عندما اصبح حسين جميل وزيرا للعدل سنة 1949

عندما اصبح حسين جميل وزيرا للعدل سنة 1949

بشرى سكر الساعدي
رغم تجميد الحزب الوطني الديمقراطي في تشرين الثاني عام 1948، استمرَّت صحيفة الحزب الأهالي في الصدور، كما بقيت قيادة الحزب تدير الأمور المستعجلة التــي تطرأ على التنظيم، وحاول قادة الحزب بعد التجميد أن يرموا بثـقلهم في المعارضة البرلمانية،

 التي برزت إلى الوجود فيما سمّي بـ (الكتلة البرلمانية المعارضة) المكّونة من بعض المستقلِّين من ذوي الاتجاه الوطني، لذا نسَّق ممثلو الحزب في المجلس النيابي مع الكتلة المذكورة، ولاسيّما حسين جميل ومحمد حديد بغية تصعيد المعارضة الوطنية في المجلس أولاً، والوقوف ثانياً في مواجهة فكرة نوري السعيد الرامية إلى تكتيل بعض الاحزاب الموجودة آنذاك في جبهة وفقاً لميثاق وضعه باسم (ميثاق الدستوريين)، الذي حاول به شقّ الحركة الوطنية، حينما اتصل ببعض الاحزاب دون الاخرى. كما أَخذت صحيفة الأهالي تنشـر كلمات أعضاء الكتلة المعارضة وانتقاداتهم، ومنها كلمة حسين جميل التي قال فيها:"من رأى منكم منكراً فليغيره"، داعياً فيها أبناء الشعب إلى أن يتكاتفوا بجميع فئاتهم، لأجل المطـالبة بإحداث تغييرات في أوضاع العراق، التي وصلت ذروتها في التدهور في جميع المجالات، وانتقد فيها موقف الحكومة لتدخلها في تزوير الانتخابات وتزييفها، وحرمان الشعب من ممارسة أبسط حقوقه الدستورية، كما تطرق إلى عجز الحكومة في الجانب السياسي، حيث التبعية للسياسية البريطانية، وذكر قضية فلسطين وطالب بأن يتخذ العرب والجامعة العربية موقفاً موحداً اتجاهها، كما تحدث عن الأحكام العرفية مطالباً الحكومة بإلغائها.
كما اشترك حسين جميل مع وفد من النواب يمثلون المعارضة، لمقابلة مزاحم الباجةجي رئيس الوزراء آنذاك لعرض مطاليب الشعب الداعية إلى استئناف القتال في فلسطين، ونجدة الجيش المصري، والسعي لوحدة البلاد العربية لانقاذ فلسطين وصيانة الجامعة العربية، كما طالبوا بضمان الحريات الدستورية، وفسح المجال لحرية التعبير، وعدم استعمال العنف تجاه المتظاهرين. بيد أنّ الوزارة المذكورة لم تستجب لتلك المطالب، ثم آل الأمر إلى استقالتها، وقيام وزارة جديدة ترأسها نوري السعيد.
