حـــذف الاصـــفار مــــن العملــــة..  بين التوجــس والتفــــاؤل!

حـــذف الاصـــفار مــــن العملــــة.. بين التوجــس والتفــــاؤل!

استطلاع / المدى الاقتصادي
أثارت عملية حذف الاصفار من العملة المحلية  التي اعلن عنها البنك المركزي العراقي في وقت سابق من العملة المحلية جدلاً بين اوساط اقتصادية ومالية، في وقت أثارت ردود افعال لدى اوساط شعبية متسائلة عن الجدوى الاقتصادية لهذا الاجراء الذي سيقدم عليه البنك المركزي العراقي.

(المدى الاقتصادي) استطلعت آراء عدد من الخبراء والاكاديميين حول جدلية حذف الاصفار من العملة المحلية عبر الاستطلاع التالي:
 بين السلب والإيجاب:
-  يقول الدكتور سامر فالح استاذ الاقتصاد في كلية المنصور الجامعة  ان موضوع حذف الاصفار من الدينار العراقي بحاجة الى دراسة معمقة وتمحيص، وعلى البنك المركزي التأني  قبل اتخاذ القرار،لاسيما أن البنك المركزي طرح قضية حذف  الاصفارالثلاث  من العملة الورقية اكثر من مرة في الوقت السابق،الا انها كانت تواجه في كل مرة  معارضة شديدة من قبل المتخصصين والاكاديميين،وذلك  لعدم دراسة الموضوع بشكل دقيق من قبل ادارة البنك المركزي، فضلا عن ان حذف الاصفار من شأنه التأثير السلبي على المشهد الاقتصادي في العراق بشكل عام.
- ويضيف ان النظرة العامة للعملة النقدية لم تعد كما في السابق سواء بالنسبة لعقلية التاجر المحلي او المواطن البسيط، حيث تغيرت كثيرا عن الفترة الماضية، كون المواطن لا يستطيع حاليا حمل عملات حديدة بكميات كبيرة تعادل قيمة النقد الورقي في الوقت الحاضر، ومن هنا نشكك  في نجاح استعمال العملات النقدية، فضلا عن تاثيرات سلبية  على تعاملات السوق المحلية،لاسيما  احتساب قيمة الاوراق المالية والاسهم الموجودة والمعاملات  بالآجل وغيرها.
من جانبه، الخبير الاقتصادي في جامعة بغداد خليل العبودي يقول:  ان عملية حذف الاصفار لها ايجابيات كبيرة على الواقع المالي والاقتصادي في العراق،اذ ستساعد على الاستخدام الواسع في العملة ووفرتها بكميات ضخمة في السوق بين المتعاملين فيها،كما من الممكن نقل اموال معدنية من مكان الى اخر بسهولة تامة، فضلا عن  ان حذف الاصفار من العملة سيساهم في زيادة الانتعاش في الحالة الاقتصادية والمالية للبلاد، وبذلك يكون كل 1000 دينار عملة حديدية صغيرة،فضلا عن الاسهام في زيادة سعر الدينارالعراقي خلال التعاملاات النقدية.
ويضيف:  ان رؤيتي الشخصية تظهر تشخيصا مباشرا للوضع القائم، خاصة بعد تدني معدلات النمو الاقتصادي والمالي في البلاد، الذي بلغ ادنى مستوياته  من القيمة الاسمية مؤخرا، الى جانب وجود نوعين من القيمة الاولى اسمية والثانية حقيقية،في حين ان القيمة الاسمية هي الركن الاساسي من القيمة الحقيقية وهو المعيار الذي يبنى عليها الاقتصاد العراقي.
- ويتابع: أن التضخم المالي الذي يعاني منه العراق قد يستمر إلى عقدين اخرين في المستقبل القريب، خاصة اذا لم تكن هناك إجراءات حقيقية لإصلاحيات مالية مهمة في المنظومة الاقتصادية، لاسيما إن التضخم المالي الذي يعاني منه العراق كما يتوقعه خبراء الاقتصاد والمال سيستمر حتى سنة  2030، بسبب الترهل الاقتصادي الذي عانى منه العراق خلال السنوات الماضية.
 ويشير: الى ان الحكومات التي ترأست العراق اتخذت قرارات أثرت سلباً على واقع الاقتصاد العراقي خاصة تلك القرارات التي تقف وراءها أغراض سياسية واضحة، كما  أن رفع الاصفار من العملة المحلية ليس له أية علاقة في ملف التضخم المالي، خاصة ان  البلاد بحاجة إلى فصل كامل بين القرارات الاقتصادية عن القرارات السياسية، لاسيما  أن التضخم الذي تعاني منه المنظومة الاقتصادية في العراق بحاجة إلى قرارات تتصف بالحاسمة والجريئة  كالغاء المنح المالية الكبيرة التي تمنح للمسؤولين بالإضافة إلى تفعيل النظام الضريبي مع إعادة توازن انتشار الأموال بين المؤسسات الحكومية.
ويوضح: أن مقومات معالجة التضخم المالي غير متوفرة حالياً، كون القرارات مازالت متشابكة بين وزارة المالية والبنك المركزي العراقي مع استمرار الخلافات بينهما بشأن ملف القروض التي تمنحها وزارة المالية للمزارعين والمواطنين والعاطلين عن العمل، كما لابد من تفعيل المنظمات الاقتصادية العالمية واستشارتها في إنقاذ العراق من استمرار التضخم المالي في منظومته الاقتصادية العامة.
- ويقول ان التضخم يعرف في ابجديات الدراسات الاقتصادية بأنه الارتفاع المفرط في المستوى العام للأسعار وارتفاع الدخول النقدية أو عنصر من عناصر الدخل النقدي مثل الأجور أو الأرباح، فضلاً عن ارتفاع التكاليف والإفراط في خلق الأرصدة النقدية،  كما أن موازنة عام 2011 لن تعالج التضخم المالي الذي يعانيه الاقتصاد العراقي بسبب تضخم القيمة الشرائية للسلع والبضائع المستوردة،  فضلاً عن غياب مركزية القرار الاقتصادي في البلاد  والتي لم تقم بوضع الحلول والمعالجات الناجعة  لظاهرة التضخم المالي التي تشهدها منظومة الاقتصاد العراقي خلال السنوات التي تلت 2003بسبب عدم وضع قوانين مالية تنظم عملية تداول تحرك البضائع المستوردة  في الأسواق العراقية.
ويضيف: أن ظاهرة التضخم المالي هي ظاهرة عالمية، لكن مايحدث في العراق في المرحلة الراهنة بسبب فوضى التصرفات المالية  ظهرت بشكل كبيـــر خلال السنوات الماضية، كون الحكومات التي تولت إدارته لم تفرق إطلاقا بين القرارات السياسية والقرارات الاقتصادية البحتة، كما  أن عدم الفصل بين القرار السياسي والقرار الاقتصادي ألقى على منظومة الاقتصاد العراقي ثقل التضخم المالي والذي بدأ يتنامى بصورة كبيرة في الوقت الحاضر، في حين ان البنك المركزي العراقي كان قد اعلن في وقت سابق عن انخفاض نسبة التضخم في العراق إلى 2.7% الأمر الذي شجع على إطلاق السيولة للمصارف بنسبة 5% من الاحتياطي النقدي القانوني الموجود لديه، بهدف التوسع في عمليات الإقراض ودفع عجلة التنميةالاقتصادية والمالية.
 ويتابع حديثه قائلا: ان وجود نسبة من الارتفاع في مستويات التضخم المالي في البلاد، الذي من المؤمل له أن يستمر ذلك لعقدين من الزمن، والذي يتزامن مع الارتفاع الهائل لرواتب الموظفين في السنوات السابقة الذي  تسبب بزيادة التضخم المالي وارباك البنية المالية، كما أن التضخم  يعود إلى اعتماد العراق كلياًً على تصـــدير النفط مع توقف عمل المشاريع الصناعية والزراعية وزيادة استيراد البضائع من دون تفعيل عمل الجمارك.
ويشير إلى أن غياب القرار المالي المركزي وضياعه بين البنك المركزي العراقي ووزارة المالية احد ابرزالمشكلات التي تُزيد ظاهرة التضخم المالي،  حيث يعد توقف المشاريع الصناعية والزراعية وفقدان العملة الوطنية لموقعها مقارنة بالدولار الأميركي،من احد ابرز اسباب زيادة معدلات التضخم المالي، لاسيما أن موازنة عام 2011 اعتمدت على أسعار تخمينية للنفط وليست على أرقام دقيقة،ومن هنا  فأن تضخم أسعار السوق العراقي سيكون في تزايد مستمر.

