يوميات ساحة التحرير..مهرجانات القراءة التشرينية.. بالمعرفة نرتقي بثورة الحرية

يوميات ساحة التحرير..مهرجانات القراءة التشرينية.. بالمعرفة نرتقي بثورة الحرية

 ماس القيسي
طريق النضال شائك دوما، يتعرض لعدة مطبات ومحطات من الانهيار وأخرى تتسم بالارتقاء لابد لها ان تبصر النور بعد رحلة طويلة مظلمة في حياة شعب قرر ان ينهض بواقعه المرير ويكسر كل قيود الذل والعبودية والعنصرية ويتجرع مرارة الحرمان سنوات عجاف حتى يصل الهدف أخيرا وينال حريته وحرية بلاده، في مرحلة قادمة، بلوغها ليس سهلا على الاطلاق.

ثورة العراق لم تكن وليدة اللحظة بل هي ثمرة تراكم سنوات من القهر والكبت والحرمان من قبل فئة معينة لا تستحق سوى العيش بكرامة، لأنها لم تخلق لتذل، وفئة أخرى قد أنصفها القدر لتحيا نصف حياة مترنحة ما بين عيش كريم لا بأس فيه وبين ركود معرفي والم نفس تتوق لتكون كما تصبو متطلعة الى البلدان المتطورة، متسائلين يا ترى ماذا ينقصنا لنكون على شاكلتهم، حضارة؟، عقل؟، إمكانيات بشرية؟، ام موارد خام؟؟، ان كانت بلاد أخرى تفتقر لكل ما سبق استثمرت عقل الانسان لتنهض، ما بالنا نحن؟
عقل الانسان، السلاح الأقوى الذي تبنته دولة اليابان مثلا، لتنهض وتعيد تدوير حطام الحرب العالمية، محولة إياه الى حضارة وابداع وفن وتكنولوجيا، ركيزة أساسية وصلت بهم الى أبهى المستويات الإنسانية، قبلة تستقطب انظار شعوب العالم قاطبة، فكان كوكبا متفردا بامتياز، ونحن أبناء الرافدين لسنا بأقل مستوى ادراكي منهم لكن تنقصنا المعرفة التي غابت عن الأجيال طويلا بعد طغيان عصور الجهل والظلام والكبت الإنساني من قبل دعاة الدين الزائف ليتفردوا بالسلطة والنفوذ وخيرات الوطن.
 وها نحن الان ومنذ انطلاق ثورتنا النجيبة في أوائل تشرين المنصرم، نحاول وبشتى السبل الهادفة الى إعادة مياه الثقافة العراقية الى مجاريها، أن نحث الانسان العراقي على القراءة والاطلاع والغوص في تجارب الشعوب الأخرى لتكون أسلوب حياة، تفتح لنا أبواب المعرفة حيث نسلك طريقا جديدا خاليا من شوائب الماضي وترسباته، بالمواكبة مع هتافات الجيل الواعد، تضحياته، شجاعته وعنفوانه الذي لفت انتباه احرار الكرة الأرضية. الوجه الاخر من عملة الوطن.
يقول فريدريك دوغلاس (كاتب مناضل في الدفاع عن حقوق السود) "بمجرد ان تتعلم القراءة ستكون حرا للأبد"، تمرد الانسان الحر والمعرفة، كنهرين يجريان معا لبلوغ محطة سامية من الارتقاء الإنساني بكل تفرعاته، لا يمكن لأحدهما ان يواصل المسير منفردا، وان سار متكئا على اساسات رخوة لن يصل لمبتغاه، وسينال منه كل متربص لشر قابع في نفسه، وهنا يكمن الإصلاح الحقيقي والنهضة الصادقة والسمو الروحي. فانت حينما تقرأ تتوسع مدارك الأفق لديك من جهة وتتعرف على هوية الاخر من خلال تجاربه ولغته وثقافته، دونما حواجز موضوعة بأياد بشرية. وتمنح لك فرصة التطوير الذاتي بجعل تلقيك الواعي المجدي لما قرات واقعا ملموسا.   وكلما حيكت الخطط لإخماد فتيل الحراك التشريني المبارك، اشعلتها دماء الشهداء، وقود لا ينضب، يرافقه وعي الشباب الحر بضرورة إحياء شريان الثورة بما يلزم من الأنشطة الثقافية المتنوعة وعلى رأسها مهرجان القراءة، اذ نجد الكتب تفترش ارض التحرير أسفل نصب الحرية في بغداد وتزين ساحات الاعتصام في المدن العراقية المنتفضة، ويتسابق القراء في تلقي المعرفة وهم يجوبون سوح الاحتجاج بالتزامن مع هتافات الثائرين هنا وهناك.
ناهيك عن المهرجانات الفنية التي تقام بين الحين والآخر، للتأكيد دوما على رقي الحراك الجماهيري، رسالة لمن يتطاول ويحاول الباس الثورة ثوب الخراب دونما جدوى!، فحواها "ما بني على حق سيدوم، رغما عن دناءة الباطل وعبيده". واينما تولوا وجوهكم ثمة وجه العراق الحر الابي، علامة فارقة تجدوها في سمار الوجوه العراقية الشاحبة التي انهكتها حروب الطغيان، ووضاعة تجار الدم، اذ ان "(الحرية) هي ذلك (التاج) الذي يضعه الانسان على رأسه ليصبح جديرا بإنسانيته"، صدق اديبنا نجيب محفوظ.