وازاء تصاعد الانتقادات وتدهور الوضع من سيء إلى أسوأ، بعد مرحلة من القمع طال أمدها، لجأت الحكومة إلى الأساليب التي اعتاد البلاط والفئة الحاكمة في العراق ممارستها، وهي تغيير الوزارة، ولاسيّما عندما تتطلب السياسة العراقية مرونة في العمل، أو عندما يبلغ الاسيتاء الشعبي حدًّ لا يطاق، فرأى البلاط أنّ من المصلحة العامة تأليف حكومة جديدة، فأسند تأليفها إلى علي جودت الأيوبي، الذي يتمتع بسمعة طيبة في الأوساط السياسية، وأَعلن الأيوبي فور تكليفه بأنّ هدف وزارته هو السعي لتحقيق الأهداف التي تصبوا اليها البلاد العربية، وخدمتها خدمة حقيقية، وأعلن أنّه لايمكن القيام بتلك المهمة إلاَّ بمؤازرة الشعب عامة، ولكي يضفي الأيوبي الصفة الوطنية والشرعية على ما ستقوم به وزارته من أعمال، اتجه نحو الاحزاب السياسية لإقناعها بالمشاركة فيها، وبدأ بالاتصال ببعض السياسيين للدخـول في وزارته، ومنهم قادة الحزب الوطني الديمقراطي المجمّد: كامل الجادرجي ومحمد حديد وحسين جميل، وعرض عليهم فكرة المشاركة في حكومة. وبعد مشاورات فيما بينهم وافقوا على المشاركة في الوزارة بشروط، منها إلغاء الإحكام العرفية، وتأليف محكمة من قضاة لإعادة النظر في المحكومين من أعضاء الأحزاب السياسية من قبل المجالس العرفية، وإعفاء من تثبت براءته، وسنّ قانون لمحاكمة الوزراء والموظفين على اختلاف درجاتهم، ومعاقبة الأشخاص الذين يعتدون على الحريات الشخصية والسياسية والدستورية، وإعادة النظر في القوانين والأنظمة التي تخالف الدستور وإلغاؤها، كما اشترط حسين جميل أن تطلق يد الوزيـر في الشؤون الادارية. وعلى الرغم من اتخاذ الحزب الوطني الديمقراطي المجمّد قراراً نهائياً بعدم المشاركة في الوزارة، إلاَّ أنّ حسين جميل فضّل المشاركة في عضويتها، مبِّرراً ذلك بأنّ مشاركته تأتي بصفته الشخصية، بحكم أنّ حزبه متوقف عن النشاط بسبب تجميده إِبَّانَ وزارة مزاحم الباجةجي، وبذلك أَصبح حسين جميل وزيراً للعدلية في وزارة الأيوبي، التي شكّلت في 11 كانون الأول عام 1949، على الرغم من الاستياء العام الذي أَبداه قادة الحزب الوطني الديمقراطي الآخرون لهذه المشاركة، ولاسيّما رئيسه كامل الجادرجي. وقد شكر حسين جميل جميع الذين تقدموا لتهنئته، داعياً الله أن يوفقه وإيّاهم لخدمة البلاد. وأوضح أنّه سوف يعمل على تحقيق آرائه بكلّ جدارة.
قامت وزارة الأيوبي بإلغاء الأحكام العرفية، بدفع من حسين جميل الذي اقتراح إلغاء هذه الأحكام في أول اجتماع للوزارة، رغم معارضة هذا الاقتراح من قبل عمر نظمي وزير الداخلية، الذي أَصرَّ على إعداد لائحة مرسوم الطوارئ في حالة إلغاء الأحكام العرفية، لتكون جاهزة وقت الحاجة، ولغرض عدم تعميق الخلاف داخل مجلس الوزارة، اقترح حسين جميل إعداد تلك اللائحة. ويبدو أنّ إلغاء الأحكام العرفية كان له الدور في انعاش الحالة الاقتصادية في البلاد، إذ كانت عاملاً في تقييد حركة الاسواق، كمـا إنّ إلغاءها يساعد على فسح المجال لعدد كبير من الاشخاص الذين يودون الحصول على اجازات الاستيراد والمتاجرة، التي تساعد على تشغيل العاطلين وانخفاض أسعار بعض السلع. وأفاد حسين جميل أنّه سوف يعمل على تحقيق ما أبداه من آراء في مجلس النواب حول القضاء وإصلاحه، مبيِّناً أنّ أول ما نشكو منه في وضع القضاء هو عدم استقلاله، ذلك الاستقلال الذي لابدَّ منه ليقوم القضاء بواجباته الخطيرة في حفظ كيان الدولة وحفظ حقوق الرعية، ذلك الاستقلال الذي ينصّ عليه الدستور بمادّته الحادية والسبعين، إلاَّ أنّ الوضع ومع الاسف غير مطابق لأحكام هذه المادة، حسب تعبيره، لوجود نقص في هذا الاستقلال من الناحيتين العملية والقانونية المعمول بها التي تمّس القضاء وكيانه، مؤكِّداً أنّه يجب العمل أولاً على تقوية محكمة التمييز باعتبارها أعلى هيئة قضائية، وهي المرجع الأخير للأحكام، بما لها من صلاحيات وسلطات واسعة، بحيث تستطيع القيام بأعمال التوجيه للمحاكم التي هي أدنى منها درجة، وأن تصحّح أخطاء المحاكم الدنيا، وعليه فإنّ كلَّ إصلاح يجب أن يبدأ منها. كما يجب إلغاء حق مجلس الوزراء بتعيين حكام، ومنع المتصرفين من التدخل في أعمال الحكام ومِن تهديدهم من خلال رفع التقارير ضدهم، وتقييد نقل الحكام إلاَّ لأسباب معينة، ودعا إلى حسن اختيار الحكام والتشدّد في تعيينهم، لأن في سلك المحاكم بعض الحكام الذين لا يستحقّون المراكز التي يشغلونها، لذلك لابدّ من والمجيء بعناصر ذات كفاية.
