بغداد والبصرة والموصل ومأمورياتهم" المنتشرة في اغلب الاماكن المهمة ، وكان يتولى ادارتها جهاز اداري مؤلف من العقيد غمبليGhamply ، الف وثلاثمئة وتسعة موظف ومستخدم بينهم (36) موظفا من الدرجة الاولى (33 بريطانيا، و3 عراقيين) اما باقي الموظفين فهم من موظفي الدرجة الثانية ويبلغ عددهم ( 1389 بريطانيا او (868) هنديا، ( 303) عراقي.
وتعد دائرة المخازن المدنية احداهم تشكيلات دائرة التجارة والصناعة، وهي متخصصة بأستيراد التجهيزات التي تحتاجها الدوائر الحكومية، كما خولت صلاحية تزويد القطاع الخاص باحتياجاته بكونها جهة تجارية وأن كانت تحمل صفة رسمية.
وكانت دائرة النقليات، أحدى تشكيلات دائرة التجارة والصناعة ، وتولت تهيات السيارات والزوارق التجارية للاستعمالات الرسمية ، مقابل تحملها نفقات الاضرار كافة التي تصيبها نتيجة لهذا الاستخدام.
ونظرا لحاجة السلطة المحتلة لطبع البيانات والنشرات الحكومية والصحف للترويج لسياستها اقدمت عند أحتلالها لبصرة على وضع يدها على مطبعة الولاية العثمانية، ومطبعتين اهليتين ، تعود احداهما لعبد الوهاب افندي الطباطبائي والاخرى ليوسف افندي ذياب، وسخرت هذه المطابع لاغراضها الخاصة، سيما في اصدار جريدة الاوقات البصرية (بصرة تايمس) الناطقة باسم سلطة الاحتلال، وتكرر الشي نفسه عند احتلال بغداد ، اذا أستولت هذه السلطة على مطبعتها العثمانية ، وسخرتها لاغراضها الخاصة وسمحت لاصحاب الصحف الموالية لها كالعرب والشرق والعراق بطبع صحفهم في هذه المطبعة. كما أسست السلطة المحتلة مطابع اخرى في كل من النجف والسليمانية وكركوك والموصل.
4.السكرتارية القضائية: تولت أمور التشريع ومتابعة أعمال المحاكم وشؤون موظفيها فضلا عن اشرافها على الاوقاف ومدرسة الحقوق.
وقد تألفت من مكتب السكرتير العدلي السير أيدغار بونهام كارتر ، وشعب المحاكم، ومجلس التمييز الشرعي والتفتيش والادعاء العام والكاتب العدل.
لقد بأشرت السكرتارية القضائية مسؤوليتها العدلية كدائرة مركزية في الاول من كانون ثاني 1919 ، وذلك بموجب بيان قائد الجيش المحتل (وليم رين مارشال ) رقم (16) في 24 كانون اول 1918 ، بموجبه الغى العمل بقانون المناطق المحتلة لعام 1915 والمطبق على ولاية البصرة العثمانية حصر ، وعممت عليها القوانين السارية على ولاية بغداد. وشمل هذا السريان الموصل بعد دمجها بالادارة الموحدة في أيلول 1919 .
لقد شهدت المؤسسات القضائية وقوانينها تحولات مهمة خلال هذه الفترة إذ تم تأسيس مجلس التمييز الشرعي ، ولذلك بموجب نظام المحاكم الشرعية الصادر في 21 أيلول 1918 ، وتألفت من رئيس وعضوين ، أو أكثر، وتولى تمييز القرارات الصادرة من المحاكم الشرعية بداء من الاول من كانون الثالني 1916. وزيدت محاكم الصلح من واحدة في بغداد الى اخريات في كل من البصرة والموصل وكركوك والعمارة وخانقين، وخول قضاة الشرع بتولي مهام حكام صلح في المناطق التي ولم تؤسس فيها محاكم صلح ، أما المناطق التي لاتوجد فيها محاكم حول حكامهما السياسيون صلاحية حكام صلح . كما أسست خمس محاكم بداءة في كل من بغداد والحلة وبعقوبة والموصل والبصرة، ومحكمة أستئناف واحدة في بغداد لتمييز قرارات محاكم الصلح والبداءة الوارد اليها من انحاء العراق كافة.
أما القوانين فقد تم الغاء قانوني الجزاء العثماني الصادر في 1879 المحاكمات الجزائية العثمانية الصادر في 1880 ، وأحلال محلهما قنوني أصول المحاكمات البغدادي، والعقوبات البدادي، أعتباراً من الاول من كانون الثاني 1919.
ومن مسؤوليات السكرتارية القضائية الاشراف على:
أ.مديرية الاوقاف العامة:أعادت سلطة الاحتلال البريطانية العمل بدائرتي أوقاف البصرة وبغداد العثمانيين باشراف أدارة الواردات في الولايتين ، وقد اقتضى توحيد ادارتي الولايتين في 1918 تأسيس أدارة مركزية للاوقاف سميت ب" مديرية الاوقاف العامة" للاشراف على لاعمال مديريات الاوقاف ومأمورياته الموجودة في بعض مناطق العراق ومقاطعاته قد تألفت من البريطاني المستر "ار.اس.كوك R.S.Cook" مديراً والشيخ أحمد الدواد مدير اوقاف بغداد نائبا ، وقسم أداري واخر علمي وكان الاخير يتألف من عدد من الوجهاء ورجال الذين البارزين لتدقيق جميع الشؤون المتعلقة بالانظمة والتعليمات الدينية .
