حين رفض أبو التمن كرسي الوزارة

حين رفض أبو التمن كرسي الوزارة

علي الظالمي  
عندما بلغت الجهود في سبيل جمعية السعي لمكافحة الامية المرحلة المتقدمة كان لابد لكي تنجح في أداء رسالتها ان ينتسب اليها بعض الوجوه البارزة في البلاد في وقت كانت فيه لمثل هذه الاعتبارات الاجتماعية أهميتها القصوى.

اتجهت الانظار أول ما اتجهت الى جعفر ابو التمن زعيماً وطنياً يمكن ان تعطي مشاركته العمل في الجمعية وزناً لها وهنا لابد من وقفة مع أبو التمن نتبين فيها موقعه في الحياة العامة يوم استجاب لدعوة الجماعة موقع لا يمكن فهمه دون استذكار الماضي.ئ ولد جعفر أبو التمن في محلة (( صبابيغ الآل )) بالرصافة في بغداد عام 1881 من عائلة عراقية عربية من عائلات بغداد القديمة وقد نشأ في أسرة تجارية اذ كان جده (( الحاج داود )) صاحب تجارة واسعة يتعاطى بيع وشراء التمن ( الرز) وبيت مفتوح معتزاً بدينه اعتزازه بتجارته فاشتهر بين جماعته بالغنى والتقوى وعرف بين أهل بغداد بالذكر الحسن . في هذا الجور الذي شب فيه أبو التمن وترترع وجد فيه جده من دون أقرانه آيات الفطنة فعني بع عناية خاصة وعهد اليه ببعض الاعمال بل الكثير من اعماله التجارية فقام بها خير قيام كما اشرف على تعليمه مما جعله بالاضافة الى المجالس الادبية التي كان يحضرها في بيت جده ان ينشأ مثقفاً ثقافة عربية دينية اجتماعي الطبع . 
لم يتجه جعفر ابو التمن نحو الوظائف الحكومية وانما بدأ حياته العملية بالاشتغال بالتجارة ولما حاول الانكليز بعد احتلال بغداد بايديهم عام 1917 ان يجعلوه ضمن ميشاريهم من الاهلين في القضايا العامة رفض ذلك رفضاً باتاًُ .
وبعد ان انحسرت ثورة العشرين التي كان قد عمل في سبيل بكل جد واخلاص توجه الى الحجاز مع رفاق له فاتصل هناك بالملك حسين ولم يعد الى العراق الا بعد تأسيس الحكم الاعلى حيث عهد اليه الملك فيصل بأحد المناصب الوزارية في الوزارة النقيبية الثانية التي تألفت في أيلول 1922 وهو يعلم ان امام الوزارة القائمة مهمة شاقة هي عقد معاهدة مع بريطانيا فقبل الاضطلاع بالمهمة لاداء رسالة كان يعتقد انه من الواجب عليه اداءها فرفض المعاهد المفروضة على البلاد فرضاً وتنحى على المنصب الوزاري مما رفع من شأنه بين الوطنيين من أهل البلاد ان هذا الذي ذكرناه جعل جعفر أبا التمن يختار لنفسه نهجاً سياسياً هو أقرب ما يكون الى السلبية وعدم الاقرار بالاوضاع والمظاهر الدستورية التي اعقبت خمود ثورة العشرين العراقية لعام 1920 فأسفرت عن نظام سياسي تبيناه من قبل فلم يشترك في الانتخابات الربمانية بل ندد بها بكل وسياة وقد قام أبو تمن بذلك اعتقادا منه بأن الغرض منها المجىء بمجالس تمثيلية بقصد اضفاء مظاهر الشرعية على النظام السياسي الذي كان شاذا من وجهة نظره والذي كان يسود البلاد ويخلع على المعاهدات والاتفاقيات أثواباً من الدستورية وانكمش عن المشاركة في الوزارات المتعاقبة ايماناً منه بانها من صنع الاجنبي والانكليز على وجه التحديد لا تعمل الا رهن اشارته ولا تخطط الا بتوجيه منه وان المؤسسات القائمة جميعاً من مجالس ووزارات لا تستطيع اداء الخدمات المرجوة منها وان الواجب الوطني سقتضي فضها وكشف النقاب عنها وان كان تعاون معها مرفــوض .
