عودة الثعلب العجوز..في رواية “ الفاسد، و السريع، و الميت “!

عودة الثعلب العجوز..في رواية “ الفاسد، و السريع، و الميت “!

ترجمة / عادل العامل

كان فيستا سيمبا، أحد رجال المال الأقوياء في المدينة، و قد أصيب بالتسمم في حانة بأوامر من زوجته و نقل إلى المستشفى في حالة حرجة، و لن يموت لوحده. و لقد قام سيمبا، مقاول الإسكان الثـري المعروف، و رجل أعمال الباروك، و الإنساني المحب لعمل الخير، بكل شيء، 

و أي شيء يفعله الرجال الأغنياء باستثناء أمرٍ واحد، أن يأتي بوريث له. فهو عارف أن بيتر، ابنه و وريثه في الظاهر، ليس ابنه في واقع الحال. قد لا يعرف من هو والد بيتر الحقيقي، لكنه متأكد من أن زوجته صوفيا تكذب بهذا الشأن و أن لديها نوايا لاستخدام هذا الابن ككارثة قد لا تكون بعيدة جدا! كما جاء في عرض يوسف سيرَنكيوما لهذا الكتاب.

و كان سيمبا يائساً من أن يكون له طفل ولد. فقد أنجب مجموعة من البنات، من نساء عاملات في الحانات، و عاهرات البلدة، و سكرتيرات. و  تُصاب صوفيا، زوجته الرسمية، انزعاج شديد بسبب ميل زوجها إلى زوجات جديدات، و لهذا تتصرف بصورة أسرع ــ فعليها أن تُنهيه قبل أن يكون له طفل آخر يطالب بثروته ــ الثروة التي ضمنتها لها عن طريق ابن رجل آخر، بيتر.

فهل تظل جميع النساء اللواتي نام معهن سيمبا يتّصفن بالود بعد تسميمه؟ بالطبع، فلكل واحدة منهن مصالحها في أن تحتمي، و هن عارفات الواحدة بالأخرى و بعلاقتهن مع الإنساني الوغد. أما الرجال الكثيرون المستخدمون في عمله التجاري الخاص و درجة الود و الإخلاص الذي لديهم، فالمسرح معد للاندفاع ضد الوقت، و سيملي الحظ و البراعة مسار الأداء أو الحركة action في الساعات القليلة القادمة، و الأيام المقبلة. فهذه حكاية معبّأة بالحركة، و متبَّلة بالدعابة البذيئة، و الحبك المعقد، و السخرية العميقة. و قد تورط الشرطة في نشاط سيمبا التجاري لبعض الوقت بطريقة أو بأخرى.  فكانوا يتلقون منه المردودات السخية أو يغدون ضحايا تافهين لاحتيالاته. و في وقت تسميمه ما بين الليل و انبلاج الفجر، لم يكن ميتاً كما كان متوقعاً. لكن هناك في تلك الليلة وحدها أكثر من خمس وفيات، و العديد من السرقات و الاختفاءات ــ جميعها تتعلق بالرجل الذي في المستشفى و بأعماله. و أحد الموتى ضابط شرطة كبير! 

  إنها لرحلة و تجربة تاريخية قراءة هذا الكتاب. و كما هي الحال مع إلياذة هوميروس، فإن هذه ملحمة من العصر الحديث تصل ما بين الأقاليم و آلاف النزاعات. و تتّسم شخصيتها الرئيسة، كما يبدو، بقوى ملحمية. فهو يتغلب على النزاعات و ينجو من المكائد بطرقٍ تبدو من بعض النواحي فوق طبيعية. و إذا كان الكثير من شخصيات القصة منتفعين من المصادفة و الفرصة العمياء، فإن حظ سيمبا لا يبدو أنه كان يجري بذلك اليسر. 

 تجري أحداث القصة في كمبالا، و الكونغو، و موباسا، و سيشيل، و تُروى بأسلوب الثعلب العجوز النموذجي، و هي قصة توفر المتعة مع كون قراءتها تتسم بالعصبية. فلدى الشرطة لخبطة تهدد الحياة عليهم فرزها، لخبطة ضد حيوات أشخاص، من ناحية، و إمبراطورية أعمال سيمبا التجارية المتّسعة، من جهة أخرى. و السؤال الوحيد الذي يحرك القصة كما يبدو هو: مَن يا تُرى وراء هذه الوفيات الكثيرة؟

لقد ركزت الكتابة الحديثة لفترة ما بعد الكولونيالية على البحث في واحدة أو اثنتين من سمات الجماعة البشرية. و يظل مؤلفون مثل ميجا موانغي صاحب كتاب (الهبوط على طريق النهر) يستجوبون الروح التي وراء التمدن في أفريقيا حين يكون آلاف الناس محكومون بالعيش في أحياء فقراء حيث يُختزَل البشر إلى مجرد “ أيدٍ “ ــ تماماً مثل خلاّطة الاسمنت! أوتشولا، لحدٍ ما، أحد تعابير الكاتب موانغي “ إذا ما صنع المقاول أيديَ أكثر، فإنه لن يحتاج أي عمّال “.

إن تيوميوسايم روشيج Tumusiime Rusedge، و هو ربما الفكاهي الأكثر موهبة الذي أنجبته أوغندا، يرسم لنا هنا الشكل الحقيقي لأفريقيا ما بعد الكولونيالية ــ الوضع الذي يتعرض فيه التقدم فقط لتهديد أخطار الفساد في مؤسسات الدولة الكبيرة و الصغيرة، بل و يشتبك مع عواقب الجنس الفج و الفضيحة في أساليب حياة أناسها!

و مثل ميجا موانغي، ينطلق روشيج في بحثه و عرضه لوقائع العصر الحديث. و في الحقيقة، فإن ما يبدو مدَّخراً  معروضٌ كفاسد في اللب. فإلى أي مدى يسيّر حياة الناس؟ إن بحث سيمبا عن الثروة أمر لا يمكن إيقافه، كما هي حال الشركاء في عمله التجاري، و زوجاته / عاهراته، و رجال الشرطة.

لقد تدرّب روشيج في الأول كطبيب جرّاح، لكنه اشتُهر بكونه رسام كاريكاتير، و فكاهي، و عازف على البيانو، و تربوياً، و مؤلفاً، كما تعلم فن أو علم تطيير طائرات صغيرة. و قام الثعلب العجوز، كما يسميه الأوغنديون تحبباً، بالسفر على نطاق واسع خلال حياته، بالغاً أماكن بعيدة جداً كالكاريبي، و جامايكا ــ و كل هذه التجارب و الخبرات كما يبدو جديرة بأن تبدع قصةُ بارعة. و بتفرد أسلوبها و إبداعيتها، فإن رواية (الفاسد، و السريع، و الميت) هذه، المنشورة بعد موت كاتبها، المتوفى عامَ 2008، تستحق مكاناً خاصاً في عالم القصة بشرق أفريقيا.


عن / allAfrica