وقد بلغ عدد موظفيهافي اب 1920 ( 13) موظفا بضمنهم المدير البريطاني.
ب .كلية الحقوق: تاسست هذه الكلية في عام7 1908 واضطرت الى اغلاق ابوابها عند نشوب الحرب العالمية الاولى، ثم اعيد فتحها في تشرين الثاني 1919 لرفد الاجهزة القضائية بالموظفين الاكفاء، وكانت بأدارة البريطاني بيلBill.
5.السكرتارية الصحية: باشرت اعمالها في الاول من شباط 1919 ، بدلا من مديرية الخدمات الطبية العسكرية السابقة، وقد تولت أدارتها هيأة أدارية مولفة من رئيس القسم الاداري لمديرية الخدمات الطبية العسكرية المنحلة العقيد "باتي Pattay" رئيسا وعضوية ستة بريطانيين ، ثلاثة اطباء وهم كل من الميجر بيشوب والكابتنيين بيوست وسندرسن ، وثلاثة موظفين وهم كل من غراس وكولينغ ورود غريس .
واشتملت السكرتارية على دائرة مركزية وعدد من الدوائر الملحقة تألفت الدائرة المركزية من مكتب السكرتير ، ودوائر الوقاية الصحية ومعهد معالجة العيون ، ومعهد التحليل المركزي، ومعهد معالجة داء الكلب ومعهد اشعة رتنجن، أما دوائرها الملحقة فهي كل من دائرة صحة بلدية بغداد ، ودائرة صحة بلدية الموصل ، ودائرة صحة بلدية البصرة، ودائرة صحة الميناء ودائرة الحجر الصحي،ودائرة صحة السجون، ومعهدي الباثولوجي؟ في البصرة والتلقيح في العمارة، كما كان لدى السكرتارية ( 28) مستشفى و(51) مستوصفا واكثر من الف منتسب بينهم ( 65) طبيبا ( 40بريطانيا و25 عراقيا) و(270) مساعد طبيب هنديا و(24) ممرضة بريطانية و(769) مستخدماً عراقيا .
ويعد نظام ممارس مهنة الطب ، من أهم القوانيين والانظمة التي أصدرتها سلطة الاحتلال في ميدان الادارة الصحية في تلك الفترة، وبموجبه تم تخويل سكرتير الصحة منح أجازات ممارسة مهنة الطب، بشرط أن يكون المتقدم حاصلا على شهادة طبية معترف بها .
6.سكرتارية الاشغال: تولى رئاستها العميد المهندس"تي. هـ.اتكنسون "T.H.Atikinson وهي في الاصل مديرية الاشغال العسكرية وكانت تقوم بتنفيذ أعمال البناء والانشاءات الخاصة بالجيش ودائرتي ميناء البصرة، ومديرية سكك الحديد وقد غدت احدى السكرتاريات الخمس التي تتكون منها الادارة المدنية بعد أن تخلى عنها الجيش لصالح الادارة المذكورة، وفي اواسط 1919 الحقت بها دائرة الري بعد أن فك أرتباطها من دائرة الواردات ، وهذايعني ان الطرق والجسور التي تتولاها دائرة الري اصبحت جزء من اختصاص هذه السكرتارية . وعليه أعيد هيكلة السكرتارية، اذ اصبحت تتألف من ثلاثة أقسام اختصاصية وهي كل من البناء والانشاءات ، والطرق والجسور، والكهرباء والميكانيك.
وقد تم أعادة تقسيم المناطق الست عشرة، بغداد والبصرة والموصل والقرنة والعمارة والديوانيةوالمنتفك والشامية والحلة والكوت وخانقين وبعقوبة وسامراء والدليم ودير والزور وكركوك والتي اقتضت الضرورات الادارية والعسكرية بين عامي 1914-1918، الى اقامتها الى ثلاث عشرة منطقة إذ تم فصل دير الزور عن العراق والحاقها بسوريا، كما الغيت درجة كل من القرنة والكوت والشامية وخانقين وسامراء وعدها مقاطعات (اقضية) تابعة الى البصرة والديوانية وبعقوبة وبغداد على التوالي .واستحدثت ثلاث مناطق وهي كل من كربلاء بعد فصلها عن الحلة، واربيل والسليمانية بعد فصلهما عن كركوك. وتشير التقسيمات المذكورة الى عودة تدريجية بالوحدات الاداريةالى ما كانت عليه في العهد العثماني.
وقد أعادت سلطة الاحتلال البريطانية ايضا العمل بالمجالس البلدية. والاستشارية. العثمانية ، كأحدى وسائل تكريس السيطرة الاستعمارية وقطع الطريق امام المداولات الجارية في الاوساط السياسية البريطانية حول أقامة حكومة محلية في العراق خلافا لسياسة حكومة الهند الرامية الى جعل العراق جزءاً من الهند ، فضلا عن تضليل الراي العام العراقي بافهامه بان هذه المجالس ضرورية لتمرين ابناء البلد على اساليب الادارة الحديثة تمهيدا لاستقلالهم وادارة شؤونهم بانفسهم.
عن رسالة (النظام الاداري في العراق (1920 - 1939)