من ادب الذكريات والاعترافات..عبد المجيد لطفي كما عرفته..

من ادب الذكريات والاعترافات..عبد المجيد لطفي كما عرفته..

وحيد الدين بهاء الدين
اديب وكاتب عراقي
في استهلال احتضاني دنيا الادب انوارا وظلالا: كنت اكتب الى ادباء وشعراء متميزين من العراق والوطن العربي، استيحاء لنصائحهم في التوجه الفكري الذي اخترته بارادتي، واستشراقا لمواقفهم من بعض قضايا التراث والتيارات المعاصرة. كان عبد المجيد لطفي واحدا منهم فاذا هو يرد عليّ موسعا لي ثم محرضا اياي على متابعة الدرب اختيارا لا اضطراراً.

 وطرح التشاؤم من حضوري وقد كنت انوء تحت عينه يومذاك يقول: "قبل ايام اخذت منك رسالة كريمة فائضة بكثير من عواطف المودة وروح الادب والشكوى من فقدان التشجيع وما الى ذلك من اسباب تجعل عمل الادباء في غاية من الصعوبة وعندي انه لا تجدي الشكوى بالشباب من الادباء فالفشل سماد النجاح كما يقولون والى جانب ذلك فالشجرة القديرة تشق جذورها الصخور وتعيش رغم كل معاندة الطبيعة ولونها". ثم يستطرد: "فارجو ان تكون بخير دائم وصحة وان تتابع وزملاءك طريق الادب الحق وان تكون لكم وجهة نظر تهدف خدمة الانسانية ومثلها الرفيعة في الحال والمستقبل".
من هنا وبباعث من اهتماماتي الجديدة كنت اطالع كل مطبوع عراقي وعربي يرد مدينة كركوك، ناهيك بما كان ينشره عبدالمجيد لطفي من موضوعات هنا وهناك، ولا سيما حقله المعتاد على صدر عدد "الهاتف" الادبي الاسبوعي.
في شباط عام 1952 انتهزت فرصة وجودي ببغداد لاعود صديقي الاديب غائب طعمة فرمان، وكان راقدا بمستشفى الامراض الصدرية بالتويثة لانهي الى عبد المجيد لطفي ما كان يعانيه صديقنا المناضل بفكره وروحه، فاذا به يجرد قلمه السيال فيدبج خاطرة وجدانية من خواطره الاسبوعية عنوانها "ضريبة النبوغ" مختصرا لصديقنا المعلول ومطالبا ذوي الشأن واولي الامر بالتفات اليه والعطف عليه ناسياً بالامم الناهضة التي تقدر ادباءها وعظماءها الذين هم مشاعل على طريق الحياة والثقافة والفن.
قضت الايام ان انهض بمهمة تحرير جريدة "كركوك" في مطالع الخمسينيات ثم اقرر بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك اصدار عدد خاص به، استكتبت بعضا من العلماء والكتاب منهم الشيخ محمد بهجت الاثري والحاج حمدي الاعظمي والدكتور تقي الدين الهلالي، وعبد المجيد لطفي، هذا الذي ما لبث ان وافاني جوابه الصاعق، شرفتني قبل ايام برسالة كريمة منك، وطلبت، متفضلا، ان ابعث شيئا الى جريدة "كركوك" التي وصلني عدد منها دل ما فيها على ذوقك الى حد كبير وخصصت الطلب ان يكون عن رمضان.. ولو ان مثل هذا الطلب وقع علي قبل عشرين سنة لكنت من اول المهللين والمرحبين والمصفقين اما الان وقد انحدرت الى ما يدعى مهاوية الضلال فلم تبق لي رغبة في المشاركة بمثل هذه الامور".
