مواقع عراقية.. خان النص.. تاريخ وتراث

مواقع عراقية.. خان النص.. تاريخ وتراث

تاريخه يعود الى العام 1774 وهو تحفة تراثية جميلة. انه «خان النص» الذي شهد انتفاضة أبو كلل، وذاكرة أهالي الحيدرية، فضلاً عن أنه نقطة تجمع وشروع للمواكب الحسينية

مصطلح الخان:
الخان هو حانوت أو محل نزول المسافرين، وقال في المنجد (الخان) كلمة دخيلة أعجمية أدخلت في كلام العرب والجمع خانات(4) أما ابن منظور فيقول يعني بكلمة الخان الحانوت أو صاحب الحانوت وهو أي الخان فارسي معرّب(5) وبالرغم من أعجمية كلمة الخان إلا أن لها تاريخ موغل في القدم في استعمالات العرب وعند تصفحنا لبعض الكتب نجد أنها وردت في كتاب الطبري وغيره من مؤرخي تلك الفترات ولعل استعمالها أبعد من ذلك بكثير إذ أن الطبري يوردها دون تفسير لمعناها، وهذا يدل على أن المتلقي يعرف بديهياً معنى الخان دونما تعريف لهذه الكلمة، وحتى عند الإنكليز(Inn) وهو يعني الفندق أو المنزل الذي يأوي إليه المسافرون.
انتشار الخانات:
بما أن الخان كان يعد بمثابة الفندق اليوم، فقد ازدحمت المدن بالخانات التي تأوي المسافرين وتوفر لهم وسائل الراحة وخصوصاً في الحواضر الإسلامية فضلاً عن انتشارها في الطرق المؤدية إلى هذه الحواضر وغيرها من المدن الإسلامية.
هناك رأيان فيما يخص الطريق بين كربلاء والنجف:
الرأي الأول: أن الخانات المنتشرة والتي أشرنا إليها آنفاً هي مرتبة وفق حاجة المسافرين بصورة عامة دونما الأخذ بنظر الاعتبار اختصاصها بزائري المدينتين المقدستين دون غيرهما، وعليه فالزائر يأوي إليها أي الخانات مثلها مثل الفنادق اليوم التي ينزل بها الزائر، وهكذا حتى الوصول إلى النجف أو كربلاء.
الرأي الثاني: يقول إن هناك سلسلة من الخانات الموقوفة خاصة لزوار العتبات المقدسة ففي صحيفة (الأهالي) نشر بحث (خان النص) وفيه يقول الكاتب (وجدت أن هناك 99 خان تمتد من طهران إلى النجف ثم خانات ثلاث تتصل بكربلاء) على أنني شاهدت وفي الطريق إلى خراسان، حيث هناك خبر يقول إن الخانات ممتدة من مدينة البصرة مروراً بالديوانية ووصولاً إلى النجف ثم كربلاء، وإلى الإسكندرية ثم بغداد إلى خان بني سعد، ومنه باتجاه الأراضي الإيرانية، وما يؤكد هذا الخبر كثرة الزوار الإيرانيين الذين يقصدون العتبات المقدسة في العراق والذين لابد لهم من مأوى، الذي يستريحون فيه من عناء الطريق استعداداً لرحلة جديدة، تواصل الدرب باتجاه كربلاء الحسين(ع).
طريق النجف ـ كربلاء:
لم يشهد طريق حدثنا به التاريخ حركة مستمرة مثلما شهده طريق النجف ـ كربلاء الذي ازدحم بالزائرين، فهم يتنقلون بين وادي السلام حيث حامي الحمى وصي المصطفى7، ووادي الطفوف، كربلاء الشهادة والبطولة والتضحية عموماً فقد كان استخدام هذا الطريق يتم بواسطتين:
أولهما: الدواب (قبل ظهور وسائل النقل السريعة).
ثانيهما: المشي على الأقدام، وكان لهذا الاستخدام وقعاً خاصاً بالنفوس حتى أصبحت هذه الحالة من مراسم زيارة الأربعين والتي من خلالها تزحف الناس نحو كربلاء المقدسة، كما أن المشي على الأقدام له من الفضل ما لم يتمتع به غيره، فعن الحسين بن ثوير بن أبي فاختة قال: قال أبو عبد الله الصادق(ع): (يا حسين من خرج من منزله يريد زيارة قبر الحسين بن علي عليه السلام، إن كان ماشياً كتب الله له بكل خطوة حسنة ومحا عنه سيئة، حتى إذا صار في الحائر كتبه الله من المفلحين المنجحين، حتى إذا قضى مناسكه كتبه الله من الفائزين، حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال: إن رسول الله(ص) يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غُفر لك ما مضى).
