الاقتصـــاد المــــاليـزي ..الانتقال من التعدين والزراعة إلى التصنيع

الاقتصـــاد المــــاليـزي ..الانتقال من التعدين والزراعة إلى التصنيع

إيـــاد مهــدي عبــــاس
تمر اقتصادات الدول في فترات متباينة وتحولات تسعى من خلالها الحكومات للخروج من الأزمات والنهوض بالواقع الاقتصادي ووضع سياسات اقتصادية تتلاءم مع طبيعة موارد الدولة وحاجتها الضرورية وبما يساهم في تطوير القطاعات المختلفة وتحسين المستوى المعيشي للفرد في تلك الدول.

والتجارب الاقتصادية العالمية كثيرة يمكن للدول الساعية للنهوض كالعراق الاستفادة من خبرات وتفاصيل تلك التجارب من اجل تجاوز الكثير من الأخطاء والاقتداء بالسياسات الاقتصادية الصحيحة لدول لا تمتلك الموارد الطبيعية الكافية كما يمتلكها العراق إلا إنها تمكنت من احتلال مراكز متقدمة ضمن الدول الصناعية الناجحة في العالم.
ومن ضمن هذه الدول (ماليزيا) التي تقع في جنوب شرق آسيا وهي مكونة من 13 ولاية مقسمة على ثلاثة أقاليم اتحادية، بمساحة كلية تبلغ 329,845 كم2. العاصمة هي كوالالمبور، أما مقر الحكومة الاتحادية فهو في مدينة بوتراجايا , ويبلغ عدد السكان أكثر من 28 مليون نسمة. ينقسم البلد إلى قسمين يفصل بينهما بحر الصين الجنوبي، هما شبه الجزيرة الماليزية وبورنيو الماليزية (المعروفة أيضاً باسم ماليزيا الشرقية). يحد ماليزيا كل من تايلند، اندونيسيا، سنغافورة وسلطنة بروناي.
لم يكن لماليزيا كدولة موحدة وجود حتى عام 1963.وهي اليوم واحدة من أرقى الجهات تعليمياً وصحياً في المنطقة. حيث تعتبر ماليزيا دولة صناعية جديدة..
في العام 2008 كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحو 14,215 دولار، مما يضعها في المرتبة 48 عالمياً وثانياً في جنوب شرقي آسيا، متخلفة عن جارتها سنغافورة.
بدأت ماليزيا في السبعينيات تقليد اقتصادات النمور الآسيوية الأربع (جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية) وجمهورية الصين (تايوان)، ثم مستعمرة التاج البريطاني في هونغ كونغ وجمهورية سنغافورة)، وألزمت نفسها بالانتقال من كونها تعتمد على التعدين والزراعة إلى اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التصنيع. بوجود الاستثمارات اليابانية، ازدهرت الصناعات الثقيلة في غضون سنوات، وأصبحت صادرات البلاد محرك النمو الرئيس. حققت ماليزيا باستمرار معدل نمو محلي إجمالي أكثر من 7 ٪ مع انخفاض معدلات التضخم في الثمانينيات والتسعينيات. تعد ماليزيا اليوم واحدة من أكبر مصنعي الأقراص الصلبة الحاسوبية.
خلال الفترة نفسها، حاولت الحكومة القضاء على الفقر مع السياسات الاقتصادية الجديدة المثيرة للجدل، وخاصة أعمال الشغب العرقية في 13 أيار من عام 1969. كان هدفها الرئيس القضاء على ربط العرق بالوظيفة الاقتصادية، وكانت الخطة الماليزية الثانية أول خطة خمسية شملت تنفيذ السياسة الاقتصادية الجديدة. نجاح أو فشل السياسة الاقتصادية الجديدة هو موضوع جدل كبير، على الرغم من إحالتها رسمياً للتقاعد في عام 1990 وحلت محلها سياسة التنمية الوطنية. ظهرت في الآونة الأخيرة من جديد الكثير من النقاشات حول نتائج وأهمية ما عرف بالسياسة الاقتصادية الجديدة. وقد جادل البعض بأنها نجحت في خلق طبقة متوسطة/عليا من رجال الأعمال والمهنيين الملايو.
