بين الدكتور سندرسن والأميرة راجحة

بين الدكتور سندرسن والأميرة راجحة

د. كمال السامرائي
طبيب ومؤرخ راحل
كنت ارعى سمو الاميرة راجحة بنت الملك فيصل الأول اثناء حملها الأول من زوجها السيد عبد الجبار محمود، وو من طياري القوة الجوية العراقية وقد احيل على التقاعد بطلب منه بعد ايام قليلة من زواجه من الاميرة وصرت ازور الاميرة في بيتها في كل شهر على نحو منتظم. واستجيب لعيادتها اذا وصلني بطلب منها في اي وقت.

 وكانت تسكن عهدئذ في بيت ماجور متواضع في منطقة الكرادة داخل قريب جدا من بيت شوكت الرسام. ومرت شهور حملها دون شكوى الازيادة في الوزن ومن الارق. وحتى هذه كانت طفيفة لم تضطرني الى علاجها الا بتنظيم الغداء كما ونوعا كما كانت الاميرة راجحة متفهمة وصبورة ولا تطليني الى زيارتها. وفي مساء يوم العشرين من شهر حزيران سنة 1940 حان وقت وضعها. وكان ذلك اليوم قريب جدا من اليوم الذي حددته لولادة جنينها. فولصني نداء تلفوني من زوجها السيد عبد الجبار لازورها. واتحقق من طبيعة شكواها. وحين دخلت مخدع الاميرة كان الى جانبها الاميرة صالحة اخت الملك فيصل الاول، وسيدة اخرى هي اخت زوجها عبد الجبار. واكتشفت بعد فحص الاميرة انها في حالة مخاض صادق. وفحصت موضع الجنين في رحمها فاذا هو يتقدم برأسه في الحوض لا برجليه. وهو الاعتلان الطبيعي الذي كنت اتابعه في الشهرين الاخيرين من الحبل. فطمنت الاميرة على طبيعة حالها وحالة جنينها. وكان زوجها السيد عبد الجبار يقف الى جانبها ويسمع ما ذكرته للاميرة – وسرعان ما اشتدت الام الطلق. وانحشر رأس الجنين في مدخل الحوض. غير انه لم يتقدم الى داخله بسرعة محسوسة وسألني السيد عبد الجبار: كم يطول هذا الحل لتضع الاميرة وليدها؟ فاجبته قد يطول ساعات، وهذا غير مهم طالما كل شيء طبيعي في هذه الولادة، فقال لي معترضا. ولكن الاميرة تتالم ولو ان ذلك لا تظهر علائمه عليها، فهي هكذا دوما صبورة وكتومة. فقلت له ان الام الطلق الولادي ضرورية لانحدار الجنين وولادته. ولولاه لما حصل الولادة، واصف اقول: وانا باق هنا لارى متى يحين ضرورة تداخلي لراحتها وسلامتها، وان القابلة التي الى جانبها كفوءة لتهتم بامرها. وقد اخبرتها متى تطلبني لاعادة فحصها. واقتنع السيد عبد الجبار وبدا عليه شيء من الاطمئنان، وتوجهنا معا الى حديقة بيته لنجلس على مرجوحة في احد اركانها غير ان القلق مازال يطوف على وجهه بالرغم من ظاهر هدوئه وقلة تحدثه الي. ورفه على خاطره واراد ان يتكلم، فسالني ان كان يستطيع ان يرى الاميرة فاجبته: لا مانع ان تبقى الى جانبها حتى يحين الوقت الذي يسبق اندفاع الجنين. فنهض ودلخ داره ولم يطل فيه حتى عاد وهو يحمل بيده سبتا مليئا بالفواكه، ولم يمكث طويلا الى جانبي على المرجوحة حتى نهض ودخل الدار مرة اخرى ثم عاد وهو يحمل طبقا من الحلوى، وانا اعرف معنى ما يفعل فقلت له: اهدأ ياسيد عبد الجبار فليس في حالة الاميرة ما يقلق، وطالت الام الاميرة وزوجها الى جانبها، وكنت وحدي في المرجوحة فغلبني النعاس فنلت منه نوما متقطعا وانا اسمع في خلال ذلك حين انصت بتركيز الى مايجري داخل البيت. الا ان ذلك لم يزح عن عيني الوسن وصرت بين اليقظ والنائم حين ندستني باطراف اناملها القابلة وهي تقول لي: اعتقد ان فحص الاميرة قد وجب الان، اذ قد مضى وقت كاف دون ان يتقدم رأس الجنين في الحوض. كما بدا التعب على الاميرة. فنهضت من مكاني اتبع القابلة الى مخدع الاميرة، وبعد فحصها ارتايت ان اسحب الجنين بالملقط الولادي لاوفر للاميرة اطالة الام المخاض. وكنت الى هذه السنة امارس