الأخيضر والقصر البلوري  نشوء النظرية الجدلية في العمارة

الأخيضر والقصر البلوري نشوء النظرية الجدلية في العمارة

تأليف:  رفعة الجادرجي     الناشر: دار المدى – طبعة جديدة منقحة – 2013
 مراجعة: فريدة الأنصاري
  في عام 1978 أودع في دائرة المخابر
ما هو الجمال؟
   كيف يمكن للفرد أن يحول مادة ما كالطابوق أو الخشب إلى أشكال هندسية جميلة، تنبض بالروح،فتبدو وكأنها نقل جزءا من روحه إلى تلك المادة فالتصقت به،وسكنت فيه؟

 هل يمكن لنا أن ندرك حقيقة هذه العملية تمام الإدراك بأساليبنا المعاصرة لأغراض معاصرة في العمارة بالذات؟
  في هذا الكتاب"  الأخيضر والقصر البلوري " يجيبنا الفنان والفيلسوف المهندس المعماري رفعة الجادرجي من خلال طرح نظريته في جدلية العمارة. ات العامة ببغداد ليمكث فيها فترة طويلة يرحل بعدها إلى سجن أبي غريب بدون أية تهمة،ويصبح اسمه رقما كحال السجناء وهو أبن مناضل مؤسس حزب ومهندس معماري مميز– فتلك السنين العجاف التي قضاها بين المخابرات العامة ومحكمة الثورة وسجن أبي غريب يجد القارئ تفاصيلها في روايته " جدار بين ظلمتين " التي كتبها مع زوجته السيدة بلقيس شرارة – ففي السجن الذي مكث فيه ما يقارب الربع قرن بدون أية تهمة، أخذ يفكر في أمور كثيرة تمس حياته وأعماله والمجتمع العراقي.،باحثاً مع نفسه عن الأخطاء التي وقع فيها وعوامل الفشل وأسباب وقوعه وعوامل النجاح، مستذكراً أصدقائه وأفكارهم جملة أو موقفاً معيناً لأحدهم،فيزنه ويمتحنه لتشكل له مقومات قيم جديدة ومفهوم جديد، يستند إليها إبان التعامل مع الأحداث ليتخير بواسطتها طريقه عندما يجد غموضاً أو لبساً في بدائل المسالك الكثيرة التي تعترضه، أو التي عليه مواجهتها، باستقلال تام عن أصحاب الفكر أنفسهم،وحتى عن الفكر ذاته، منتقياً ما يحتاجه ليصوغه بأسلوب جديد خاص به.
 من أبرز تلك الشخصيات التي يستذكرها وتتجلى صورهم وحكاياتهم ونقاشاتهم أمام عينه جواد سليم وحقي الشبلي وعبد المجيد السامرائي وعزيز علي وغيرهم ممن يشير إليهم في مقدمة الكتاب في طبعته الجديدة التي حرصت دار المدى على إعادة طبعه وقدمته د. رهف فيّاض.
 تشير د. رهف فياض إلى بعض المبادئ الأساسية لنظرية الجادرجي في فن العمارة التي أصطلح على تسميتها " جدلية العمارة ".
 فبعد أن تعرفنا بمصطلح جدلية العمارة وتطورها مع تطور دماغ الإنسان. فمع الزمن تطورت قدرات الإنسان المعرفية والحسية،وأخذ عقله يواجه الفوضى القائمة في الطبيعة،وبالصور التي صاغها في مخيلته استطاع  أن يحقق التنوع ويبعد عنه التكرار. وتمضي في شرح مصطلح جدلية العمارة وفق رؤية الجادرجي لتؤكد على إنها مقوم متأصل في سلوكيات الإنسان الفرد وأساس في تكوينه البصري والحسي والوجداني وأداة في الحوار والوئام في المجتمع، وفي صياغة هُمومه عامة، وفي تحقيق تماسكه.
 فعقل الإنسان وإرادته هما اللذان يسيران الدورة الإنتاجية ويحدثان التغيير في بنية الأداة المادية التي يستعملها الإنسان لتلبية حاجاته وللحفاظ على حياته والتي يطلق عليه " بنية المصنعات ".
 وفي هذا السياق تتطرق إلى الدورة الإنتاجية والعمارة الحرفية والمكننة ومراحل تطور العمارة التي نصت عليها طروحات الجادرجي.
فتطور العمارة يوجزه الجادرجي في اربع مراحل تتمثل في: -

