الأسواق المركزية وآفاق الاستثمار

الأسواق المركزية وآفاق الاستثمار

ثامر الهيمص
آخر دكاكين الدولة في مفترق الطرق الآن ، رغم أنها وريثة ما سمي آنذاك  ( اورزدي باك ) قبل سنة 1964 عام تأميم المصالح الخاصة لغرض الانسجام مع التجربة المصرية التي كان يقابلها في مصر مؤسسة ( عمر أفندي )  .

وهكذا جرت الأمور في ظل الاشتراكية والحرب والحصار كأية مؤسسة حكومية استيرادية وصولا" الى سنة  2003 حيث تعرضت ما تعرض له جميع دوائر وشركات التمويل الذاتي من شحة في الموارد وتوقف الاستيراد مع تضخم الجهاز الإداري والبطالة المقنعة بحيث تصل لحد ثلاثة أضعاف قياسا" الى ما قبل سنة  2003 مع نفس الزيادة طرديا" في الرواتب مما ترتب عليها أن أصبحت عبئا" ماليا"  ، ما دعا وزارة التجارة لعقد مؤتمر  في  1\6\  2011 لغرض عرضها للاستثمار لتوفير عوامل الجدوى الاقتصادية ومعالجة مشكلة الكادر المتضخم مع عدم انسجام هذا النمط من العمل الحكومي في اقتصاد السوق الذي يحتل الساحة الفكرية والتخطيطية في عراق المستقبل القريب .
فأمام هذه الإشكاليات الثلاثة ( الكادر ، الموقف التخطيطي للدولة ، الاستثمار ) المترابطة مع بعضها  .
أذن لابد من استعراض الخيارات المتاحة أمام تجربة ناجحة بأقل الخسائر خصوصا" البشرية وإشكاليات التعاطي معها  .
فبالنسبة للكادر الذي يبلغ حوالي خمسة آلاف منتسب برواتب شهرية تتجاوز الثلاثة مليارات ناهيك عن المصارف الإدارية .
هل هذا الكادر مؤهل أن يعمل في ظل الاستثمار الخاص والمستثمر الخاص مستعد لمواجهة هذا التحدي وهو يريد على الأقل عمل ( 12 ساعة ) يوميا" وعمل جاد منتج يلمسه يوميا  ؟.
وهل الكادر مؤهل فنيا وإداريا للعمل من حيث خبراته التسويقية التلقائية وحسب نظرية التجربة والخطأ التي تعلمها في القطاع العام وكان نجاحه أو فشله تحصيل حاصل نتيجة احتكار الدولة  ؟
وهل وزارة التجارة مستعدة لدفع رواتب لهم والى متى ،أم تحويل مبالغ المستثمرين المستوفاة الى رواتب وأجور وكلف إدارية  ؟
 من خلال استثمار هذا المبلغ كوديعة ثابتة في أحد المصارف وهل تكفي المبالغ  ؟ أم أن هذه المبالغ يمكن الاستفادة منها بالمشاركة في مشاريع حكومية صناعية او زراعية لا يعوزها غير السيولة النقدية  ؟
لحين تصريف الكادر الحالي بين التقاعد والتشغيل بنظام جديد  ( العمل في القطاع المستثمر ) وبشروط ونظامه إذا كان راغبا"  ؟
أم توزيع مبالغ للراغبين بالتقاعد بسن مبكر لقاء مكافأة آخر الخدمة مجزية من عشرين  الى خمسين راتبا حاليا  ، وهذا يحتاج الى قانون يشرع ليشمل كل مشاريع التمويل الذاتي لحل مشكلة الترهل  .
هذه الخيارات والمقترحات مطروحة من ناحية الكادر وأهمية حسم أمره والا سنواجه مجابهة معهم قد تؤدي الى فشل التجربة  .
أما الهم الثاني وهو المستثمر لاشك أن المستثمر سوف يكون أمام تساؤلات هل هو يشتري السوق أم يؤجره، وكم فترة الإيجار، وهل حسب قانون إيجار وشراء أموال الدولة ؟ ، فمن المعروف أن الاسواق الحالية سواء في بغداد أو المحافظات غير جاهزة تماما" للعمل على طريقة القطاع الخاص سواء من حيث التقطيع الداخلي وأساليب العرض وهل هناك ساحة وقوف سيارات مؤهلة  .