 وسعى الجميل من خلال منصبه وزيراً للعدلية أن يعيد إلى الشعب ثـقته المفقودة في الحكومة، من خلال السعي لخلق جهاز حكومي ذي كفاية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى جرأة وعزم وهمة واختيار دقيق للاشخاص، وهذا ما عزم عليه منذ الأسبوع الأول لتسلّمه الوزارة، إذ أخذ يعمـل على طرح بعض الأفكار والآراء والمقترحات، التي ترقى بالقضاء نحو المستوى المطلوب، ولاسيّما أنّه يمتلك خبرة في هذا المجال، إذ كان قد تولّى منصب الحاكم والمحامي، وعلى معرفة بما تسّببه بعض العناصر من إساءات للقضاء، لهذا كان عليه أن يقوم بأعمال يذكرها له القضاء العراقي والشعب عامة بإعجاب وثناء. وتمّ ذلك فعلاً من خلال إحالة بعض الحكام والقضاة على التقاعد، لأنّ وجودهم يعرقل تنفيذ الاصلاحات التي يطمح اليها، ومنها إجراء بعض التغييرات التي تساعده على تحقيق الأهداف التي يرجو الوصول إليها، وكذلك تهيئة وزارة العدلية لتعيين كوادر جديدة لِتشغلَ وظائف العدلية الشاغرة. وبما أنّ حسين جميل أَكَّد بالدرجة الأولى، عند تعيينه وزيراً للعدلية، استقلال القضاء العراقي، لأنّه يساعد على فسح المجال للشباب وللقانون المدني وقانون المحاماة والشركات بأن تأخذ دورها في انجاز الاعمال الموكلة إليها، باعتبار استقلال القضاء العراقي دعامة كبرى للنظام الدستوري ولنشر الطمأنينة وتأكيد الحريات، من خلال البدء بأول خطوة وهي بعث روح الاستقلال في نفس الحاكم. واهتمَّ حسين جميل شخصياً بمتابعة تشريع القانون المدني، فاتصل بمقرّر اللجنة الحقوقية في مجلس النواب حسن عبد الرحمن المحامي، وطلب منه الإسراع بانجاز تدقيق القانون المدني، وأعلمه الاخير أنّه ورئيس اللجنة داود السعدي يجتمعان صباحَ ومساءَ لإنجاز المشروع، وانهما يأملان إنجازه في بداية جلسات مجلس الأمة.