التوليد بالملقط في بيوت المواخض على طريقة استاذي الدكتور حبقاري دون استعمال التخدير بدعوى ان الام الطلق اشد من الام تطبيق عملية الملقط. فضلا عن عدم توفر من يعمل بالتخدير من الاطباء في تلك الايام وتطبيق هذه العملية في غير المستشفى لا تخلو من الاذى وقد لا تخلو من الخطورة ايضا، غير انها كانت تمارس بهذه الكيفية بطلب ملح من اهلها ليتحاشوا حملها الى المستشفى الذي لم يلمسوا منافعه بعد، وفي حالة الاميرة راجحة كان لزاما علي ان اطلب طبيبا مخدرا. كما يتعين علي ان اخبر الدكتور سندرسن باعتباره طبيب العائلة الهاشمية في بغداد عن قراري بتوليد الاميرة بالملقط، ورايت ان اخبر الاميرة اولا بهذا القرار. ولما قلت لها انني ساطلب الدكتور سندرس ليشاركني في هذه المسؤولية. قالت لي بامتحاض، ابعد عني هذا الرجل يادكتور فاني لا اريد ان اراه، فقلت لها اذن ساكتفي باخباره فقط. فقالت ، ولا اريد ذلك ايضا. وانا اقرر مصيري بنفسي. وعمتي الاميرة صالحة وزوجي يشهدان على ذلك، وحاولت تلفونيا ان احصل على طبيب مخدر فاخفقت فلم يكن يومها ثمة اختصاص في التخدير. فكل طبيب يستطيع ان ينهض بعملية التخدير بالطريقة البدائية التي كنا نمارسها برش مزيج من الكلوروفورم والايثر على قناع يغطي انف المريض وفمه. فشرحت ذلك للاميرة وضرورة استدعاء الدكتور سندرسن اضطرارا فاجازتني على مضض لاستدعائه ليقوم بعملية التخدير، وحين استدعيت الدكتور سندرسن تلفونيا كانت الساعة قد اقتربت من الخامسة صباحا. ونقلت اليه قراري في تطبيق الملقط. ولما سألني: وما حاجتك بي؟ وكفاية انك اخبرتني بذلك، والامر من اختصاصك، فقلت له ولكنني احتاج الى من يخدر الاميرة، وسمعت الدكتور سندرسن يقول لي: ساتوجه اليك حالا. وسامر في طريقي الى صالة العمليات في المستشفى الملكي لا اخذ منها قنينة المخدر وقناعه وساقوم انا بتخدير الاميرة واستدركت اقول له ان ياتي ايضا بادوات الملقط الولادي. ووصل سندرسن بيت الاميرة بسرعة لم اتوقعها، وهو بكامل لباسه وكانه ذاهب الى حفلة ساهرة او عائدة منها. وحيا الاميرة راجحة فردت عليه بتحية تخلو من الصميمية والحرارة. وتجاهل سندرسن موقفها وتشاغل عنها بخلع سترته. وشرع برش المخدر على القناع الذي غطى به انف الاميرة. وهذا المخدر قوي الرائحة خانق فقاومته الاميرة بقوة خارقة من يديها. وحاولت ان تنهض فاعدناها الى فراشها. وحاول سندرس بمعسول الكلام ان يخضعها لتستلقي هادئة وتستنشق المخدر بارتياح وهدوء. وقال لها (كوني فتاة طيبة واسترخي) فما سمعت الاميرة هذه العبارة حتى مسكت قناع المخدر ورمته على وجه سندرسن، فاستغربت من قوتها المفاجئة. وهي على وشك ان تغط نائمة تحت تاثير المخدر، وزارت كاللبوة الجريحة تخاطب د. سندرسن بلغة خليط من العربية والانكليزية (كنا مؤدبا يارجل، وخاطبني بلقب اميرة، ولا ننس انني بنت الملك فيصل الاول، ولست اي بنت، وافضل الموت على ان لا تخاطبني بكامل اسمي) وبهتت سحنة الدكتور سندرسن وتهدل حنكه فاسرع الى الاعتذار منها غير انها بقيت خانقة مخيفة فرأيت ان اشرح للاميرة ما قاله الدكتور سندرسن وان عبارته عانوفة عند ملته الانكليزية، وانه لا يقصد بها الاهانة باي حال. فردت الاميرة تقول (بل هي الاهانة بالنسبة لي واية اهانة) وعاد الدكتور سندرسن يعتذر منها وهو يعلم ان من سلوك المهنة ان يحتمل الطبيب شتيمة المريض. فكيف اذا جاءت الشتيمة من هذه الاميرة. وعاد تبوجس المخدر على القناع حتى نامت الاميرة واتممت عملية التوليد بسلام. وكان الوليد بنتا سميت "حزينة".
عن كتاب في الثمانين
بغداد 1983