المجمع العلمي العراقي..التأسيس والمسيرة

المجمع العلمي العراقي..التأسيس والمسيرة

عبد الحسين البغدادي
باحث تراثي
كانت لجنة الترجمة والتأليف والنشر تشغل البناية الكائنة خلف الاعدادية المركزية للبنين قبالة نادي الضباط تشاركها في البناية مديرية التربية الرياضية، وحين صدر نظام المجمع في 26/11/1947 تقرر ايجاد بناية تليق به.

فكانت دار السيد عبد الله لطفي، الواقعة قرب مديرية الاوقاف العامة، خلف جامع الملك وبقي المجمع مثابرا على ايجاد بناية له، ففكر في اشغال (المدرسة المستنصرية) فذهبت مع عدد من الاعضاء ، ولدى الكشف عنها وجدناها غير ملائمة ، مما اضطر المجمع لاستئجار دار واسعة في الوزيرية تعود الى ورثة المرحوم رؤوف الكبيسي ببدل سنوي قدره 1150 دينارا، ولما خفضت ميزانية المجمع فيما بعد ، اصبح من الصعب عليه وضع هذا البدل العالي، فانتقل الى دار اخرى في شارع الزهاوي تعود الى الانكورلي، وكان يسكنها الاستاذ الحصري.
وحاول المجمع ان يحصل على قطعة ارض من الاراضي العائدة الى وزارة المعارف في جانب الكرخ والمنوي –انذاك- انشاء المتحف العراقي عليها وحصلت موافقة الوزارة على ذلك فخصصت له سبعة الاف متر مربع.
واقترنت بموافقة وزارة المالية ايضا ، وما كاد المجمع يسجل الارض باسمه حتى عارضت ذلك بعض الجهات الرسمية وبدأت بوضع العقبات ومنها الغاء فكرة تأسيس المجمع نهائيا ، ولكن المجمع بذل جهودا جبارة في سبيل الحفاظ على ما بناه وحققه في المجال العلمي. وحين خفضت ميزانيته لم يعد قادرا على القيام بمشاريعه مما اضطره الى الاستغناء عن بعض موظفيه وايقاف بعض مشاريعه كما سنبين ذلك وشيكا،  الا انه بقي يلح في الحصول على الارض ليتخلص من دفع بدلات الايجار الباهظة، وتكللت مساعيه بالحصول على قطعة ارض في الوزيرية مساحتها 2500م2، وهي الارض التي اقيمت عليها بنايته الحالية، وعندما انتهت معاملة تسجيل الارض باسمه بادر فورا الى مفاتحة وزارة المعارف ووزارة المالية لبناء بناية بسيطة ينتقل اليها فوافقت وزارة المالية على صرف مبلغ لايتجاوز الثلاثة الاف دينار لهذا الغرض فشكلت لجنة من السادة الدكتور مصطفى جواد والدكتور احمد سوسة وكاتب السطور للاشراف على العمل وبمعرفة المهندسين الذين اختارتهم وزارة المعارف للتنفيذ واخيرا تم اكمال البناية حسب التصاميم التي وضعتها وزارة المعارف، وبقيت فضلة من المبلغ المخصص بنيت به غرفة اضافية ومرافق اخرى، وما تبقى من المبلغ اعيد الى الخزينة المركزية.
ولما كثرت الكتب التي المراد نشرها، قرر المجمع ان تكون له مطبعة خاصة به، وعهد الى الاستاذ الاثري ومتي عقراوي وجواد علي، دراسة الموضوع ومفاوضة احدى الشركات لتجهيز المجمع بمطبعة حديثة، الا ان تخفيض الميزانية اضطر المجمع الى التفكير بشراء مطبعة مستعملة من انكلترا بمعرفة السيد قاسم المنجد –مدير مطبعة الحكومة انذاك –وتمت عملية الشراء وقمت انا باجراءات فتح الاعتماد اللازم في مصرف الرافدين نيابة عن المجمع، بقيمة 600 دينارفقط، وعند وصولها الى بغداد اتصلنا بمطبعة الحكومة لارسال احد المنصبين الفنيين، فارسلت ابراهيم الهايس الذي قام بنصبها، اما الحروف فقد تمكنا من الحصول عليها من المتيسر في بغداد، ومن مسبك الشرق في القاهرة، وتم تعيين طباع واحد وثلاثة منضدين (مرتبين) وفيها طبعت كتب المجمع ومجلته ونشراته، ولما توسع العمل ، عين لها ملاحظ وعدد آخر من المنضدين.
مكتبة المجمع:
عندما كانت لجنة الترجمة في البناية الكائنة خلف الاعدادية المركزية ثم انتقلت الى اماكن اخرى، انتقلت معها الكتب داخل صناديق غير مرتبة بعدها الت الى المجمع ولم تكن هذه الكتب كما اسلفت مصنفة ومسجلة في فهارس وحين استقر الوضع في دار السيد رؤوف الكبيسي عينت ملاحظا للمكتبة –اضافة الى اعمالي الاخرى-فبادرت اولا الى تصنيفها وجردها وترتيبها وتسجيلها في السجلات ، وحيث انني لا امتلك خبرة في علم المكتبات، لذا بدأت بقراءة ودراسة طريقة (ديوي) في ترتيب المكتبات، كما استعنت بالطريقة المتبعة في مكتبة الاثار القديمة العامة، التي كان الاستاذ كوركيس عواد يشرف عليها، والذي له الفضل الكبير في ارشادي وتوجيهي، وراجعت كذلك طريقة المكتبة العامة في بغداد، والتي كان يشرف عليها الاستاذ نهاد عبد المجيد، واستعنت كذلك بطريقة مكتبة دار المعلمين العالية، ولا اكتم ان هذه المراجعات والتتبعات اخذت مني وقتا وجهدا كبيرين، فكنت اداوم حتى ساعات متأخرة من الليل، وكم كانت فرحتي عظيمة حين وجدت الطريقة التي اتبعتها في التنظيم ما زالت متبعة حتى الان.
 
