ماهي حكاية (زعل) نوري السعيد على الصحفيين

ماهي حكاية (زعل) نوري السعيد على الصحفيين

حسين علي محمد الشرع
 كاتب وصحفي عراقي
في شهر شباط سنة 1957 كنا اربعة صحفيين نعمل في اربعة صحف وهي جريدة الاراء لصاحبها امين احمد وهو صحفي وطني تقدمي سجن واعتقل ونفي خارج العراق وجريدة النهار لصاحبها عبد الله حسن وجريدة الاسواق التجارية لصاحبها جمال داود وجريدة العزة لصاحبها جليل قسطو

 واما الصحفيين فهم شاكر الجاكري محمود الجندي يوسف عويد وكاتب هذه السطور وكنا نجمع الاخبار والاعلانات ومبالغها ونأتي كل يوم بعد الواحدة الى مقر هذه الصحف الكائن في شارع حسان بن ثابت قرب مقهى الزهاوي حالياً وهذا الشارع طريق مهم للمسؤولين حيث يبدأ من شارع الرشيد وينتهي في محلة القشلة التي تضم مجلس الوزراء واغلب الوزارات والدوائر المهمة وتسمى (السراي).
نتناول طعام الغداء في مطعم العاصمة لصاحبها الطاهي المشهور محمد اديب تايه وهذا الرجل له قصة اخرى وهي دعوته الى المانيا الغربية ليلقي محاضرات عملية ونظرية حول فن الطبخ ونوعيته على كبار الطهاة والمتعهدين في ذلك البلد واستحسنه الالمان وبقي شهرين ونرجع من المطعم لتناول الشاي بباب بناية تلك الصحف ويمر المسؤولون ويسلمون علينا بما فيهم نوري باشا السعيد بعد انتهاء الدوام ونرد عليهم السلام وندعوهم لشرب الشاي فمنهم من يعتذر ومنهم من يتقبل.
في احد الايام رجعنا الى صحفنا فوجدنا الاساتذة اصحاب الصحف وقد قابلونا بغير عادتهم وبوجوه مجهمة والخوف بادي عليهم فقلت للاستاذ امين احمد ما الخبر يا ابو اكرم فقال لي (انتم مشمولون اليوم) فقلت له انا بالنسبة لي ذهبت الى  الدوائر وجلبت الاخبار وقال جمال داود وجماعتك فردوا بالمثل وقال عبد الرحمن ابو زهير انتم مطالبون من قبل اللواء بهجت العطية مدير الشرطة والامن العام ويريدكم حالاً فاخذ احدنا ينظر للاخر ما هو السبب، فاقترح ابو اكرم ان يذهب واحد منا فاذا رجع فالمسألة بسيطة واذا لم يرجع يختفي الاخرون عن الانظار فوقع الاختيار عليّ لانني شاب غير متزوج وليس عندي ميول حزبية فقبلت فقال لي ابو اكرم اذا التقيت مع بهجت فلا تشرب الحامض او الدارسين فيكيدون لك به كيداً فذهبت الى مديرية الشرطة العامة وانا خائف لا اعرف من امري شيئاً فدخلت على المفوض مفتي جار الله سكرتير المدير العام وسلمت عليه وهو يعرفني ويعرف والدي حق المعرفة وكذلك بججت العطية فرد السلام وقال لي (وين جماعتك) فقلت له ما الخبر؟ فقال (ذبوها براسك الجبناء) ادخل سعادة المدير رايدكم فدخلت على اللواء بهجت العطية وهو جالس على كرسي متحرك وميز ضخم امامه وعليه اوراق و(فايلات) ورشاشة (سترلنك) ومسدس فضي وخلفه سيف من الفضة مرصع بالمينة وخارطة العراق وشعار المملكة مصنوع من الخزف والجص والخشب وملون باللوان زتهية فسلمت عليه ورفع راسه ولما راني قال اهلا وسهلا اجلس فجلست فقال لي انت شاب ووالدك سيد معروف ومن عائلة معروفة واجتماعية، رجل سلم عليكم اعتبروه اكبر منكم واحتراماً لسنه؟ لماذا لا تردوا عليه السلام وقد اتصل بي قبل ساعتين ولكن العتب موعليك العتب على (البعورة) الواقفين معك خلي ايصير عدهم احساس. فتعجبت وقلت له من هو الرجل الكبير؟ فقال الباشا يومياً يمر عليكم وانتم (تتمضحكون) ويسلم عليكم وما تردون عليه السلام ليش؟ فقلت له وانا صادق بقولي نحن نقف وننتظر الباشا وكلما مر علينا بسيارته دعوناه لشرب الشاي ونكن له الود والاحترام فهو كالاب والعم والخال ونعتز به والله اعلم فقال اشكرك واتصل بالباشا نوري السعيد هاتفياً فاخبره وسمعت الباشا يقول له سلم لي عليهم وهم ولدنا ومن المثقفين وعندما اعلق الهاتف ضحك وقال هذه المرة (خاطر والدك) ولكن السبب هو من اصدقائك (شاردي الذهن والتفكير) فخرجت من مكتبه مسرعاً ووجدت الاساتذة اصحاب الصحف وزملائي المحررين واقفين بالشارع ولما اخبرتهم بالخبر فرحوا لعودتي واذا بسيارة الباشا مقبلة فوقفنا كلنا بالشارع فاوقف السائق السيارة بامر من الباشا وترجل منها واول من صافح امين احمد وساله كيف حالك ابو اكرم ثم صافحنا واحد واحد واعتذرنا منه ودعوناه للغداء فاعتذر الى وقت اخر وغادر.