 منظمات المجتمع المدني
الخبير الاقتصادي في منظمة اعمار واستثمار التنمية الاقتصادية محمد فهد الشمري بيّن: ان عملية تغيير العملة المحلية  ستؤدي الى خسائر كبيرة على الاقتصاد العراقي وتكلف خزينة الدولة اموالا اضافية لاستبدال العملة الموجودة في الوقت الذي تعاني موازنة العام الحالي  من عجز يصل الى 11 مليار دولار، بينما على الجهات المالية والنقدية الرسمية في البلاد  ايجاد موارد جديدة لزيادة وارادات الدولة وتفادي العجز في الموازنة العامة التي تعتمد على ارتفاع اسعار النفط فقط.
ويضيف: ان هناك  ضرورة لايجاد منافذ جديدة للاستثمار ودعم القطاع الخاص وتوسيع موارد الدولة، لاسيما ان سوق الاوراق المالية في العراق بحاجة الى اصدار قانون جديد يتوافق والتطورات الحاصلة في العملية الاستثمارية والاقتصادية في العراق والعالم، خاصة ان الاقتصاد العراقي في الوقت الحالي يفتقد الى الهوية التي توضح ملامحه،وهو سائر على وفق سياسة اقتصاد معينة،فان الازمة بحاجة الى كثير من الاستقرار والرؤية الواضحة.

