تمثال عبد المحسن السعدون

تمثال عبد المحسن السعدون

نجدة فتحي صفوة
مؤرخ ومترجم عراقي
حينما ظهر عبد المحسن السعدون على المسرح السياسي في العراق لدى تكوين الدولة في بداية العشرينات، كان الشعب العراقي، بسبب ظروف العهد القائم انذاك، ونظام المجتمع وطبيعة تكوين الدولة الجديدة، وازدواجية الحكم، وبدائية وسائل الاعلام، يجهل ما يدور وراء الستار من مناورات بين رجال السياسة الوطنيين، وبين سلطة الانتداب التي كان يعز عليها ان ترى خيوط السيطرة على شؤون البلاد تفت من يديها، فتزداد تمسكا بها حينا، ثم لا تلبث ان ترخيها قليلا، لتعود الى شهدها من جديد.

وكانت الدولة الفتية تتجاذب مصيرها قوى متعددة، فهنالك سلطة الانتداب، وكان "الانتداب" صيغة جديدة، ذكية، توصلت اليها الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الاولى خلال مؤتمر الصلح في باريس لتبرير اقتسامها الاقطار المنسلخة عن الدولة العثمانية التي اشتركت في الحرب ضدها.
وكان هنالك ايضا الملك فيصل الاول الذي كان يعمل على ترسيخ عرشه في العراق بعد ان خسر عرشه، ويحاول ان يتحاشى مع الانكليز اخطاءه مع الفرنسيين، وان يفيد من تجاربه السابقة، فالى اي حد كان يستطيع الوقوف بوجه سلطات الانتداب، وكم يستطيع ان ينتزع منها لجل الوقوف امام تيار الرأي العام، محاولا في الوقت نفسه تحقيق التوازن بين مطالب الوطنيين، وضغط البريطانيين.
وكان هناك ، اخيرا، رجال السياسة والزعماء الشعبيون، واصحاب النفوذ التقليدي في البلد، وشيوخ العشائر وانتماءاتهم المتنوعة ومصالحهم المتضاربة احيانا، فمنهم الوطني الصادق الذي تعوزه الخبرة والمعرفة، ومنهم المتمرس الذي ينقصه الاخلاص، ومنهم الانتهازي الوصولي، والمثقف، والجاهل، والكفؤ الذي يصلح للحكم، والساذج الذي دفعته الظروف الى الامام.
وفي هذا الجو، وفي خضم هذه الظروف الحساسة والمتضاربة، والبدائية نوعا ما، ظهرت شخصية عبد المحسن السعدون فريدة في طابعها، صافية، متألقة، وكان بحكم نشأته وخلفيته، يختلف عن معظم معاصريه رجالات العراق الذين كانوا يتصدرون المسرح السياسي في الدولة الفتية.
فهو عربي المحتد، صافي الارومة ، تركي الثقافة، عصري النزعة، ينتمي الى اسرة عريقة محترمة كانت لها الرئاسة بين عشائرها ولد في "الناصرية" في سنة 1879 لأسرة شريفة هبطت العراق من الحجاز في اوائل القرن السادس عشر الميلادي، ثم اسست في "المنتفق" امارة دامت اكثر من ثلاثمئة سنة. وقد حكم غير واحد من اجدار عبد المحسن البصرة الى جانب المنتفق، وكان والده فهد باشا السعدون شيخا للمنتفق منذ سنة 1865، ولما قضت الدولة العثمانية على امارة ال السعدون، نصبت فهد باشا متصرفا للناصرية.
ولما بلغ عبد المحسن الثالثة عشرة من عمره ارسله والده، بطلب من السلطان عبد الحميد الثاني، الى اسطنبول ليلتحق بمدرسة فتحها لابناء العشائر، فلما اكمل دراسته فيها انتمى الى المدرسة الحربية في اسطنبول، وتخرج فيها، وعينه السلطان عبد الحميد في عداد مرافقيه (الياوران).
وعلى اثر اعلان الدستور العثماني انتخب نائبا عن المنتفق في مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) وصار يصغي الى مناقشات المجلس، ويجالس اقطاب الدولة وساستها ومندوبي ولاياتها، وكان بينهم نائب شاب من اشراف الحجاز، يمثل ولايته ، اسمه "فيصل". وبذلك خبر الحياة البرلمانية ومداوراتها ومناوراتها.
وهذه جميعا تجارب لم تتح لغيره من الرجال الذين احاطوا بالملك فيصل الاول عند اعتلائه العرش امثال عبد الرحمن النقيب، وياسين الهاشمي وجعفر العسكري ونوري السعيد وغيرهم كما انه لم يلتحق بالثورة العربية، كما فعل بعضهم، ولم تكن له بالانكليز صلات سابقة كالتي كانت لهم.
