اقتصادات الربيع العربي

اقتصادات الربيع العربي

ترجمة / عادل العامل
هل الربيع العربي لحظة من لحظات عام 1989، يا تُرى؟
لقد أعاد انهيار الشيوعية تكوين أوروبا الشرقية سياسياً و اقتصادياً معاً، حين برز اقتصاد السوق النشيط من دبش التخطيط المركزي. و يؤكد المتفائلون أن الانتقالات الديمقراطية في الشرق الأوسط

 و شمال أفريقيا يمكنها أن تحوّل اقتصاد المنطقة الرث. فبلدانٌ مثل مصر و تونس ليس عليها أن تبني نظاما رأسماليا من لا شيء. لكن اقتصاديهما اللذين تهيمن عليهما الدولة يحتاجان لفحص دقيق، مماثل في طبيعته ــ إن لم يكن في وزنه ــ لذاك الذي في أوروبا الشرقية. و للأسف الشديد، و مع كون المهمّة أصغر، فإن هناك أسباباً عديدة وراء إمكانية أن تكون أصعب كثيراً.
فعلى خلاف أوروبا الشرقية، هناك في جميع البلدان العربية (التي لديها ثروة نفطية و التي ليس لديها ثروة نفطية) اقتصادات رأسمالية، حيث تقوم الأسعار و المشروع الخاص بدور كبير. و لو أنها رأسمالية بطرياركية مشوَّهة، تميزها الدولة المهيمنة، و الاحتكارات الكليبتوكراتية kleptocratic، و التنظيم الشديد الوطأة، و الاعانات المالية الهائلة. وهو ما غذّى الفساد، و عرقل النمو، و ترك ملايين الأشخاص من دون عمل. و تمنح أسعار النفط العالية الاقتصادات النفطية ما تواجه به الشعور بعدم الرضا عن طريق الهبات السخية. أما البلدان التي ليست لديها مثل هذه الثروة، فتواجه فوضى مالية متنامية.
و لنأخذ  مصر، مثلاً. فهناك،خارج مجال الزراعة، أكثر من 40 % من الاقتصاد في أيدي الدولة، مع قطعة ضخمة منه تحت سيطرة الجيش. و المزارع الخاصة مختومة بشريط أحمر. و الإعانات المالية، التي تساوي تقريباً 10 % من الناتج المحلي الاجمالي، تضعضع الميزانية. و النتيجة هي أن مصر تواجه سحقا مالياً بالإضافة إلى حاجة عاجلة لتفحص أنموذجها الاقتصادي تفحصاً دقيقاً.
و يحتل أعلى قائمة ما ينبغي القيام به في هذا الإطار إصلاح الإعانات المالية، بحيث تكون حسنات الحكومة مقتصرة على المحتاجين. و تأتي بعده مجموعة من الإجراءات المطلوبة لرعاية المشروع الخاص: تحطيم الاحتكارات، و خفيض حجم هيمنة الدولة و إعادة صياغة التنظيمات بحيث تدعم المنافسة بدلا من التضييق عليها. و يبدو ذلك شبيهاً بنسخة مهزولة من أجندة انتقال ما بعد الشيوعية، حيث تشكل الخصخصة و خلق أسواق تنافسية أولويات أيضاً. و لسوء الحظ، فإن الشرق الأوسط يواجه مشكلتين كبيرتين لم تكن أوروبا الشرقية تواجهها.
أولاً، كان لانتقال أوروبا الشرقية هدف واضح: عضوية الاتحاد الأوروبي. و وفقاً لكل صعوبات الاتحاد الأوروبي الراهنة، فإنه وفّر حافزاً سياسياًً قوياًً و مخططاً مفصلاً للإصلاح معاً. أما اقتصادات الشرق الأوسط و شمال أفريقيا، فليست لديها ما يهديها على هذا النحو. و الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس خياراًً. فبالرغم من أن السياسيين الأوروبيين يتحدثون عن شراكات أعمق مع البلدان الناهضة، فإنهم ما يزالون يرفضون التقليل من حواجز التجارة ذات الشأن، مثل تلك التي على صادرات المزارع. ثانيا، إن الميل إلى الاصلاح أضعف إلى حد بعيد. فالأوروبيون الشرقيون أرادوا الحرية الاقتصادية إلى جنب الديمقراطية. أما في الشرق الأوسط، فالغضب الشعبي على الفساد و البطالة المرتفعة لم يتحول إلى مطالب من أجل إصلاح اقتصادي بالجملة. على النقيض تماماً. ففي مصر وسّعت الحكومة الانتقالية الإعانات المالية و زادت من الاستخدام في مزارع الدولة. و تتّسم اللبرلة الاقتصادية بسمعة بائسة، بفضل إصلاحات في وقت مبكر من هذا العقد تدفقت ثمارها بشكل كبير على أصحاب الشأن. و الحقيقة، أن الرغبة في الانتقام من القطط السمان ساعد في جلب الحشود إلى ساحة التحرير.
و هكذا فإن الانتقال الاقتصادي للشرق الأوسط يمكن أن يكون أكثر انطواءً على العثرات من انتقال أوروبا الشرقية (الذي كان نفسه مساراً وعرا ًأحياناً). و لا بد لستراتيجية الغرب في المساعدة أن تتغير وفقاً لذلك. فحتى الآن ظل التركيز على المساعدة المالية: فقد قدمت الولايات المتحدة لمصر تسهيلات في الديون، و أقرضها صندوق النقد الدولي نقداً مع القليل من الأمور الملحقة. و ذلك أمر يشتري الوقت لكنه لا يرقى إلى الإصلاح. و مستقبلاً، ينبغي أن تُصبح المساعدة أكثر مشروطيةً، و تستهدف إعانة المشروع الخاص. و الأكثر أهميةً من النقد ستكون رغبة الغرب في توفير تجارة حرة و دمج حقيقي بالمصلحين و منفّذي الديمقراطية الحقيقيين.

عن / The Economist