يعتبر جنوب شرق آسيا مركزا للتجارة منذ عقود طويلة لتداول السلع المختلفة كالخزف والتوابل حتى قبل ظهور ملقا وسنغافورة على الساحة. في القرن السابع عشر، وجدت هذه السلع في عدة من دول الملايو. لاحقاً، ومع السيطرة البريطانية على الملايو، تم استخدام أشجار المطاط وأشجار زيت النخيل لأغراض تجارية. مع مرور الوقت، أصبحت ماليزيا المنتجة الأكبر في العالم الكبرى للقصدير والمطاط وزيت النخيل. هذه السلع الثلاث، جنباً إلى جنب مع غيرها من المواد الخام، دفعت بوتيرة الاقتصاد الماليزي خلال منتصف القرن 20.
بدلا من الاعتماد على الشعب الملاوي المحلي كمصدر للعمالة، جلب البريطانيون الصينيين والهنود للعمل في المناجم والمزارع وملء الفراغ في الخبرة المهنية. وعلى الرغم من أن العديد منهم عادوا إلى بلدانهم الأصلية بعد انتهاء عقودهم، فإن بعضهم استقر في ماليزيا بصورة دائمة.
ومع سير البلاد نحو الاستقلال، بدأت الحكومة في تنفيذ الخطط الاقتصادية الخمسية، بدءاً من الخطة الخمسية الملاوية الأولى في عام 1955. بناء على ولادة ماليزيا، أعيد بناء وترقيم الخطط من جديد، بدءاً من خطة ماليزيا الأولى في عام 1965.
في آذار/مارس 2005، نشر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) ورقة عن مصادر ووتيرة الانتعاش في ماليزيا، كتبها ك.س جومو من قسم الاقتصاد التطبيقي، جامعة مالايا، كوالا لمبور. خلصت الورقة إلى أن الضوابط التي فرضتها الحكومة الماليزية لم تضر أو تساعد الانتعاش. كان العامل الرئيس هو زيادة الصادرات الإلكترونيات، والذي نجم عن زيادة كبيرة في الطلب على القطع الإلكترونية في الولايات المتحدة.
ولقد تزامنت عودة انتعاش الاقتصاد أيضاً مع الانفاق الحكومي الهائل والعجز في الميزانية في السنوات التي أعقبت الأزمة. في وقت لاحق، تمتعت ماليزيا بانتعاش اقتصادي أسرع مقارنة بجيرانها، حيث عاد اقتصاد البلاد إلى مستويات ما قبل الأزمة على سبيل المثال: عاد مؤشر بورصة كوالالمبور المركب إلى 1386 في 20 حزيران 2007 وهو ما يقرب من 100 نقطة أعلى من الرقم القياسي السابق للأزمة من 1275 في عام 1993.
ينعكس النمو الاقتصادي في ماليزيا في برجي بتروناس، مقر عملاق النفط المحلي في كوالالامبور، وفي حينه خامس أعلى مبنى في العالم.بينما وتيرة التنمية اليوم ليست سريعة إلا أنه ينظر إليها على أنها أكثر استدامة. وعلى الرغم من الضوابط والتدابير الحكومية الاقتصادية قد تكون أو لا تكون السبب الرئيس للانتعاش، فإنه لا شك في أن القطاع المصرفي أصبح أكثر قدرة على مقاومة الصدمات الخارجية. كما أن الحساب الجاري انتهى إلى فائض هيكلي، موفراً الأمان ضد هروب رؤوس المال. عادت أسعار الأصول بشكل عام إلى مستويات ما قبل الأزمة، على الرغم من آثار الأزمة المالية العالمية. ماليزيا أيضاً أكبر مركز مصرفي ومالي في العالم الإسلامي.