الزمن في غواية الساعات

الزمن في غواية الساعات

حسن عبد الرزاق
يحضر الزمن في ديوان(غواية الساعات) للشاعر عدنان الفضلي من خلال رموزه المباشرة او من خلال الايحاء اللغوي. فبواسطة العنوان الذي اختصر المعنى الاجمالي للقصائد  نلمس هيمنة هذا العنصر الوجودي ببعده الفيزياوي على احاسيس الشاعر ومقدار التأثير 

 الذي مارسه على ذاته وماخلفه فيها من خراب موحش لايخلو من زهرة امل تنمو ببطء صاعدة باتجاه شمس الغد العالية.
فقد حضرت اقدام هذا الزمن في معظم القصائد وتركت اثارها القاسية بشكل حفر عميقة على جسد الاحلام التي تصارع مخالب الواقع في معركة الامل واليأس الابدية.
ان هذا الحضور الطاغي له مبرراته الوجودية، فالزمن كما يعرفه ابن سينا هو (جوهر يجري)وهذا الجوهر غير المرئي لايعرف الا من خلال اثاره التي يحدثها في المحسوسات، وحين يراد وصفه شعريا  فان المخيلة  تجمح عن المالوف بعيدا لكي تصوره باكثر من صورة لاتتماثل مع السائد والمالوف:

منذ قصرين ونيف
كان جدي يوميء للتراب
ويقترح النهارات والغيوم
ضمانا للضوء والظل
ان الدالة المكانية هنا حملت دلالة زمانية، حيث القصرين مكانين يرمزان الى تعاقب التواريخ وتبدل الاحوال، فالكوخ رمز لزمن قديم ممتليءبالفقر والعوز، وهو نتاج حقبة زمنية ساد فيها الاستلاب والقهر الاجتماعي والسياسي، اما القصر فقد رمز الى زمن جديد نقيض لسابقه، ومن هنا فأن الدالة غادرت ايقونيتها واتخذت لها دلالة اخرى من خلال الاستبدال الذي مارسه الشاعر عليها.لكنهاماتلبث ان تعود كما هي في قصيدة اخرى، وتطرح معناها المباشر تفسه من خلال اعتماد اسلوب تسمية البعض على اساس انه الكل:

نيسان
ربيع اجلته النوافذ
لحين مغادرة الدخان
والقمصان الايلة للامتلاء
ان نيسان هنا اختصار لموسم الربيع  ومايحفل به من حياة جديدة تتفتح بعد انبعاث ديموزي من موته المتكرر، لكن الشاعر يمنح النوافذ صلاحية تأجيل هذا التفتح لحين توفر الظرف الذي ينسجم و طبيعة الربيع حيث لاوجود لرائحة ولون الموت الاسود ولا بقاء للغيلان التي تسمن من لحم الوطن.
ان الانفصال عن الوقت الذي هو من اجزاء الزمن يعد بمثابة مغادرة للواقع بكل صفاته المرئية والمعروفة باتجاه عالم الخيال حيث تكون الحياة كما تشتهى لاكما تفرض على المرء، تماما مثل لوحة فنية يرسمها خيال غارق برومانسيته، ومهووس بالبحث عن مناطق الجمال والدهشة والبراءة:

يزحزح عينيه قليلا
ويغادر الوقت
ماشيا باتجاه اشباهه
لكن هذا المتزحزح والمغادر  عندما يتماهى مع الواقع المادي ويعيش لحظاته ويشعر بتباطؤ عقرب الساعة ودبيب الخمول فيه، فان سريان الرتابة في العالم  المحيط به يعبر الى روحه ويغلفها بجوه البليد ليقتل الاحساس بحيوية الزمن وتواتر ايقاع امواجه فيحصل السباق العدمي (المتولد من السأم والملل) بينه وبين  الساعة من اجل الوصول الى خط الفراغ الاخير حيث اللاشيء يفرض هيمنته المقرفة على سنوات العمر:

ورغم ان رقاص ساعتك
ينتابه الخمول
الا انك استعجلت الفراغ
وكما يقترن الزمن باليباب والقفر فانه يقترن بالعطاء ايضا  خصوصا عندما تحدد الاضافة اللغوية ذلك المعنى، ف(ازمنة المطر) هي ازمنة الهطول والخصب والنماء التي يفترض ان تنجب بالمحصلة النهائية ثمار الجمال والحب لكن حاصلها لم يجمع في سلة واحدة مع فاكهة الجنان وانما جمع في سلة من سلال الجحيم:

نوارة
لكن ازمنة المطر
ترجمان صخب سومري
ضاع في سلة المعركة
ان الليل حاضنة الكوابيس والاطياف معا، ولكون الشاعر يبحث في الكرى عن ملاذ جميل ينقذه  من عذابات الصحو التي لاتنتهي فأنه يشتهي ليل الشتاء بشكل خاص لكي يؤمن لاطيافه عمرا اطول وحضورا اكثر فيخلق حالة من الالتقاء المريح مابينها وبين الذات المحرومة وهذا بحد ذاته نوع من التعويض الذي تمارسه النفس كميكانزم دفاعي يجلب لها لذة الوصال بمن ترغب  ويجنبها الالم الممض:

حتى اخزن طيفك
منحت نفسي شتاء ابديا
وعندما توسع المسافات الشاسعة من هوة الزمن الفاصلة مابين حبيبين فلابد لأحدهما من ابتكار مسافة مختصرة يعبدها الشوق واللهفة والوجد تردم تلك الهوة وتتيح فرصة اللقاء المتمنى الذي يعيد للروح انتعاشها:

القي اليك بمسافة
فاختصري الزمن الممغنط
واحفري في خطواتك
وشما على قارعة الطريق.
ان حضور الزمن في ديوان غوية الساعات كان حضورا لاشعوريا في بعض القصائد وواقع تحت سطوة الوعي والشعور في قصائد اخرى وفي كلا الحالتين اظهر لنا مفعول هذا العنصر واثره المطبوع  على كيان الشاعر حيث الخشية منه تارة والتالف معه تارة اخرى حسب طبيعة الهواجس المتولدة في داخل النفس.