ولكن معرفة عبد المجيد لطفي للغة التركية وتاثره بادبها ثم رغبته في المشاركة في تحرير جريدة "كركوك" الصادرة باللغتين العربية والتركمانية، جعلتاه يحبر بعض الخواطر الادبية باللغة التركمانية ويبعث بها الي لنشرها في القسم المخصص من جريدتنا، ويقترح في الوقت نفسه، ان اتولى ترجمتها الى اللغة العربية اذا نسبت واذا كانت جديرة بذلك.
نشرنا خواطره، مقدرين معتزين وقدمنا لها بديباجة جميلة..
ولكن يكشف عبد المجيد لطفي عن طاقاته المخزونة وعن تضلعه من اللغة التركية على نحو اشمل، عمد الى اقصوصة "فور فونج بركون" المنشورة على صفحات جريدة "كركوك" لاغا اوغلو فهمي، فترجمها الى اللغة العربية بعنوان "يوم مخيف" ونشرها على صفحات مجلة "الاتحاد النسائي العراقي" – انظر العدد 57 لعام 1953 – ثم مصادفة طريقة بعدها بثلاثة عقود من الزمن، ان تطالعني اقصوصة "الوند اير ماغندان بر افسانه" لعبد المجيد لطفي وترجمتها "اسطورة من نهر الوند" وهي منشورة على صفحات مجلة "صوت الاتحاد" الصادرة من المكتب الثقافي التركماني للاتحاد العام للادباء والكتاب في القطر العراقي .
كان الادب العراقي في بدايات الخمسينات – ولا سيما النقد – يمر بمحنة حادة من جراء تلبد الغيوم الثقال في سماء البلاد مما كان له اثره في الوجود السياسي والاقتصادي والثقافي اتذكر اني كتبت مقالا مكثفا في جريدة "كركوك" عن اساليب النقد الادبي عندنا، ثم لم اتردد فيه ان استدرج صديقي عبد المجيد لطفي ومشكور الاسدي ان يدليا بارائهما بهذا الصدد. في الوقت الذي علق مشكور الاسدي بما رام في حقله المسمى "خواطر" على صفحات جريدة "الاخبار" البغدادية.
جابهني عبد المجيد لطفي بتعقيبه عبر رسالة جاء بها. "اما النقد عندنا فمجرد شتم واقوال غليظة بعضها غير اخلاقي ومن الصعب ان تحصل على نقاد من ذوي الوزن والقيمة ونحن بعد في باكورة هذه النهضة الادبية. ومع ان النظرية الصحيحة في النقد ان الناقد يدرس ويمعن النظر والتامل ثم يظهر المحاسن والمساوئ بعيدا عن الكاتب والمؤلف فان هناك نظرية اخرى تقول ان الاثر جزء من المؤثر وعليه فان النقد يجب الا يتناول الكتاب وحده بل يتناول الكاتب كذلك لانه وليد مزاجه واخلاقه وتصرفاته ومطامحه ومن هنا كان الكاتب يحاسب الى درجة مفزعة عن هفواته ودعواته التي لا يطيقها المجتمع بحجم تطوره البطيء والاديب سباق دوما في سيره عن سير المجتمع. فلا تعجب حين ناخذ عامدين او غير عامدين بالنظرية الاخيرة في محاولاتنا في النقد، فنتناول الكاتب وحياته ومعيشته وكيف كان وكيف صار ونسبه ونلعنه ونجرده من كل حسنة واذا كان العالم الغربي غير خال من هذه المساوئ وفي اكبر برلمانات الغرب تدور مناقشات تنحط الى اوطأ درجات السياب وادب البرلمانات ادب مهم لانه يتناول اكثر نواحي المجتمع وما يهم الجماهير، وانني – انا نفسي ايضا اسير في هذه الطريق على ما فيها من تعسف وجور للحقيقة ذلك اني انهج نهج خصومي في نقدهم، اياي وما داموا يسبون فلا بد من سبهم وتجريدهم من فضائلهم.. وهذا المقياس وان كان غير اصولي الى حد ما الا انه تجاوب عاطفي للتأثيرات التي تاتي من قبل ذلك النقد".