كما اهتّم حسين جميل بإنجاز تشريع (قانون المحاماة) الذي اشترك في وضعه محامون معروفون بحرصهم على رفع مستوى هذه المهنة المحترمة. ولاحظ حسين جميل أيضاً أنّ من إسباب البطء في سير المحـاكم والدعاوي الحقوقية، هو التأخر في أصول المرافعات الحقوقية، لذلك أَلَّف لجنة برئاسة رئيس التدوين القانوني انطوان الشماس، وعضوية عبد الجليل برتو نائب رئيس محكمة استئناف بغداد، والمحامي أحمد جعفر الاوقاتي، لتعديل القانون، وتبسيط الإجراءات، وتقصير مدة التحقيق، وضرب مثلاً على تبسيط الاجراءات بإِلغاء الكفالة الاستئنافية، والغاء بعض التبليغات، وتقصير المدة المقتضية للاعتراض والتبليغ والاستئناف والتمييز، كما اقترح تشكيل لجنة اخرى لوضع لائحة قانون الشركات لتحلّ محلّ قانون الشركات الهندية. كما دعا حسين جميل إلى ضرورة تعيين محقّقين في دوائر الشرطة من ذوي الثقافة الحقوقية، على الرَّغم من كون هذا الموضوع من الموضوعات المعروضة للبحث منذ مدة طويلة، إذ تضمَّن هذا الاقتراح ضرورة تعيين خريجي كلية الحقوق في وظائف المحققين، التي يشغلها مفوضـون ورجال الشرطة، وذلك لضمان سير التحقيق بصورة صحيحة وكاملة، وسعى إلى الحصول على الموافقة لتطبيق هذا الاقتراح، باعتباره مشروعاً حيوياً، نظراً لعدم تزويد المحققين العدليين من موظفي الشرطة بثـقافة حقوقية واسعة تساعدهم في عملهم على غرار ما موجود عند وكلاء النيابة في مصر. وفي حديث اذاعي لحسين جميل عن القضاء العراقي، والفصـل بين السلطات، وضَّح ما يشكو منه القضاء من ضعف ومؤثرات بين الحين والآخر، ورغم استقلال القضاء، الذي عَدَّه من المسائل المهمة، إلاَّ أنّ الشكوى في العراق لم تنقطع حول وجود حكّام يعملون أحياناً، وفي ظروف معينة، بأوامر الحكومة، وأمثال هؤلاء الحكام يجب اقصاؤهم لأنّهم ليسوا جديرين باطمئنان الناس إلى قراراتهم.
وسعى حسين جميل إلى تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية، وأَلَّفَ لذلك لجنة خاصة ضمت عدداً من أساتذة كلية الحقوق، وأنجزت هذه اللجنة اللائحة الخاصَّة بتعديل القانون المذكور، وقدّمت إلى وزارة العدلية، فرفعتها الوزارة مع مذكرتين إلى مجلس الـوزراء من أجل الموافقة عليها لتشريعها، وقد تضمَّنت المذكرتانِ أُموراً ايضاحية حول أصول قانون المحاكمات الجزائية المعمول به، التي أثبتت في تطبيقه أنّه قانون تنقصه بعض الفقرات المهمة، لهذا كثرت الشكوى منه، فضلاً عن عدم حدوث أي تغيير عليه منذ مدة طويلة، لهذا رأت اللجنة إدخال بعض التعديلات، إذ منحت اللائحة الجديدة حاكم التحقيق سلطة قبول المصالحة في أيِّ درجة من درجات المحاكم، وفي أيِّ مرحلة من مراحل الدعوى. كما نصَّت اللائحة على تبليغ المتهم بموعد المحاكمة، ليستطيع إعداد دفاعه، وحدَّدت المدة بثلاثة أيام، كما تضمَّنت اللائحة أيضاً فحص المتهم المصاب بعاهة عقلية ووضعه تحت الحراسـة. لذا فإنّ لاعداد هذه اللائحه أهمية في تعديل بعض الفقرات والنصوص والأحكام القانونية نحو الأحسن والأرقى، والاستفادة منها بشكل أوسع وأكمل، وعلى المستوى نفسه استمر حسين جميل باتخـاذ القرارات، ووضع مسودات القوانين ذات الأثر الكبير في أبناء الشعب والمجتمع، ومنها إصدار قانون مراقبة المصارف رقم (1) لسنة 1950، إذ وضع مسودة هذا القانون من قبل وزيرين، هما وزير المالية علي ممتاز، ووزير العدلية حسين جميل، لعرضه على مجلس الأمة لأجل المصادقة عليه، وتضمّن القانون دراسة عدة أمور مهمة، منها الصيرفة والمصرف والودائع الثابتة والجارية وغيرها من الأمور المهمة التي تَّمت دراستها، ووضعت الحلول لها بما يناسب الوضع السائد في تلك الآونة.