عاد عبد المحسن السعدون الى العراق على اثر قيام الدولة العراقية، فعين وزيرا للعدلية في سنة 1922 في وزارة السيد عبد الرحمن النقيب، ثم تولى رئاسة الوزراء بعد ذلك اربع مرات وترأس المجلس التأسيسي الذي سن الدستور العراقي.
كان عبد المحسن السعدون رجلا نزيها فوق الشبهات، تتمثل فيه السجايا العربية الاصيلة، كريم الطبع مترفعا، شديد الاعتزاز بسمعته وكرامته الشخصية والوطنية ومن امثلة نزاهته وتجرده انه رفض تعيين ابن اخيه (توفيق السعدون) بوظيفة صغيرة، مع انه كان شابا كفوءا ومثقفا ومتخرجا في كلية الحقوق، وقال لا يسوغ ان اوظف اقربائي وانا في منصب وزاري، حتى بلغ الامر بتوفيق السعدون (على ما روى لي بنفسه في نادي العلوية ببغداد قبيل وفاته) ان تشاجر مع عمه وبقي غاضبا عليه لمدة طويلة.
وكان السعدون رجلا واسع التفكير، متسامحاً، بعيدا عن التعصب، وكانت في شخصيته جوانب انسانية عالية. وقد حدث مرة ان هاجمه احد الموظفين (او العاطلين عن العمل) وهو في طريقه الى مكتبه وطعنه بمدبة قوية احدثت في وجهه جرحا بليغا نقل على اثره الى المستشفى وكاد يودي بحياته.
ومع ذلك فاجأ السعدون الناس باعلان عفوه عن الرجل الذي احيل الى القضاء، وقال، لا شك انه جائع جدا ودفعه الجوع الى هذا العمل. ولم يكتف بذلك بل اخذ يمد اسره ذلك الرجل ببعض المال من وقت لآخر. فاين هذا التسامح وسمو النفس مما شهدناه في العراق في ايمانها هذه من قطع الاذان واللسان لمن يتفوه بانتقاد بسيط للطاغية بل القاؤه للكلاب الجائعة تمزقه اربا اربا.
كانت جريدة "الاستقلال" التي تصدر في بغداد تتعرض للسعدون بالنقد القاسي وهو رئيس الوزراء، وقد طلعت مرة بمقالة عنيفة في الهجوم عليه، ووصفت السعدون ووزراءه قائلة، ".. وجوه من قردة، وقلوب من خنازير، ارثي نقطة الحياء في هذه الوجوه الصفيقة..".
وفي اليوم التالي طلعت جريدة "التقدم" الناطقة بلسان "حزب التقدم" الذي يرأسه عبد المحسن السعدون، بمقالة ترد فيها على مقالة "الاستقلال" شأن المساجلات الحزبية. فما كاد السعدون يطلع عليها حتى استدعى رئيس التحرير وامره بالكف عن الرد على جريدة "الاستقلال" والتعرض لها، قائلا، "هذه جريدة تكتب بروح وطنية تؤمن بها، فاذا هي هاجمتني بعنف وكان لا بد من الرد، فليكن الرد كريما يا ولدي".
وحين تروي هذه الحادثة اليوم نتذكر رد فعل صاحب التمثال الاخر الذي اطيح به، اذ امر بالقاء احد كبار الصحافيين بل نقيبهم ( عبد العزيز بركات صاحب جريدة "المنار") في حوض من (الاسيد) وتذويب جثته فيه بسبب تهمة قديمة لايعاقب عليها اي قانون ارضي او سماوي بل كان السعدون يتعمد الافادة من انتقادات الصحف لاعمال وزارته، وكثيرا ما صرح في مناسبات سياسية خاصة بان "نقد الصحف قوة لنا في المطالبة بحقوقنا وحاث لنا علىتعديل المعوج من سيرنا"، حتى انه حاول في بعض الاحيان، متعمدا، ان تتسرب مناقشات الوزارة ومواقفها من بعض القضايا الى الصحف المعارضة لكي يستغل انتقادات تلك الصحف في التأثير على مواقف الجهات البريطانية من تلك القضايا.
ولما تولى عبد المحسن السعدون رئاسة الوزراء في عهد الانتداب كان المندوب السامي البريطاني كل شيء في الحكم والسياسة والادارة في الدولة الناشئة وكان هم السعدون استعادة سيادة البلاد تدريجيا. وكان المندوب السامي في تلك الفترة السير هنري دوبز الذي كان رجلا عنيدا متغطرسا وفي احد الايام كان يباحث السعدون، وهو رئيس للوزراء في بعض شؤون الادارة والسياسة، ويتحدث بغطرسته المعتادة، والسعدون يناقشه بالحسنى والمنطق، وبما انصف به من تان وادب رفيع ولما رأى دوبز تصلب السعدون في موقفه قال له بلهجة صارمة. "تريد يا عبد المحسن بك ان تكون ديكتاتورا في البلاد؟".