في اواخر الاربعينيات واوائل الخمسينات عرفت بغداد كاتبة قيل انها "دعية" وان شئت فقل محسوبة على الادب. فقد كنت على صلات ادبية ببعض من الشعراء والكتاب والصحفيين، وكانوا يقفون معها او وراءها ترويجا لبضاعتها واعلاما لحضورها في الوسط الثقافي العام..
ادركني ان عبد المجيد لطفي وهذه الكاتبة قد جمع بينهما سبب الادب كانا يتطارحان الفكرة او الطرفة يتشاوران في الامر والرأي.. وما الى ذلك او ما يعزز ذلك.
وسألت عبد المجيد لطفي وما بينننا يعطيني حق السؤال، وقد كثر الكلام وانبرى الخصام حول ما تكتبه هذه الكاتبة.. صدر لها كتابان، فاجابني عما اردت، بصراحته المعهودة قائلاً.. ان في حياة كل اديب وكل فنان كما تعلم يا صديقي طائفة من النساء، تخبوا واحدة لتشرق الاخرى وهكذا دائما لان المراة ينبوع فياض للانتاج وتحريك العواطف وما المرأة التي ذكرت غير واحدة.. دخلت من باب وخرت من باب تركت تموجات ضاعت في الساحل.. وهذا هو شأن الحياة فلا تأسف ولا تتعمق في البحث عن امر امرأة كواحدة من عشرات النساء اللواتي لهن رغبة في التعرف على الرجال والتجول في ميادين الادب.
كان عبد المجيد لطفي كاتبا صادقا وجريئاً في انتاجه الادبي والقصصي، كذلك كان في كتاباته الصحفية والسياسية . والحق انه كان ينتقد العهد الملكي المندثر بكل ما استطاع الى ذلك سبيلا، وفي اخر الشوط – وان لم ينهزم – اعتزل محتدا ومدركا ان لاجدوى من هذا الذي صنع ويصنعه الاخرون معه وموقنا ان وراء الغيوم شمساً وان بعد العسر يسرا.. من هنا كتب يقول: اما انا فرجل قد انتهى دوره وانزوى وارتضى بما كتب حتى الان وان كل سعادته هو ان يرى مواهب جديدة تسطع في سماء ادبنا الجديد. لقد مشت القافلة وكنت معها في الصحراء فلما بلغت الواحة النضرة سقطت من الاعياء ولم اعد اتطلع الى افاق جديدة.
استمرت حالة – ولا اقول ظاهرة – الاعتزال عند عبد المجيد لطفي الى ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، ولا اتناسى اني وكنت حينذاك اعمل محررا في جريدة "البشير" هذه التي بدأت تصدر بكركوك استدرجته لان يعاود الكتابة ويمارس، فنونها على قدر مستوفرا رواقده وكل شيء قد تغير وتطور فما كان منا وقد حفزه ندائي اليه وعتابي عليه ام لقائي الشخصي به بوزارة المالية اذ كان بها رئيسا للملاحظين او مميزا على لغة ذلك العهد – الا ان يسوق الى القراء مقالة هي قطعة ادبية رائعة نشرتها على صفحات جريدتنا اقتطف منها بعض الشيء. (وحيد الدين) بهاء الدين من الاصدقاء القدماء تصلني به وشجة الادب واكثر من منزع من منازع الحصوى والحياة. وحين طلب الي ان اكتب شيئا لجريدة "البشير" تريثت وحاولت الاعتذار، ذلك اني متعب في هذه الايام ومريض وان الادب وان كان صدى لما يزدحم في صدر الاديب من مشاعر الا ان بعض الهموم تسد على الاديب مسالك تفكيره فلا يستطيع حتى التعبير عن شجونه.. ولكن وحيد الدين حين يكون كاتبا ولودا منتجا مرتاح الخاطر يحسب الناس جميعا مثله.
