عادل عوني وجريدته (الحوادث)

عادل عوني وجريدته (الحوادث)

شكيب كاظم سعودي
الاستاذ عادل عوني.. صاحب جريدة الحوادث العراقية.. وهي جريدة يومية سياسية تصدر مساء كل يوم.
هو من مواليد 1909 ولد بمدينة الموصل تلك المدينة العريقة بآثارها والتي كانت مثار نزاع كبير بين المملكة العراقية الفنية اول تشكيلها وبين تركيا.

كانت تركيا تطالب بقسم الموصل اليها اثر انتهاء الحرب العالمية الاولى وكانت المملكة العراقية الفنية تدافع عن مدينتها العزيزة بكل ما أوتيت من قوة. وقد عرض موضوع هذا النزاع على عصبة الامم عقب الحرب العالمية الاولى وذهب جلالة الملك فيصل الاول ملك العراق ليدافع عن حق مملكته الجديدة في هذه المدينة. لقد وقف بنفسه امام عصبة الام ليدافع عن حق العراق في مدينة الموصل وقد ربح في كفاحه واصدرت عصبة الامم قرارها العادل باحقية العراق بالموصل.
ونعود الى الاستاذ عادل عوني، لقد كان ابوه مديرا للبوليس في الموصل وكان يعيش حياة ترف في بيت ابيه الكبير، لكن القدر لم يمهله فتوفى ابوه وهو ما يزال في الخامسة من عمره.
اكمل دراسته الابتدائية والثانوية في الموصل ثم سافر الى بيروت ليكمل دراسته العالية هناك. ولكن ضيق الحال ونفاذ ما خلقه له ابوه اضطراه ان يعود الى الموصل عام 1924.
كان يعشق الصحافة ولهذا كان فرحه عظيما حين نشرت له احدى الصحف المحلية وصفا للاستعراض الرياضي الذي اقيم لمدارس العراق في ساحة الكشافة ببغداد، ويضيف الاستاذ عادل عوني فرحته الكبرى حين نشر له ذلك المقال فيقول..
(ولقد طرت فرحا وخيل الي يوم صدرت الجريدة للاسواق وفيها مقالي خيل الي ان الناس كلهم قرأوا ذلك المقال.
وكان نشر ذلك المقال بداية تحول عملي في حياته جرفه تيار الصحافة فاتخذ منها مهنة بعد ان كان مجرد هاو من هواتها.
كان يكره السياسة ولهذا فان اول مجلة اصدرها باسم "الميثاق" كانت مجلة ادبية فنية واعتبرت وقت صدورها فتحا جديدا في ميدان الفن الصحفي بالعراق، وقد عاشت هذه المجلة سنتين اصدر بعدها مجلة اخرى باسم "الحديث" وكانت ادبية فنية ايضا. لكنها تعطلت بعد ستة اشهر فاصدر جريدة ادبية باسم "البعث" لم تلبث الحكومة ان امرت بتعطيلها.
وجاءت نقطة التحول الاخرى في حياته عندما طلب امتيازاً (رخصة) باصدار جريدة جديدة ولكنهم اظهروا انهم لن يسمحوا له باصدار جريدة الا اذا وافق ان تكون هذه الجريدة احسان حال (حزب الوحدة الوطنية) الذي كان يرأسه السيد علي جودة الايوبي، وكان رئيسا للوزارة انذاك.
وهكذا ارغم على الاشتراك في المعترك السياسي وصدرت جريدة "الوحدة" لسانا لذلك الحزب، واندفع الاستاذ عادل مهاجم خصوم الوزارة وحزبها هجوما عنيفا بلا رحمة ولا هوادة وكان قلمه لاذعا شديداً.
ولهذا ما كاد الحزب يتخلى عن الحكم حتى كانت جريدة (الوحدة) اول جريدة تغلقها الحكومة الجديدة، وكانت النقمة عليه شديدة بحيث باءت بالفشل كل محاولاته لاصدار جريدة جديدة.
وهنا اضطر للاشتغال محررا في جريدة البلاد التي كان يصدرها معالي المرحوم الاستاذ روفائيل بطي. وفي نفس الوقت كان مراسلا لجريدة الاهرام المصرية وجريدة الدفاع بفلسطين ووكالة اناضولي التركية، ثم عمل محررا في جريدة الزمان حتى سنة 1939 حيث اصدر جريدة فكاهية باسم "ابي نؤاس" ولكن الحكومة الغت امتيازها بعد ستة اسابيع.
وفي عام 1940 اصدر جريدته (الحوادث) وكان تبويبها مبتكرا بحيث قلدتها جميع صحف بغداد، وخلال الحرب العالمية الاخيرة عانى هذا الرجل الكثير من الويلات والمتاعب وتحكم الرقابة وسيطرة السلطات الحاكمة، ومع هذا فقد استطاع ان يسير بالجريدة في هذا الجو المضطرب واستمرت الحوادث في خطتها القومية حتى الان حيث تعد من الصحف المحترمة المعدودة في العراق.
والحوادث جريدة سياسية مستقلة ولكن صاحبها يعلن انه من المؤمنين بسياسة فخامة السيد نوري السعيد وبهذا الايمان يندفع في تأييده بالدفاع عن سياسته التي يجد فيها خدمة للقومية العربية ولوحدة العرب.
هذا الرجل المحامي الذي كان يرى حب الصحافة في دمه منذ نعومن اظفاره انه لم يكمل دراسته العالية لان الظروف التي احاطت به لم تهيء له ما هيئت لاولئك الذين نجحوا في حياتهم الدراسية وفشلوا في ميدان العمل محك الرجال.