فاجابه السعدون "لايمكن ان يكون ديكتاتور في البلاد وانت موجود في مركزك هنا". وغضب المندوب السامي وضرب المنضدة التي كانت امامه بيده، وتكلم بصوت مرتفع، فما كان من السعدون الا ان ترك مجلسه وقصد البلاط الملكي وقدم الى الملك استقالته، وعاد الى بيته رافضا موقف المندوب السامي والتصرف الذي بدر منه.
واهتزت دار المندوب السامي للحادث، ولم يسع السير هنري دوبز، على ما عرف عنه من صلابة وخشونة، إلا ان اوفد الى السعدون مستشار وزارة الداخلية البريطاني كينهان كورنواليس (الذي اصبح سفيرا لبريطانيا في العراق في ما بعد) مع كتاب اعتذار، مرفقا بصورته الفوتوغرافية، وعليها اهداء بخطه قال فيه، "تجلة واحترام للسعدون". فوافق السعدون على سحب استقالته بعد إلحاح من كوتواليس.
وكان السعدون في احد الايام في حضرة الملك فيصل الاول، وكان وكيل المندوب السامي هيوبرت يونغ معهما حين غمزه يونغ بعبارة لم يرتح لها، فقال له غاضبا، "لا اقبل منك هذا.. اني اذكرك بانك تخاطب رئيس وزراء العراق.."، ثم التفت الى الملك فيصل معتذرا بادب ولباقة.
وفي يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1929، افتتح الملك فيصل الاول مجلس النواب والقى "خطاب العرش" الذي عرض فيه سياسة الحكومة ومنهاجها، ثم تكلم رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون مجيبا على خطاب العرش حسب التقليد المتبع، وواجه السعدون المجلس بالحقيقة المرة قائلا. لهم "الامة التي تريد الاستقلال يجب ان تتهيأ له، ولا يكون ذلك بالكلام والاقوال الفارغة، فالاستقلال يؤخذ بالقوة والتضحية. ولم يكن السعدون ينهي خطابه حتى رأى المتصيدون في الماء العكر ان يستغلوا مواجهته للنواب بالحقيقة المرة عندما قال لهم ذلك، فسعوا بالوشاية ضده لدى دار المندوب السامي البريطاني احراجا لموقفه، واسمعه بعض النواب كلاما لا تحتمله نفسه الابية، وانتقد بعض النواب سياسة الوزارة مدفوعين بالعواطف، وتمادى بعضهم في التهكم والسباب واتهمه احدهم، وهو النائب الكردي معروف جياووك بما يشبه الخيانة، وترك السعدون وحيدا لمواجهة حملة المعارضين، ولم ينهض احد، حتى من نواب حزبه (حزب التقدم) لمناصرته في المجلس، بل اكتفوا بالتصويت الى جانب جواب خطاب العرش الذي القاه.
وعاد السعدون مساء الى بيته، وترك رسالة الى ابنه (علي)  باللغة التركية، وترجمتها، "ولدي وقرة عيني ومستندي علي، اصفح عني بسبب الجناية التي ارتكبتها، فقد سئمت هذه الحياة واجتويتها. لم اجد في حياتي لذة ولا متعة ولا شرفا ، الامة تتوقع الخدمة، والانكليز لا يوافقون ليس ثمة سند. العراقيون الذين يريدون الاستقلال ضعفاء، عاجزون، بعيدون جدا عن الاستقلال انهم عاجزون عن تقدير نصائح الشرفاء امثالي. يظنون انني خائن للوطن وعبد للانكليز. ما اعظمها من نكبة، انا الذي اكثر الناس اخلاصا لوطني تحت كل انواع الاهانات والمذلات، وذلك من اجل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها ابائي واجدادي مرفهين، ولدي، ان نصيحتي الاخيرة هي:
1- العطف على اخوانك الصغار الذين سيصبون ايتاما والاحترام لوالدتك، والاخلاص لوطنك.
2- الاخلاص المطلب للملك فيصل وذريته اصفح عني يا ولدي.
عبد المحسن.
ترك هذه الرسالة على مكتبه ثم خرج الى الشرفة واطلق النار على نفسه.
ووقع خبر انتحار السعدون على الشعب العراقي وقع الصاعقة، وهرع الوزراء والاطباء والساسة الى داره، كما ذهب اليها الملك فيصل الاول، ووقف امام جسده مذهولا، وهو يقول: "لقد خسرتك انا، وخسرتك البلاد".