وبناءً على هذا الحديث كان علماؤنا الأعلام ولازالوا يحثون شيعة آل محمد على التمسك بالمشي على الأقدام، ففي كتاب (قصص وخواطر ص:257) ينقل الشيخ المهتدي أن آية الله العظمى السيد محمد مهدي بحر العلوم المتوفى سنة 1312هـ كان قد سافر من النجف إلى كربلاء مشياً على الأقدام وكان معه جمع من الأدباء والعلماء، فلما وصلوا إلى أحد منازل الطريق استراحوا ساعة من التعب، ثم أرادوا مواصلة المسير لضيق وقت الزيارة فلم يتمكن السيد بحر العلوم من مواصلة الدرب لضعفه ونحافة جسمه، فتمثل ببيت الشعر:
صار لي من فرط ضعفي وطن في كل وادي
ودموعي صيرت لـي بقعة في كل نادي
كذلك فقد حثّ الشيخ النوري صاحب (مستدرك الوسائل) على زيارة سيد الشهداء(ع) مشياً على الأقدام، ففي سنة 1319هـ كان يكتري بعض الدواب لحمل الأثقال والأمتعة، ويمشي هو وصحبه لكنه لضعف مزاجه لا يستطيع قطع المسافة من النجف إلى كربلاء بمبيت ليلة كما هو المرسوم عند أهله، بل يقضي ثلاث يبيت الأولى في خان المصلى، والثانية في خان النصف، والثالثة في خان النخيلة فيصل إلى كربلاء في الرابعة، وكان هذا الأمر من سنن الأخيار وأعظم الشعائر.
عموماً يمكن القول (إن السفر إلى كربلاء من النجف يستغرق ثلاث ليال سواءً كان مشياً على الأقدام أو ركوب العربات التي تجرها الخيول أو امتطاء الحيوانات).
كما كانت العادة المتبعة عند مجيء شخصية مرموقة من كربلاء إلى النجف خروج أهالي المدينة لاستقبالها، وكان يتقدمهم العلماء والأعيان، فيكون أحد الخانات الثلاث مركزاً للاستقبال، وهذا الأمر ينطبق عند تشييع جثمان عالم من العلماء، حيث تستقبله الناس في خان من الخانات، كما شهد هذا الطريق أحداثاً دامية، ففي شهر صفر من عام 1397هـ أعلنت الحكومة آنذاك منع المسير إلى كربلاء لحجج واهية، وكان هدفها الرئيس هو القضاء على هذه الشعيرة التي تضفي على نفوس الجماهير الحماس والاستمرار على نهج الحسين(ع)، ولم يثن هذا الأمر عزم الموالين بل خرجوا من النجف وهم متسلحون بحب الحسين(ع) وساروا في هذا الطريق يرددون هتافات الحب الأبدي، والعهد الأزلي معه(ع): (لو قطعوا أرجلنا واليدين، نأتيك زحفاً سيدي يا حسين)، (أبد والله ما ننسى حسيناه).
وهكذا سارت المسيرة السلمية وانقضت ليلتها الأولى في خان المصلى، ثم واصلت الدرب صباحاً وكان خان النصف محطتهم الثانية، وفيه علموا أن الحكومة سوف لن تمرر هذا التحدي بسلام، بل ستقتص منهم، وهكذا واصلوا المسير. وفي خان النخيلة واجهتهم القوات المسلحة بذخائرها وطائراتها وكأنها تواجه جيشاً عرمرماً متناسية أنهم فئات متنوعة من الشعب بين الشاب والشيخ والطفل، نساءً ورجالاً، فاحتدمت المواجهة، ومع ذلك فقد سجّل الأحرار العزّل انتصارات محدودة، وفي نهاية الأمر فقد استطاع الجيش إلقاء القبض على من بقي منهم في حين واصل بعضهم الطريق بين البساتين حتى دخل كربلاء، وقد أعدم على إثرها ثلة من الشهداء السعداء، نذكر منهم: السيد وهاب الطالقاني، محمد البلاغي، جاسم الإيرواني، نجاح المشهدي، غازي خوير، عباس عجينة، صاحب أبو كلل... وغيرهم. فسلام عليهم يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثوا أحياءً.