1- مرحلة الإنسانيات الأولى. حيث استعمل الإنسان المادة لتلبية حاجته كما هي من غير أن يحدث عليها أي تغيير.
2- مرحلة الإنسان العاقل التي جسدتها مرحلة الصيد وابتكار تقنيات جديدة.
3- مرحلة المعاصرة: حيث تغير الإنسان تغيراً جذرياً نتيجة احتكاكه بالمادة وتفاعله المباشر بالمادة وأثناء تغييره لها حقق فائض في الإنتاج وتغيراً في المادة الخام.
4- مرحلة عصر النهضة وعمارتها: حيث تميزت  بظهور المكننة والمصنع  اللذين مهدا لابتكار عمارة المكننة.
   وتمضي د. رهيف في شرح نظرية الجادرجي لتوصلنا إلى احتكار المعمار النهضوي الرؤية في الإنتاج، وإلى الحداثة،والاختصاص والتخصص،و تجزئة المعرفة الهندسية العامة إلى عدة معارف وتخصصات.متطرقة إلى مقومات المعاصرة الإيجابيات والسلبيات التي يؤكد عليها الجادرجي لتنقلنا  في الوقت ذاته إلى نظرية التضامن الاجتماعي وإلى النقلات في المصنعات التي حققها المعمار في أوربا خصوصاً في إنجلترا مع القصر البلوري في بداية مرحلة الحداثة وفي فرنسا مع لوكوربونيه، وفي أمريكا مع فرانك لويد رايد وغيرهم متابعة سجال الجادرجي مع نظريات ما بعد الحداثة باعتبارها ليس مكوناً بصرياً وأساسا للفعل المعماري بل هو محصلة له.
ليس من السهل علي أن الم بطروحات هذه النظرية المعمارية التي تكونت للجادرجي بعد عمل مضني دام أكثر من ربع قرن منذ تخرجه عام 1952حتى عام 1978لأترك للقارئ المتخصص قراءتها والإلمام بها لانتقل بعد ذلك إلى الجوانب الأخرى من الكتاب
 من الفصل الأول من الكتاب إلى الفصل الثامن عشر يسجل الجادرجي همومه في الوصول إلى حلول تطبيقية معمارية تتوافق مع البيئة الاجتماعية القائمة ومع التطور الحاصل وعلاقته وترابطه مع الغرب والحداثة.فيحدثنا عن دُور وشقق أصدقائه مثل شقة الن جودت ودار خلدون الحصري وعمارة الخضيري مشيراً إلى الأمور المتعلقة بالعمارة مثل النسب المعمارية والتخطيط ومواد البناء. وخطواته الأولى لتكوين مفهوم ثابت له عند معالجته للمسائل المعمارية مستفيداُ من أخطائه الهندسية لتتكون له بعد ذلك رؤية خاصة عن البيت البغدادي الذي شهد تطورات عديدة بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس الدولة العراقية ونزوح العدد الكبير من ذوي الدخل العالي والمتوسط إلى محلات العيواضية والبتاويين والكرادة الشرقية وبستان الخس. وفي تلك الفترة عادت الدفعات الأولى من المهندسين العراقيين بعد أن أكملوا دراستهم في خارج الوطن، ليلعبوا دوراً مهما في تلبية الحاجات الاجتماعية التي تتطلبها المرحلة الاجتماعية الجديدة. وأما هو فبعد عودته إلى الوطن عام 1952وفي خضم التغيرات التي استجدتها تلك المرحلة على البيت البغدادي ودراسته لعلاقته بالموروث الإسلامي  وجد نفسه بأنه لابد له من إجراء عملية تجريد للشكل الإسلامي الذي يمثل له العنصر الثالث ويجد القارئ تفصيلاته في الفصل الثالث من الكتاب.
  في الفصول اللاحقة من الجزء الأول من الكتاب يروي لنا الجادرجي تكليفه من قبل مدير الأوقاف وضع تصميما لعمارة الدفتردار عام 1954وكيف سنحت له هذه الفرصة الاطلاع على الجوامع والمساجد والدور القديمة والخانات والأسواق والاستفادة منها في تصميم الكثير من المباني والدور مثل نصب الجندي المجهول " القديم " مزوداً القارئ بالصور والتخطيطات الهندسية للكثير من تلك الدور.ويتطرق أيضاً إلى نصب الحرية والحوادث والمطبات التي وقع فيها فريق العمل وعلى رأسهم هو والفنان التشكيلي جواد سليم وقبل أن  يعود بذاكرته إلى عام 1963يحدثنا بأسلوب المعماري المتميز عن العقد " الطاق " واستحداثه الجدار الثاني.
 الجزء الثاني من الكتاب يتناول سيرته وتطور الفن المعماري العراقي من سنة 1963لغاية عام 1974وبعض ما حدث له في السنوات العجاف. فيسرد لنا كيف تعاملت العمارة مع المادة مثل الحجارة والخشب والزجاج والكونكريت وموقع العمل مبيناً المؤثرات التصميمية، ومن خلال ذلك يبين أثر اللقاءات الفكرية مع عدد من الشخصيات الثقافية والتشكيلية على تصاميمه، مشيراً إلى تأرجحه بين الإنجاز والإحباط. ليكَوْن كل ذلك سنده النظري في جدلية العمارة. باستثناء ما يتعلق بنظرية القيمة التي يتطرق إليها في الفصل الأخير من الكتاب.
 يختتم الكتاب بالتغيرات التي حصلت على العمارة العراقية بعد استحداث مكاتب الاستشارة وكيف حورب من قبل السلطة فيذكر (في نهاية السبعينات آذار 1979قدمت إلى التحقيق وكانت الجملة الأولى التي نطق بها حاكم التحقيق بالنص " المكاتب الاستشارية بؤر للفساد والتجسس. أنا لا أدري لماذا لا تزال الثورة متساهلة مع المكاتب ").
 بعد قراءة هذا الكتاب أرى بأنه يشكل مرجعاً مهماً لطلاب الهندسة المعمارية والمدنية إذ سجل فيه هذا المعماري المتنور والفيلسوف تجربته مع فن العمارة وقدم مفهوم بنيوية العمارة. وبتصاميمه التي نقلها إلى القارئ عبر عدد من الصور قد أضفى على العمارة نكهة مختلفة وجعل الحجر والزجاج ينطق  بالجمال فيبدو لنا كمنحوتة فنية مميزة.