ومع ذلك فان موقفه السلبي هذا لم يمنعه وحزبه الوطني العراقي من قبل التعاون مع حزب الاخاء الوطني الذي كان جل اقطابه من اركان الحكومات المتاقبة مثل ( ياسين ) و ( رشيد ) و( حكمت ) فعندما أدرك الاخائيون انهم اكثرية عهدية في المجلس النيابي لا تكمنهم من ممارسة مهمامهم الحزبية والنيابية وحدوا جهودهم مع الحزب الوطني في خارج البرلمان من اجل مناهضة المعاهدة العراقية - البريطانية لعام 1930 ومعارضة الاوضاع الشاذة التي كانت تسود البلاد لقد لقد اتفق الحزبان فيما بيتهما وصارا يعرفان بالحزبين المتآخيين ووضعا وثيقة تضمنت المبادىء التي يسعيان الى تحقيقها كما أخذا يعملان معاً في مناسبات وباشكال مختلفة . وهكذا فان سياسة الكتلة المعارضة كانت تحتوي عل ما يبدو حول تشكيل رأي عام خارج البرلمان يعوض بقوته عن الضعف الناجم عن قلة عددها في داخله كان من أهم ما تضمنته الوثيقة التي عرفت بوثيقة التآخي عدم قبول الحزبين تحمل مسؤولية الحكم والاشتراك فيه من قبل اعضائها الا على أساس تعديل المعاهدة التي اعتبرت فاسدة وجائرة وكانت قد ابرمت بالفعل من جانب مجلس النواب وحل هذا المجلس الذي لا يمثل البلاد فلما وافق (( الكيلاني )) عضو الاخاء على تأليف وزراته الاولى في اذار 1933 وجاء في منهاجها الفقرة المعدلة (( احترام العهود الدولية والسعي لتحقيق الاماني الوطني )) وجد الحزب الوطني نفسه في حل من الوثيقة المبرمة بينها لعدم انسجام ما جاء في المنهاج بشأن المعاهدة معها وبذلك افترق الحزبان عن بعضهما فعاد كل منهما الى خطه السياسي الذي أعترف به .
لم يقتصر موقف الحزب الوطني العراقي على عدم الاشتراك في الوزارة الكيلانية فحسب بل بادر الى نشر نص وثيقة التآخي التي كان قد وقعها الحزبان كما انه وبهد ثلاثة أشهر تقريباً من تولي الوزارة الكيلانية مقاليد الحكم أصدر بينا أوضح فيه دواعي تريثه في بيان موقفه منها وكيف ان ذلك حصل : (( لتوسمه الخير فيها مؤملاً ان يكون الاشتراك والتأليف على النمط المذكور دهاء يأتي بما ينفع البلاد حتى مضت ثلاثة شهور وبدت طلائع أمور لم تكن في الحسبان واذا بالوزارة الكيلانية تسير على قدم الوزارات السابقة وربما جاءت متممة لاعمالها بما هو أشد خطراً على مستقبل البلاد .. لذلك يرى الحزب الوطني من واجبه ان ينبه الى هذه الاخطاء المهلكة قبل وقوعها ويسعى لمقاومتها على قدر الاستطاعة . ولم يكن موقف الحزب الوطني العراقي المعارض هذا هو الوحيد الذي واجهته الوزارة الكيلانية اذ ان بعض الاعيان والنواب مثل نائب الكوت محمد علي محمود عد تغيير (( احترام العهود )) الذي به البيان الوزاري تراجعاً في سياسة الاخائيين اسمعوهم بسببه قارص الكلام أما الاهم من ذلك من ذلك كله فهو فقدان الوزارة لمقامها وهيبتها في أوساط الجماهير التي أدركت التناقض الكبير الذي تنطوي عليه سياستها . ومهما يكم من أمر فان خروج حزب الاخاء على وثيقة التآخي وما بلغه الموقف السياسي من تأزم لسلوك الوزارة اضافة الى ما اصاب الحزب الوطني ذاته من انشقاق داخلي بسبب الاختلاف في المواقف الواجب اتخاذها ازاء الانتخابات النيابية ذلك الخلاف الذي كانت السلطات الحكومية تستثمره لصالحها بقصد تفتيت الحزب وخلق المشاكل والصعوبات له نقول ان كل ذلك دفع بأبو التمن الى ان (( يتبرم بالحياة السياسية ويعزف عن الاستمرار في العمل الحزبي ويظهر ميله الى تأجيل النشاط الحزبي وتجميده الى ان توافي الظروف الملائمة فيعود الى استئنافه)).
في هذه الاثناء بالضبط  قام جماعة الاهالي بمفاتحة جعفر ابو التمن بشأن مساهمته في جمعية السعي لمكافحة الامية فوافق بعد تردد بسبب الوضع الذي اختاره لنفسه الا انه لم يكن عندها على أي حال قد اعلن رسمياً اعتزال العمل السياسي بعد .