وكان لانتحار السعدون، وهو في رئاسة الوزارة، اثاره المختلفة على الشعب، والملك، وسلطة الانتداب.
فقد اثار هذا الانتحار ضمير الشعب والمه واثار نقمته على الانكليز والمتعاونين معهم، وكذلك احرج الملك فيصل واضعف موقفه امام الشعب، وقواه اما الانكليز اما الانكليز فقد احرجهم الامر، واوقعهم في حيرة ووجهت دار المندوب السامي كتابا شديد اللهجة الى الملك فيصل اشارت فيه الى الهياج الذي احدثه نشر كتاب السعدون او وصيته في الصحف مما ادى الى الاخلال بالهدوء والسكينة، بخاصة العبارة التي وردت فيها "الامة تريد الخدمة، والانكليز لا يوافقون"، اذ اثار ذلك نقمة الرأي العام عليهم، وخرجت الجماهير تهتف هتافات معادية للانكليز مثل "عبد المحسن نأخذ ثاره" و"ساعة يا لندن مرهونة".
وارسل المندوب السامي برقية سرية الى حكومته يخبرها بالحادث جاء فيها، "على الفور، يؤسفني ان اخبركم ان السير عبد المحسن السعدون رئيس الوزراء اطلق الرصاص على نفسه في الليلة الماضية.
"وقد قيل لي انه كان منذ مدة مرهقا بنتيجة المطالب الموجهة اليه من زملائه ومؤيديه، والتي كانت تتضارب مع وجهات نظره في واجباته نحو البلاد وولائه لزملائه البريطانيين، ان وفاته خسارة عظيمة للبلاد، ولنا".
وقررت الحكومة العراقية على اثر هذه الحادثة المؤلمة، اقامة تمثال لعبد المحسن السعدون في بداية شارع من اهم شوارع العاصمة اطلق عليه اسمه ايضا، وهو شارع السعدون.
اما الناس في بغداد، فقد تناقلوا على اثر الحادث اقوالا واشاعات مفادها ان انتحار السعدون كان بسبب حال غير طبيعية من الكآبة واملرض النفسي الذي كان كامنا لديه، وان الامر كله لم يكن يستوجب الانتحار. لم ينج اي سياسي في العراق من اتهامات عنيفة يكيلها له خصومه بالحق او بالباطل. وقد كان بامكانه ان يستقيل مثلا، او يعتزل الحياة السياسية، وكان في ذلك ما يكفي لصيانة كرامته وتضميد الجرح الذي شعر به وقد تعززت ادعاءات القاتلين بذلك الرأي على اثر انتحار ولده (علي) ايضا بعد والده بسنوات، اذ اخذوا يعزون الامر الى حال نفسة وراثية.
وقال آخرون: "فتش عن المرأة"، وذهبوا الى ان زوجة عبد المحسن السعدون كانت تزعجه بدرجة لا تطاق وتنغص عليه حياته، مما سود الدنيا في عينيه، وجعله يكره الحياة، فعمد الى التخلص منها في لحظة يأس قاتل ولكن، اذا صح هذا التاويل، فما معنى رسالته الى ولده، وما معنى ما اوصاه به من وجوب الولاء والاحترام لوالدته؟
ان الدراسات التي صدرت عن عبد المحسن السعدون حتى الان معدودة، وهي لم تتناول هذه النواحي ولم تلق عليها ضوءا كافيا، فهي عبارة عن سرد لوقائع حياة الرجل منذ ولادته حتى وفاته، من دون تحليل لشخصيته ونفسيته وحياته اليومية وعاداته الشخصية وارائه في الناس والحياة، وظروف انتحاره وملابساته المعقدة، وبواعثه الانية والكامنة.
وذلك فان معظم تلك الدراسات ليست الا (سيرة رسمية) تكاد تكون خالية من الجوانب الانسانية.
ان الرجال المتفانين في خدمة اوطانهم، والذين يضحون بحياتهم في سبيل كرامتهم ومبادئهم هم اناس غير اعتياديين ولا يحفل تاريخ البشرية منذ اقدم عصورها بغير عدد قليل جدا من الرجال الذين اقدموا على ما اقدم عليه عبد المحسن السعدون، وان سير اولئك الرجال تبقى منارا للاجيال التالية، وتكون دروسا رائعة في الفداء ونكران الذات. وفي حياة هذه الشخصية الفريدة في تاريخ العراق الحديث كثير من الدروس والعبر، لاسيما امام ما نشاهده من التخاذل والذل من جانب البعض ازاء الازمات او لدى مواجهة العدو.
ملحق (النهار) 2003