ولما حاز هذا الطريق مثل هذه الحركة النشيطة والفضل الجسيم فقد استقرت الفكرة على بناء منازل فيه وكما ذكرنا، وتشير الدراسات التاريخية إلى أن أول الخانات كان يدعى بـ(خان جذعان)، وهو يقع إلى الشرق من خان المُصلى على يسار الذاهب من النجف إلى كربلاء، ذكره الرحالة (الواموسيل) عام 1912م وأشار إليه بقوله: (تقع في شرق خان المُصلى قلعة درويش، وهو موقع غير بعيد عن خان جذعان وتليل الذيب).
 والظاهر أن خان جذعان كان وحده بين المدينتين، (عندما بنيت الخانات الثلاثة هُجر، وقد زحفت إليه رمال الصحراء فصار رابية).
وجذعان هو عبد مملوك لأمير هندي يدعى (الراجا) كان قد بعثه في تجارة له في العراق و(الراجا) هذا معروف بولائه لآل البيت(ع) كما أن عبده جذعان أيضاً من الموالين وعندما حصل جذعان على مبلغ ضخم من تجارته زار كربلاء ثم النجف، ولما رأى بُعد الطريق وحاجة المسافر للراحة، فكر ملياً في الأمر وعزم على بناء خان أثناء الطريق وكان له ما أراد، ثم بنى في صحن الإمام الحسين(ع) منارة مشهورة تدعى (منارة العبد) والتي اندرست معالمها هي الأخرى. وقد أثبتنا صورتها في مجلتنا في العدد الرابع على الغلاف الخلفي.
 تاريخ الخانات وواقع اليوم:
اختلفت الآراء حول إنشاء هذه الخانات، وإن أردنا التوغل فيها والوقوف على واقعها فلابد من معرفة كل خان على حدة، وعليه فسوف نبدأ بخان المُصلى (الربع).
خان المُصلى (الربع):
يبعد (خان المُصلى) عن مركز مدينة النجف الأشرف بمسافة اثني عشر ميلاً، حسب تحديد الرحالة (ليدي دراور)كما حدده الطريحي بقوله: (خان المُصلى الذي يبعد عن النجف عشرين كيلومتراً)، ويقع على يمين الذاهب من النجف إلى كربلاء أما تاريخ بنائه ففيه أقوال، فقد أشار الدكتور حسن الحكيم بقوله: (وقد تولى بناءه الحاج حسن بن الحاج أحمد مرزه المتوفى عام (1305هـ/ 1888م)، وكان بدء البناء عام (1304هـ) أي قبل وفاته بعام واحد، وقد خصص ثلث أمواله لبناء الخان، فقد بلغت تكاليفه (اثنتا عشر ألف ليرة ذهبية) عدا ثمن الأرض المحيطة بالخان على أساس تحويلها إلى مزارع لتأمين حاجة الساكنين هناك، وإطعام المسافرين من خضارها).
أما الطريحي فيقول (خان المُصلى) بناه الحاج محمد حسين خان الأصفهاني ثم جدد بناءه الحاج حسن مرزه، والحاج محمد حسين كان مقرّباً من ملوك القاجارية في إيران بل كان يشغل الصدارة لفتح علي شاه، ومن جملة أعماله إتمام بناء السور الخامس الذي يحيط بمدينة النجف القديمة، فقد جعله على هيئة أسد رابض (يطوق المدينة)(13) وفاتنا أن نشير إلى أن الحاج محمد حسين خان الأصفهاني توفي سنة (1239هـ /1824م).
وهناك رأي آخر:
في سنة (1258هـ) سار والي بغداد آنذاك (نجيب باشا) إلى النجف، وبعد أن أوقع بأهل كربلاء بلغه تمرد أهل النجف أيضاً فسار إليهم فلما كان على فراسخ منها، حط رحله وصلى، وفي هذا الموضع بنى خان وعرف بـ(خان المُصلى) حتى اليوم، وتمت بعد ذلك المصالحة بينه وبين أهل النجف.
وفي الواقع أن خان المُصلى كان مكوناً من مجموعة خانات وبيوت متداخلة حيث يذكر تقرير عسكري أعدته رئاسة الأركان البريطانية في سنة (1329هـ/1911م): (…أما منزل خان المُصلى فكانت فيه ثلاثة خانات وستة مقاهي دون بيوت.
عن مجلة العاملون في النفط 1961