ان الحقيقة الاخيرة تتضح بما يلي : اجتمعت الهيئة العامة لجمعية السعي لمكافحة الامية في دار أبي التمن في 25 تشرين الاول لانتخاب الهيئة الادارية فانتخبت كلا من : جعفر أبو التمن ، نصرت الفارسي كامل الجاردجي ، الدكتور فاضل الجمالي ، محمد حديد ، عبد الفتاح ابراهيم وعلي حيدر سليمان ثم اجتمعت الهيئة الادارية المنتخبة بعد ذلك فانتخبت من بين اعضائها جعفراً ابا التمن رئيساً للجمعية ونصرت الفارسي نائباً للرئيس وعبد الفتاح ابراهيم سكرتيراً ومحمد حديد محاســـباً .
أما اعلان جعفر ابو التمن اعتزاله العمل السياسي فقد جاء في البيان الاتي نصه وذلك بعد اسبوع واحد على الاجتماع المذكور وأكثر من ذلك حتماً على بدء الاتصالات معه ومواقفه على العمل المشترك : (( اضطررت والاسف يملأ ملآ قلبي ان اعتزل السياسة وأنا واثق بأن التطورات في نهضات الامم قد علمتنا بانها سوف تضطرنا الى العودة متى حان الوقت للكفاح 12 رجب 1352 و 1 تشرين الثاني 1933

جعفر ابو التمن
ان قبول جعفر ابو التمن المساهمة في جمعية السعي لمكافحة الامية أو الاعلان اعتزاله للعمل السياسي بعد ذلك يشبه الى حد كبير انضمام كامل الى جماعة الاهالي قبل استقالته من حزب الاخاء الوطني تلك الاستقالة التي تمت بعد اسبوع واحد فقط من الاعلان الذكور لابي التمن صورة يبدو فيها ابو التمن وكأنه مهد السبيل لقرار كان على الجاردجي ان يتخذه من
قبل .ومما لا شك فيه ان جماعة الاهالي فيه ان جماعة الاهالي وقد اسعدهم تعاون جعفر ابو التمن معهم في اطار جمعية السعي لمكافحة الامية تبنوا موقفه السياسي الاخير بمزيد من التقدير والاهتمام باعتباره يبعث على التفاؤل في حدوث تطورات جديدة سياسية بالتأكيد يوما ما في المستقبل القريب فقد طلعت الاهالي في اليوم التالي لنشرها بيان اعتزال للعمل السياسي الذي اشار اليه صراحة انه قد يكون امراً مؤقتاً وفي صدر صفحتها الاولى مقال افتتاحي بعنوان ( حادث سياسي خطير - اعتزال جعفر جلبي أبو تمن العمل في ميدان السياسة ) أوضحت فيه بأن مسببات الاعتزال أكبر من ان تكون لمجرد خلافات حصلت داخل الحزب الوطني أو الاشاعات التي راجت حول احتمال دخول أبو التمن واعضاء آخرين من حزبه الى الوزارة الجديدة المنوي تشكيلها ان اعتزال أبو التمن كما قالت الاهالي احتجاج كبير على الموقف السياسي الراهن في البلاد لما يكتنفه من مآس وما يجري وراء الستار من الاعيب ومكائد تفتك بمصالح الشعب وتحطيم قضية البلاد الامر الذي يدعو الشعب الى استخلاص العبر من الاعتزال الذي هو بادرة خير وعامل على اطهار الحقيقة لمن لم يشهدها ويلمسها حتى الان .
وبعد كل التحضيرات التي تقدم ذكرها بدأت الجمعية عملها حين اصدرت بياناً مفصلاً في
( 24 ) صفحة وزعته في كافة انحاء العراق التي يمكن الوصول اليها بوسائط النقل المتيسر انذاك دعت فيه الجمهور الى دعمها ومعاضدتها فيما هي عازمة عليه حوى البيان نبذاً من جهود تركيا وروسيا وايطالياً والمكسيك والصين بقصد الاقتداء بها كما تطرق الى سير مكافحة الامية في البلاد والمساعي التي بذلت من اجل ذلك وما يجب على الحكومة ان تعمله بهذا الشأن تحدث البيان بعدها عن كيفية تأليف الجمعية وواجبات العاملين من اعضائها والمنتمين اليها . اما الختام فكان بالعبارة التالية : ترسل الجمعية هذا النداء الى كل عراقي موظفاً كان أو تاجراً أو عاملاً للانضمام اليها والقيام بواجباتها المترتبة عليها سواء كان عضواً عاملاً أو منتمياً وتدعو الراغبين في جهات العراق الى التطوع في هذا المضمار باسرع ما يمكن لها تأسيس الفروع والمباشرة بالعمل.