معايير الرقابة

معايير الرقابة

إيمان محسن جاسم
 دائما نتحدث عن الرقابة ونطمح لأن تأخذ دورها المتكامل في كافة المجالات وأهمها ما يتعلق بخطط التنمية وتأثيراتها على الاقتصاد الوطني من جهة،ومن جهة أهم، الحد من حالات تفشي الفساد في مفاصل الدوائر والمؤسسات والوزارات العراقية، هذا الفساد الذي يشكل أبرز التحديات التي تواجه البناء السليم للدولة العراقية.

ولقد ظهرت أهمية الرقابة بسبب حجم المشروعات وظهور مبدأ تقسيم العمل والتخصص والشركات المساهمة وما نتج عن ذلك من كثرة العلاقات بين المشروعات المختلفة وتعدد أصحاب المشروع الواحد وتنوع ملاكه بانفصال الملكية عن الإدارة إلي غير ذلك. وبالتالي فإن وجود موازنة كبيرة وخطط استثمارية وتشغيلية تستدعي بكل تأكيد تفعيل العمل الرقابي وفق المعايير الصحيحة والسليمة والمتبعة من قبل دول العالم وأن يتسم الجهاز الرقابي بالحيادية التامة البعيدة عن المحاباة لأي كان.
والرقابة هي إحدى الوظائف التسييرية، فهي تقوم بمسايرة الأعمال ومتابعتها وتقييمها نجدها مرتبطة بكل مراحل التسيير داخل المؤسسة وخاصة التخطيطية منها والتي ترسم الأهداف، فالرقابة تكشف عن مدى تحقيق هذه الأهداف وبمفهوم آخر وأبسط: الرقابة هي قياس الأداء وتصحيحه.لهذا فإن للرقابة أهدافا، الأول هو خدمة الإدارة ومساعدتها في ضمان أن الأداء يتم وفقا للخطط الموضوعة، والثاني يتمثل بمعرفة الأخطاء في الوقت المناسب واكتشاف النقائص ومعرفة مواضيع نشوء الصعوبات و أسبابها بغية إزالتها بأقصى سرعة وبدون تأخير حتى يتواصل ويستمر نشاط المؤسسة أو الوزارة.
ولا ننسى دور الرقابة في تعميم الخبرات الجيدة أي معرفة أماكن تحقيق النجاح واستخلاص النتائج المطلوبة من ذلك بغية تعميم هذه النجاحات على أماكن أخرى في المؤسسة.
لهذا فإن الكثير من المعايير هو تغييب في العمل الرقابي، خاصة ونحن لاحظنا ذلك من خلال المناقشات التي سمعناها في تقييم عمل الوزارات أو ما يقوم به حاليا مجلس النواب بالاستماع للوزراء، وهذا الغياب للمعايير يجعل من العمل الرقابي غير ذي جدوى وبعيدا عن المهنية وأقرب ما يكون للعمل السياسي منه للاقتصادي ذي الأبعاد التي تؤدي لتحسين الأداء والارتقاء نحو الأفضل.
فقد لاحظنا بأن مناقشات أداء الجهات الحكومية، لم تكن مبنية على تقارير مهنية رصينة بقدر ما أنها اعتمدت على خلفية سياسية أو تقاطعات في هذا الجانب وما بين الكتل السياسية في البلد وبالتالي فلم تكن عملية الرقابة لغرض الرقابة بقدر ما هي لغرض التسقيط السياسي.
 ومن هنا نجد بأن مفهوم الرقابة لدينا غابت عنه الأطر العلمية والمهنية خاصة ما يتعلق منها بقضايا عديدة تمت مناقشتها في البرلمان العراقي مؤخراً سواء ما يتعلق منها باستجواب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وعقود الكهرباء التي أثارت ضجة كبيرة في الرأي العام العراقي أو صفقة الزيوت الفاسدة وغيرها.
ولا شك أن أفضل وسيلة نحو بناء إطار متكامل للرقابة يتمثل بوضع وصياغة مجموعة من الأسس العلمية تساهم في توضيح مفهوم الرقابة وتبين العناصر الأساسية التي تتكون منها ووظائفها الرئيسية والأساليب التي تستخدم في تحقيق الرقابة الفعالة ويمكن تحديد هذه المجموعة من الأسس والأساليب عبر تخطيط إستراتيجي و يعتبر كل من التخطيط الإستراتيجي و التخطيط التكنيكي ضرورة حتمية لتحقيق الرقابة السليمة لأنه يضع مستقبل المنشاة أو المؤسسة أو الوزارة على طريق مرسوم بدلا من أن تكون التصرفات مجرد رد فعل للأحداث كما يحصل لدينا في العراق حيث غياب التخطيط من شأنه أن يُغيب الكثير من الأمور الأخرى.
وبالتالي نجد بأن الكثير من الوزارات والمؤسسات العراقية خاصة الخدمية منها تعمل وفق رد الفعل كما حصل في الأشهر الماضية وبعد التظاهرات الشعبية في 25 شباط الماضي ومهلة المائة يوم التي أعطيت للوزراء، نجد بأن أغلب الأعمال التي أنجزت كانت عبارة عن رد فعل لم تأت ثمارها لأنها ابتعدت عن التخطيط والتنظيم واقتربت أكثر من العشوائية وتركت تشوهات كبيرة في البنى التحتية لهذا البلد.