الشعبة الفنية :
*اسس المجمع شعبة فنية، زودها باحدث الالات التي استوردها من انكلترا ومنها جهاز (فوتوستات) لتصغير الكتب والخرائط وجهاز (مايكروفيلم) للتصوير وفانوس سحري، وجهاز سينمائي وجهاز قراءة، يدير هذه الشعبة ملاحظ فني يعاونه مستخدم واحد، وقد قامت بخدمات جليلة للباحثين وللدوائر الحكومية ولمكتبة المجمع.
*دأب المجمع على دراسة المصطلحات الفنية التي ترد اليه من مختلف الدوائر، ليضع ما يقابلها من كلمات عربية،ومن هذه الدوائر مديرية السكك، والبرق والبريد والموانئ ووزارتا الداخلية والمالية.
المحاضرات :
*نظم المجمع محاضرات كثيرة دعا اليها المهتمين بالثقافة والعلم والادب، فكانت اولى المحاضرات محاضرة الشيخ الشبيبي في قاعة فيصل، كما القيت محاضرة للدكتور شريف عسران،وللدكتور محيي الدين يوسف،وللبروفيسور كيوم، كما القى المستشرق لويس ماسينيون ، محاضرة في بناية المجمع بشارع الزهاوي وكذلك القى الاستاذ متي عقراوي محاضرة عن اليونسكو ، والقى الاستاذ منير القاضي محاضرة عن اسلوب القرآن الكريم ومفرداته  ومحاضرة للدكتور هاشم الوتري عن الهيئة الصحية العالمية ، ومحاضرة عن الادب العراقي في العصر المغولي، القاها الدكتو رمصطفى جواد، وعن الفلسفة العربية في اوروبا القى الدكتور جواد علي محاضرة ممتعة اما المستشرق ج د اندرسون فقد القى محاضرة عن دراسة الشريعة الاسلامية ومن المحاضرين الاستاذ شيت نعمان عن العلوم الحديثة واللغة العربية والدكتور احمد سوسة عن ري العراق والعلامة الاثري عن الجغرافية عند المسلمين وكثير من الافاضل وغيرهم.
جوائز المجمع :
*جاء في نظام المجمع  بانه يتوسل لتحقيق اغراضه باقامة مباريات في الموضوعات العلمية والادبية والاجتماعية ومنح الفائزين جوائز مالية فاعلن عن اولى مبارياته في المواضيع التالية:
1-التحديد في الادب العربي.
2-اصلاح القرية العراقية.
3-الحشرات والافات الزراعية في العراق.
4-اجود كتاب مطبوع للفترة من 1948 الى 1949 ونشرت الدعوة في الصحف والاذاعة ففاز في (اصلاح القرية العراقية) كتاب الاستاذ جعفر الخياط وفاز بجائزة اجود كتاب، السيد عبد الرزاق الحسني عن كتابه (تاريخ العراق السياسي الحديث) وفاز كتاب الدكتور عبد العزيز الدوري (تاريخ العراق الاقتصادي في القن الرابع الهجري).
*المجمع حقق وطبع اثارا علمية جليلة، ولكنني اعتبر خريطة الشريف الادريسي التي ترجمها من اللاتينية الى العربية العلامة الاستاذ محمد بهجت الاثري والدكتور جواد علي وطبعاها بمطبعة مديرية المساحة من افضل انجازات المجمع، وكانت الطلبات تنهال عليه من مختلف بلدان العالم ، وكنت خلال رحلتي المتعددة الى اوروبا اشاهد هذه الخريطة تزين جدران المكتبات والمؤسسات العلمية فكانت بحق خير دعاية للعراق.
واعتبر كتاب (تاريخ العرب قبل الاسلام) لايقل اهمية ودعاية عن خريطة الادريسي وهناك ذكريات مضيئة اخرى.
رواد كبار فقدناهم:
*لقد توفي عدد كبير من اعضاء المجمع العلمي العراقي وبفقدهم خسرنا مصابيح مضيئة –عوضنا الله تعالى بمن يحل محلهم – وكان اول المتوفين من الاعضاء العاملين المرحوم شريف عسران 1954 وبعده الاستاذ محيي الدين يوسف، 1959 ومن الاعضاء المراسلين الشيخ محمد السماوي والدكتور علي مشرفة والاستاذ محمد كرد علي واحمد امين وخليل مردم بك، والدكتور منصور فهمي والدكتور عبد الوهاب عزام، ويعقوب سركيس ،اما الذين توفاهم الله بعد انتهاء عملي في المجمع فهم الشيخ محمد رضا الشبيبي والاستاذ منيررالقاضي والدكتور ناجي الاصيل والدكتور مصطفى جواد والدكتور هاشم الوتري والدكتور احمد سوسه والدكتور جواد علي والدكتور احمد ناجي القيسي والدكتور عبد الرزاق محيي الدين والدكتور جابر الشكري، والدكتور كامل حسن البصري كل هؤلاء من الذين اعرفهم ولعل هناك اعضاء لا اعرفهم غادروا الى الرفيق الاعلى ، رحمهم الله جميعا واسكنهم فسيح جناته وعوضنا عنهم بالصالحين.

ذات صلة