 البنك المركزي العراقي
يقول  مصدر مسؤول في البنك المركزي العراقي: إن العملة الجديدة ستطبع بثلاث لغات هي العربية والكردية والانجليزية، في حين أن العملة القديمة لن يتم الغاؤها فور اصدار الجديدة وإنما سيتم الإستغناء عنها بالتدريج،حيث لا يوجد فروق في العملة الجديدة، خاصة بشأن الحقوق إزاء سعر الصرف والشراء،  فعندما نريد أن نشتري دولارا بـ 1200 دينار فإننا سنشتريه بدينار و200 فلس.
ويضيف:  أن مشروع حذف الأصفار  ينظم آلية رفع الاصفار الثلاثة للنهوض بقيمة العملة المحلية في التداول الاقتصادي الخارجي والداخلي، وهو يعد مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تقليل معدلات التضخم الذي تعانيه السوق العراقية في الوقت الحاضر، كما انه سيحرر الاقتصاد العراقي من القيود ويعزز قيمة الدينار العراقي في صندوق البنك الدولي.

 مواطنــــــون
حسين شكور 45 عاما يقول:  ان عملية حذف الأصفار من العملة لن تسهم في رفع  القيمة الشرائية لها،كما أن الجهود المبذولة لرفع الأصفار وتغيير العملة الحالية قد يسهم في خلق حالة من التخبط في السياسات النقدية، مقابل عدم حدوث تغييرات في القيمة الشرائية الحقيقة للعملة، كما ان هناك مخاطر لتسرب العملة الأجنبية إلى الخارج بعد إقرار سياسية حرية الصرف،  لاسيما أن مزادات البنك المركزي للدولار اسهمت بشكل كبير في خروج كميات كبيرة من العملة الأجنبية من البلاد.
فيما يقول ضياء الكرطاني موظف متقاعد:إن مشروع رفع الاصفار الثلاثة من العملة العراقية قرارغير مجد ولن يسهم في رفع  قيمة الدينار العراقي بالشكل المطلوب، في حين سيسبب  عند تطبيقه مشكلة أخرى متعددة الأبعاد تضاف للمشكلات الكثيرة التي يعانيها الاقتصاد العراقي المتدهور، ومن هذه المشكلات  إرباك وتشويش السوق في البيع والشراء والديون بين المواطنين، وكذلك إرباك الحالة النفسية التي ستنتاب المواطن العراقي من جراء ظهور ظاهرة جديدة تتطلب الإجهاد الفكري والنفسي للتأقلم عليها وتقبلها بشكل سريع.

ويضيف: ان المشروع وقبل تطبيقه يتطلب عملية سك فئات صغيرة للعملة والتي تمثل أجزاء الدينار الذي ستصبح قيمته فلساً واحداً، علماً أن سك هذه العملات الصغيرة ستكلف الدولة مبالغ كبيرة، ثم إن المشروع لا يعزز قيمة الدينار العراقي، حيث ستبقى قيمته كما هي إذا طرحت كميات متساوية من أخرى متساوية تكون النتائج متساوية.
ويقول رعد صبحي موظف في وزارة البيئة: إن عملية رفع الاصفار الثلاثة من العملة المحلية هي عملية معقدة وهي بحاجة إلى دراسة اقتصادية مستفيضة، كما علينا أن نتعامل مع هذا الموضوع بحذر وتأنّ لأنه قد يتسبب بمشكلات اقتصادية في البنك المركزي العراقي نحن بغنى عنها، كما من المهم طرح المشروع على الرأي العام العراقي مع دعوة ذوي الاختصاص في علم الاقتصاد لبيان رأيهم والاستئناس به.
ويضيف: ان  عدم جدوى المشروع  تتلخص في كونه لا يؤدي إلى رفع قيمة الدينار العراقي كما يعلن المسؤولون في البنك المركزي العراقي،الذين نتأمل منهم اقرار مشروع يهدف إلى رفع قيمة الدينار العراقي الى سابق قيمته ليعود مساوياً لـ(3.33) دولار أمريكي، وذلك من خلال حزمة من الإجراءات والقرارات الجريئة، ومنها اعادة النظر في العملية الاستيرادية الخاطئة وتقليصها، حيث أن الاستيراد المفتوح على مصراعيه يستنزف فائض العملة الصعبة والمودعة لدى البنك المركزي العراقي.
- ويتابع حديثه قائلا:  من الضروري دعم العملة المحلية وعدم طرحها للبيع عن طريق المزاد العلني للراغبين من قبل التجار العراقيين لتغطية استيراداتهم للبضائع، وكذلك إعادة النظر بهدف تقليص الإنفاق العام للدولة ودوائرها في ما يخص استيراد الأثاث باهظة الثمن، حيث يمكن الحصول عليها من السوق المحلية، مما يشجع ويدعم قطاع الصناعة المحلية وتوفير فرص عمل للعاطلين، وكذلك دعم وتنمية قطاع الزراعة من خلال مساعدة الفلاحين وتجهيزهم بالبذور والمكائن الزراعية بهدف زيادة الإنتاج للمحاصيل الزراعية.