ولذلك يكون الإيجار لعشرين أو خمسين عاما" تدفع سنويا" لتغطية رواتب العاملين الحالين ويكون سقف الإيجار يحدده رواتب العاملين مقسوما" على عدد الأسواق حسب مساحتها مع احتساب الاندثار  ، ولا يقل الايجار المستوفى عن هذه الكلفة لحين تقاعد اخر منتسب ويحدد سقف زمني لا يتجاوز الخمسة عشر عاما  (عام استحقاق التقاعد ) ،  وهذا يحتاج لمراجعة ودراسة ويكون أفضل من سياسة المزادات بل يحدد السقف للحد الأدنى على هذا الأساس مع الاندثار السنوي .
رب سائل يسأل ( أننا نبيع أموال الدولة ) بطريقة معقدة ، نعم أن هذه الأموال غير المنقولة خصوصا" يجب أن تكون مفتوحة للاستثمار وتعوم في السوق الوطني سواء كانت هذه الأموال مملوكة للدولة أو الأجهزة والهيئات والدواوين شبه الرسمية  بعد الانتهاء من تبديل قانون إيجار وبيع أموال الدولة الذي غذته العقود الأربعة الماضية بأنواع الضوابط والتعليمات  من خلال رأسمالية الدولة للفترة المذكورة .
أمام المستثمر عراقيا" أو أجنبيا" يجب أن لا يقع تحت أي ضغط أو شروط او غموض في نصوص العقود وله الحق في طلب ضمانات حتى مبالغ بها نظرا" للأوضاع الحالية الهشة أمنيا" أو سياسيا". 
علما" بان هذه الأسواق المركزية عندما تصبح شاهدا" حضاريا" فأنها ليست كذلك فقط بل انها تحرك السوق إذ تجري عمليات التسوق بانسيابية عالية وترفع استهلاكية المواطن بشراء أحسن وأجود البضائع بكل شفافية وتدور كافة الدكاكين المحلية في فلكها مثلا" في تجارة اللحوم المحلية أو الدولية سيجد المواطن اللحم مبردا" بشكل صحن في السوق أو المول أفضل من صاحب الدكان في المنطقة وهكذا البيع وكذلك باقي السلع سريعة التلف   من يدفعه لمواكبة سياسة السوق فنيا" .
كما أن هذه الأسواق سوف تكون عامل استقرار في الأسعار اذ ليس سهلا" أن تتأثر يوميا" أو أسبوعيا" بضغط العرض أو الطلب مما يفطر بائع المفرد لمسايرتها .
ونتيجة استقرار هذه الأسعار للسلع قد يدفع الدولة لتستفيد من هذا الاستقرار لحل مشكلة التموينية عندما توزع كوبونات للشرائح الفقيرة الذين هم الهدف الحقيقي للبطاقة التموينية موفرة الكثير من قيامها لصالح هذه الشريحة وتطوير تموينهم  ،
ولا يفوتنا أن نؤكد أن أسعار السوق المركزي للمستثمرين ستكون واحدة في الفاو و زاخو و في العاصمة والمحافظات و في الأقضية إذا رغبت في توسيع عملها أو شبكة وكلائها  .
فهم أي المستثمرين أما متنافسون أو موحدون لكي أن تكون لهم سياسة سعرية واحدة ثابتة  .
وهذه السياسة السعرية التنافسية من خلالها تروج البضاعة أو الإنتاج المحلي كلما كان متقاربا" مع المستورد الذي تتحكم به الدولة من حيث الكمارك ونرى تعاقدات للأسواق مع الجمعيات الإنتاجية والمصنع العراقي والزراعة العراقية ومحطة الأبقار وغيرها من النشاط ويحصل تكامل نحلم به غير متكئ على عجلة الخارج فقط   مما يوفر أمنا" غذائيا"  .
لذلك فأن خدمة المستثمر بكل الوسائل في الحصول على إيجار طويل مطمئن وبدون مزايدة وبشروط معرقلة باتت أمرا" أساسيا" للاقتصاد العراقي الذي أقصى ما نتمناه  له أن يقوده أبناؤه من الداخل بمصانعهم  ومزارعهم وتجارتهم  .
وليسوا مجرد وكلاء استيراد في عواصم الجوار .