فلم يكن امامي من طريق للاعتذار والى جانب ذلك فانا نفسي احب هذه الجريدة لانها تصدر بكركوك وقد استأثرت كركوك شطرا طويلا من شبابي حتى كدت احسب من ابنائها ولفترة طويلة كان النفس في بغداد لا يعرفونني اذ لم يعرف اسمي بكركوك. وفي كركوك ايضا تفتح قلبي لاول مرة للحب.. انني في الحقيقة لفي حيرة من امري ومن امر الادب فان مشاكلي من العمق بحيث تلقي لي قشة مبللة في اجاج من المحن والشظف والهموم والادب يريد العمق والابائية بصراحة وحرية ثم يريد ان ياكل الاديب نفسه من اطرافه، يريد ان يحرقه وقد احترقت في لهيب الادب بما فيه الكفاية ولكن بعض كرام الاصدقاء والقلائل من القراء الذين احتجبت عنهم لا يريدون راحة الاديب ولا اية محاولة من جانبه او جانبهم للتخفيف من حرفته او من الحريق الذي ياكله. وبعد فالمعذرة من قرائي فيما مضى من اصدقائي الكرام وفيهم.. وحيد الدين.. فهذا اعتراف، واذا كان في توقفي عن الكتابة من اساءة فما سيئ من اعتذر.
الا ان عبد المجيد لطفي وان اعتذر بحجة مشروعة او غير مشروعة عن معاودة الكتابة ومواصلة الاسهام في الحركة الفكرية الجديدة التي افرزتها الثورة؟ فانما عاد بعد ذلك بقليل عودا احمدا. مطلا على القراء اطلالة منتظرة او غير منتظرة، ولكل حادث حديث.
كنت ازور عبد المجيد لطفي بوزارة المالية زيارات خاطفة يوم كنت احضر من كركوك لقضاء مهماتي ويوم ضمتني بغداد الى صدرها الحنون الدافئ كنت ازوره ومعي اكثر الاحايين صديقي العتيق المعتق الدكتور صفاء خلوصي وهو ابن اخيه، بدارته بالمامون ولا اتغابى عن زيارتنا لدارته السابقة بالعيواضية في ذلك المساء الشتوي المسربل بالغيوم والوجوم من اماسي الخمسينات.
وبصدر كتابي شخصيات من الادب المعاصر واحمل منه نسخة هدية الى عبد المجيد لطفي فاذا هو يقابلني بالشكران وبتحية كريمة تمثلت في بعض من مزاحاته ثم ما اروع ما ساقه الى من نظرات بصدر كتابي صريحا على جاري عادته وقد انتهيت الليلة الماضية من قراءة هذا الكتا الطيب الذي تضمن دراسة مشيدة بعدد من الشخصيات الادبية والفكرية ذات مكان ومكانة في حياة الفكر العربي والادب العربي من شعر ونثر. وقد افدت فائدة كبيرة من هذه القراءة اذ احطتني بجديد منوع عن هؤلاء الذين تناولتهم بالدرس والاهتمام والملاحظة الدقيقة والاشادة في اكثر المواضيع وبصدد الجهد فشيء مشكور، عناء في سبيل الادب دون مثوبة مادية وهذا حظنا جميعا حين نكتب الادب ونمارسه بنظافة وعفة بيان؟ وتاريخية عادلة.
اخذتنا الايام والاعوام. فكنا نتلاقى خلالها في مناسبات او حفلات او ما الى ذلك ذات ضحى كنت اقطع شارعا فرعيا بالاعظمية، واحسست ان صوتا خفيفا من داخل سيارة لازوردية يناديني! فاذا انا وعبد المجيد ناصر وجها لوجه، فتتهاوى الصور والذكريات ونتساى كؤوسا روية من النجوى والسلوى.
ويرحل عبد المجيد لطفي وفيه شيئاً بل اشياء.
جريدة الاتحاد 1986