ولكنه بتلك القابليات التي منحها له الله استطاع ان يجعل من هذه الحياة الواسعة اكبر جامعة دراسية، لقد تخرج في جامعة الحياة التي تخرج فيها الكثيرون من ابطال التاريخ.
لقد درس الناس. ودرس الحياة واختط لنفسه الطريق التي يرضى فيها ميوله الصحفية ويخدم منها ذلك المبدأ الذي آمن به منذ فتحت عيناه للنور. انه يؤمن بوحدة العرب وبقومية العرب، لقد استخدم في خدمة مبدئه هذا تلك الميول الفنية التي دفعته لاصدار صحيفتين فنيتين. لقد جند كل امكانياته للخدمة في الميدان السياسي الذي دفع اليه مضطراً.
هذا الرجل متزوج وله ولد واحد وثلاث بنات ويقيم في بيت يوحي اليك كل ركن فيه انه بيت شاعر وليس بيت صحفي له مكانة في ميدان الصحافة السياسية بالعراق.
هذا الرجل يريد ان يتحدث ليس لزملائه من رجال الصحافة الامريكان فحسب انما يريد ان يخاطب الشعب الامريكي كله. ومن حق رجل الصحافة ان يخاطب الشعب الذي ينتمي اليه ومن حقه ايضا ان يخاطب كل شعوب العالم.
ان الشعب العربي يستمع الى ما يحدثه به رجال الصحافة الامريكان في كل جزء من اجزاء العالم العربي. ويريد الاستاذ عادل عوني صاحب جريدة الحوادث العراقية ان يتحدث اليوم الى الشعب الامريكي.
انني اسجل الان ما يقوله الاستاذ عوني..
"لقد تعرفت على الكثيرين من الامريكان في حياتي الصحفية ومنهم ساسة بارزون ودبلوماسيون ورجال صحافة اذكر منهم المستر وبندل ويلكي الذي طاف العالم بعد فشله في الانتخابات الامريكية ووضع كتابه عن تجواله.
والمستر لوى هندرسون الذي كان وزيرا مفوضا لبلاده في العراق ثم تولى منصب وكيل وزارة الخارجية لشؤون اسيا والشرق الاوسط وابعدته الاصابع الصهيونية عن منصبه هذا لأنه عرف العرب على حقيقتهم ولمس عدالة قضيتهم ودافع عنهم باخلاص وحماس.
وعرفت اشخاصا آخرين لا اجد من الوقت متسعا لذكرهم، فلمست منهم انهم جميعا كانوا يجهلون كل شيء من العرب وانهم دهشوا عندما لمسوا حقائقهم بايديهم، انهم كانوا يظنون ان العرب شعب لا يختلف في شيء عن النور او البدو الرحل، يتشبط في ظلال الجهل ويعيش حياة بدائية كما كان يعيشها الانسان قبل الفي عام.
وكنت كلما سمعت شيئا من هذا القبيل من احد الامريكيين كنت اتمنى ان املك ثورة ووكفلر او فورد لاجلب الشعب الامريكي تباعا الى البلاد العربية ليشهدوا بانفسهم اننا شعب له تاريخ عريق في المدينة واننا لا نقل الان مدنية عن العالم المتمدن، ولا ابالغ ان قلت اننا نمتاز عن هذا العالم بالصدق والوفاء والاخلاق والامانة وجميع الخصال والمزايا التي بشرت بها الانسان جميعا، ولكن همنا الوحيد اننا مقصرون كثيرا في  مجال الدعاية لانفسنا وخصومها يتفوقون علينا في هذا الميدان مع الاسف. مع اننا نملك من الامكانيات والثروات والذكاء ما تستطيع معه ان تتغلب به على هؤلاء الخصوم لدينا مثلا النفط ان قطعناها عن العالم الغربي فانه يتوقف حالا عن العمل كما يتوقف محرك السيارة عندما ينضب منها البترول مثلا.
وعندنا من الانفس والثروات ما لا يستطيع العالم الغربي ان يستغني عنه، وان استغني عنه فانه يرجع الى حالة البداوة التي يوسفوننا بها ظلما وعدوانا.
انني على هذا الاساس وبهذه الروح اخاطب الشعب الامريكي كفرد يقدر هذا الشعب ويقدر اهميته وضرورة وجوده لمدنية القرن العشرين والاسلام العالمي. فاطلب اليه ان يهتم بهذا الجزء من العالم ويسأل عنه الامريكيين الذين درسوا اوضاعه عن كثب ليعرض مدى اهميته للمدنية الحاضرة وان يقف هذا الشعب لمساندتنا في تحقيق اهدافنا في الحياة وهي لا تختلف باي شكل من الاشكال عن اهداف الشعب الامريكي نفسه في الحياة.
انني اسكن في ضاحية فيها اربعين دارا يشغل تسع وثلاثون منها مهندسون وخبراء امريكيون يقيمون مع عائلاتهم واطفالهم. وقد اختلط اولادي بهم كما اختلطت انا بهم جميعا فامت لهم حفلة تعارف عندما انتقلوا الى جوار داري وتوطدت اواصر الصداقة بيننا فصرنا كما لو كنا من شعب واحد او امة واحدة تجمعنا الانسانية النبيلة بحيث ان بعض افراد هذه العوائل عندما كانوا يسافرون الى امريكا في اجازات واشغال كنت اجدهم يبكون في العطاء وعندما كنت اذهب انا وزوجتي واولادي لوداعهم.
ولابد لاحد هؤلاء الامريكان الذين جاورونا ان يقرأ هذه الحقيقة في امريكا فيبعث الى الصحف الامريكية بتأييده لما اقول.