التكامل الاقتصادي ودوره في التنمية

التكامل الاقتصادي ودوره في التنمية

علي نافع حمودي
نجد بأن دول العالم تتجه نحو تكوين منظمات وتجمعات اقتصادية ضمن رقعة جغرافية محددة وبات يعرف هذا بالتكامل الإقليمي، وهو مفهوم حديث نسبياً حيث لم يبدأ استعماله إلا في النصف الثاني من القرن العشرين ورغم هذه الحداثة فإن أدبيات الاقتصاد تزخر بالعديد من الاجتهادات الفكرية

 التي تحاول أن ترسم أبعاد التكامل، وتأثيراته على هياكل الإنتاج واتجاهات التبادل التجاري والاتفاق العام بين الاقتصاديين هو النظر إلى موضوع التكامل من ثلاث زوايا مهمة الأولى:تتمثل بمعالجته باعتباره من أوجه تقسيم العمل بين المناطق الجغرافية، والثانية هي معالجته من زاوية تأثيره على حركة السلع وعوامل الإنتاج،أو كليهما والثالثة من زاوية المفاضلة،أو عدم المفاضلة في المعاملة، بين السلع أو عوامل الإنتاج، وهذه النظرة لا تعني بالضرورة الاتفاق على تعريف محدد للتكامل.
وتختلف مبررات التكامل الإقليمي بين الدول الصناعية والدول النامية، فبينما نجد أن تحرير التجارة بين الدول الأوروبية وبالتالي زيادة الإنتاج كان سبباً رئيساً في قيام السوق الأوروبية،وهو يعني فتح الأسواق وزيادة التبادل لمواكبة التطور الهائل للصناعة،أما في الدول النامية فإننا نجد أن مبررات التكتلات الإقليمية هو انعكاس للأوضاع السلبية التي مرت بها هذه الدول، ومن ناحية أخرى ساهم تدهور شروط التجارة الدولية بالنسبة للمواد الأولية وارتفاعها بالنسبة للسلع الصناعية في خلق الحاجة لإيجاد تكتلات بين الدول النامية المصدر الرئيس للمواد الأولية بهدف تحسين موقفها التفاوضي وإيجاد صيغة تمكنها من الاستفادة من الزيادة في التجارة الدولية، والسيطرة على موادها الأولية وتسخيرها لتطوير هياكلها الإنتاجية لتحقيق أهداف التنمية.
ووفق هذا نجد بأن الدول العربية عامة تصنف ضمن الدول النامية من حيث اقتصادها وخبرتها واعتمادها على مصدر أحادي للدخل ويكون عادة النفط بالدرجة الأولى خاصة لدول مثل الخليج العربي والعراق والجزائر وليبيا. فعلى سبيل المثال نأخذ تجربة مجلس التعاون الخليجي من الناحية الاقتصادية، فهذه الدول أحادية الدخل، تبلغ مساهمة قطاع المعادن واستخراجها وتسويقها أكثر من 50% من الناتج الإجمالي، بينما تقل مساهمة الصناعة عن 7%، كما أن حصيلة إيرادات القطاع النفطي تسيطر بشكل رئيس على إجمالي الإيرادات العامة المؤشر الثاني اختلال عناصر الإنتاج المتاحة حيث توضح مراجعة التركيبة الهيكلية لعناصر الإنتاج آثار اختلالات جوهرية لها انعكاسات سلبية على مسار التنمية، فبينما تتمتع دول المجلس بوفرة نسبية في الموارد المالية نجدها تعاني من نقص حاد في القوى العاملة الوطنية، وقد استدعت برامج التنمية الاعتماد بشكل رئيس على العمالة الأجنبية بلغ 79% في دولة الإمارات العربية المتحدة، و 62% في كل من دولة قطـر،61% ودولة الكويت، و 47% في المملكة العربية السعودية، و 38% في سلطنة عمان، وذلك من مجموع الأيدي العاملة، وقد أدى هذا الاعتماد الكبير على العمالة الأجنبية، والمخاطر التي تتولد عنها إلى الاهتمام بتنمية برامج التعليم والتدريب الفني، وترشيد الاستقدام إلا أن حل تلك المشكلة يدخل ضمن حسابات الأجل الطويل على فرض استمرار الحماس وتوفر الديناميكية الإدارية القادرة على استيعاب مخرجات برامج التدريب وتطويرها وهذا ما دفع بعض دول مجلس التعاون الخليجي مؤخراً للحد من العاملة الأجنبية وتطبيق برامج توظيف للمواطنين.
ورغم إن البعض يرى بأن تجربة مجلس التعاون ناجحة في جانب،إلا إنها تحتاج بالتأكيد لأسواق أخرى خاصة في ظل تكوين بعض الصناعات التحويلية في هذه البلدان من أجل تنويع مصادر الاقتصاد وعدم الاعتماد على واردات النفط فقط،وتأتي مشكلة ضيق السوق كإحدى العقبات الرئيسة التي حالت دون قيام استثمارات إنتاجية فعالة، فالنظر إلى حجم السكان في كل دولة على حده،لا يتناسب والتطورات التي حدثت في الاقتصاد العالمي الحديث، الذي يقوم على مبدأ الوحدات الإنتاجية الكبيرة ويتطلب بالتالي أرصدة ضخمة للصرف على مجالات الأبحاث والتطوير.
من جهة أخرى فإن ظهور التكتلات الاقتصادية الإقليمية، التي تفرض صوراً متباينة للحماية في وجه المنتجات الخارجية وتضع لنفسها سياسات مشتركة إزاء علاقاتها الاقتصادية مع الدول الأخرى، تضعف القوة التفاوضية للدول الصغيرة،وتحد بالتالي من إمكانية نمو فعالياتها الإنتاجية مما ينعكس سلبياً على فرص التنمية في تلك الدول.