وبصفته وزيراً للعدلية قام حسين جميل بعدة جولات استطلاعية في بعض مناطق العراق، لمعرفة سير الأمور في المحاكم، اطلع عن قرب على مشاكل الناس وما يعانونه من قضايا تخص وزارة العدلية، وطبقاً لخطة اعتزم تنفيذها لتفقد الدوائر العدلية في المراكز الرئيسة في العراق، كالموصل والبصرة وكركوك والحلة،  بدأ بزيارة مدينة الموصل لتفقد شؤون المحاكم والتسوية، وعند وصوله إلى المدينة توجه إلى بناية المحاكم، فطاف في أقسام البناية، فزار الحكام في مقر عملهم، واطلع على سير العمل في الدوائر العدلية، ثم توجه بعد ذلك إلى غرفة المحامين، فاجتمع بالمحامين لمعرفة أمورهم وأحوالهم، ثم تفقد دائرة الشرطة والسجون للاطلاع على أحوال المساجين، وزار أيضاً نادي المحامين، والتقى بالأسرة القضائيـة، ثم غادر الموصل بعد عدة أيام، شاهد من خلالها سير العمل، وما يشكو منه الشعب من مشاكل قانونية. ومن الأمور التي تمخّضت عن تلك الزيارة إحداث تغييرات في المناصب القضائية بين الحكام، سواء كانت من ناحية التنقلات أو التعيينات، ولم تقتصر هذه التغييرات على مدينة الموصل، بل شملت عدة مناطق ومنها بغداد. كما نتج أيضاً عن تلك الزيارة إعادة النظر في الأحكام، واستبدال أحكام الاعدام الصادرة من قبل المجلس العرفي العسكري بالأشغال الشاقة المؤبدة بموجب ارادة ملكية صدرت بهم. وزار حسين جميل مدينة بعقوبة وتفقد المحاكم هناك .
وعلى المنوال نفسه سعى حسين جميل، ومن خلال منصبه الوزاري، إلى إصدار بعض القوانين، وإجراء بعض التعديلات، وتأليف بعض اللجان، وتقليل بعض التذمر الذي يشكو منه أبناء الشعب، لذلك تألفت لجنة لدراسة لائحة قانون الطوارئ، وادخال بعض التعديلات المهمة عليها. ولم يقف عند هذا الحد، بل سعى إلى اصدار مرسوم جديد ذي اهمية بالنسبة للمجتمع، وهو مرسوم قانون ذيل مرسوم الادارة العرفية رقم 18 لسنة 1935، وقد تضمن هذا المرسوم بعض النصوص المهمة التي وضعت بدلاً من التي تَمَّ إلغاؤها، وعلى الرغم من أنّ هذا القانون لم يطبق في تلك الآونة، لكن أُخذ به فيما بعد. كما تألفت لجنة جديدة بإشراف وزير العدلية حسين جميل ورئيس التدوين القانـوني، مهمتها وضع لائحة جديدة لقانون الشركات، لتحلّ محلّ قانون الشركات الهندية المعمول به، ورجعت اللجنة في عملها إلى مشروع الجامعة العربية، وإلى قانون الشركات الهندية، والتشريعات العصرية التي يلزم الأخذ بها حسب حاجات المجتمع. وقرَّرت وزارة العدلية، وبأمر من وزيرها حسين جميل لأجل المحافظة على أموال القاصرين، إيداع كافة المبالغ الموجودة في صندوق أموال القاصرين لدى المصرف العقاري، وبفائدة قدرها 4%، مع الاحتفاظ بقسم من المبالغ لديها لتلافي المصروفات الضرورية في المستقبل. كما قام حسين جميل، وبحكم منصبه الوزاري، بإنهاء معاناة الموقوفين في سجن الكرخ، الذين قدَّموا العرائض لوزير العدلية، فضلاً عن قيامهم بالاضراب عن الطعام حتى يستجاب مطلبهم بالنظر في أمرهم . وبالفعل أوعز حسين جميل إلى الجهات المختصة بالنظر في أمرهم، وطلب منها إنصاف هؤلاء وفق القانون والمراسيم الجديدة التي تعدّ أخفَّ وطأةً من السابق. كما وضعت وزارة العدلية خطة تعيين الحقوقيين، نتيجة لكثرة الطلبات المرفوعة إلى تلك الوزارة من قبل خريجي كلية الحقوق للسنوات السابقة والجدد أيضاً، وتضَّمنت هذه الخطة أن يكون تعيين خريجي السنوات السابقة بفارق في الراتب، وذلك تمييزاً لهم عن خريجي السنوات اللاحقة وحسب الدرجة التي يستحقونها، وهذا يدلّ على أنّ حسين جميل أخذ يعالج بعض الأمور المهمة ذات الصلة المباشرة بحياة الناس، كما استطاع من خلال هذا المنصب حلّ بعض القضايا العدلية، التي عجزت الوزارات السابقة عن حلّها، رغم كثرة العرائض والشكاوي المقدمة إلى الجهات المختصة، واستطاع أن يعمل شيئاً يذكره له التاريخ والقضاء وأبناء الشعب، مِمَّا يدلُّ على أنّه لم يكن يسعى وراء المنصب والسلطة لذاتها، لأنّه لم يتخلَّ عن مبادئه السياسية وعضويته في الحزب في مقابل الحصول عليهما، لأنّه عدَّ عرض المنصب الوزاري الذي عرضه عليه الأيوبي، فرصةً، وإن كانت تنطوي على المخاطر، ليصبح نشطاً وفعالاً سياسياً).
وعلى الرَّغم من أنّ موقع حسين جميل وزيراً للعدلية يؤهّله لإعادة نشاط الحزب الوطني الديمقراطي المجمَّد، إلاَّ أنّه أَوضح أنّ الحزب الوطني الديمقراطي في موقف ضعف، ولا يمكنه معاودةَ العمل والوقوف على قدميه واستئناف نشاطه، وقال : "إنِّي لا أُقَدِّرُ له النجاح في العمل في مهّمته كهيئة سياسية، إلاَّ إذا كانت مهمته مقتصـرة على إصدار جريدة ونشر بيانات بين حين وآخر، فيجب البحث والتفاهم بين أعضاء اللجنة الادارية المركزية حول بعض النقاط السياسية أولاً، ومِن ثَمَّ مفاوضة بعض العناصر الوطنية التي تتفق أهدافها وأهدافنا للانضمام إلى الحزب، وإذا ضمنا انتسابها وجدناها عناصر تزيد الحزب قوَّة ثانياً، وتهِّيئه للعمل، اتخذنا قراراً باستئنافه، وغير ذلك سيضع الحزب في وضع مضطرب، مِمَّا يؤدِّي إلى غلقه مرة أخـرى. لكن ما دام أكثر الأعضاء موافقاً على عودته، فإنّي أحترم وأنفِّذ كلَّ ما يوكل إليَّ من عمل باخلاص، ومادمت غير مؤمن بصحة استئناف عمله، دون تهيئة أسباب جديدة، فأرجو من اللجنة الادارية اختيار سكرتير بدلاً عنِّي".
ولم تستمر وزارة الأيوبي طويلاً، فقد قدّم الأيوبي استقالته في الأول من شباط عام 1950، وهي بذلك تكون وزارة قصيرة، لم تستمر أكثر من شهرين، نتيجة لأسباب عدة، منها: عدم قيامها بأيّ إصلاح جذري داخلي أو خارجي سوى إلغاء الأحكام العرفية، وتأجيل مشروع الاتحاد مع سوريا لمدة خمس سنوات، فضلاً عن عدم ارتياح البلاط لتلك الوزارة، لأنّها لم تَستجِبْ لأوامره ، كما إنّها لم تستطع مواجهة المجلس النيابي، لذلك أَجَّلَتْ اجتماعه لمدة خمسة وأربعين يوماً. فلم يكن أمام الأيوبي، ولاسيّما بعد تأزّم الوضع السياسي الراهن، سوى خيار واحد، هو تقديم الاستقالة، لأنّ كلّ الظروف كانت ضدَّه.