بينهم طفل وعريس.. شهداء احتجاجات النجف ونشيد الوداع الأخير

بينهم طفل وعريس.. شهداء احتجاجات النجف ونشيد الوداع الأخير

 رحمة حجة
موسيقى الحزن في لطميّات الكثير من شيعة العراق، والشموع المحاطة بالورد التي توقد في بيوت العزاء. معزّون يُظهرون حزنهم بالنواح أو اللطم على الرأس والصدر والكتفين... بعضٌ من مشاهد الفقد شبه اليومي منذ أربعة شهور في محافظات جنوبية.

 هناك، في بيوت الفاقدين والفاقدات، يُصاغ الوجع إلى أقصاه، وتُمنح مرارة الرحيل الأخير حقّها، ولا يُعيب الدمع أصحابه من الفتية والشبّان والرجال، كما ألفنا سماع العكس في بلاد أخرى، كبرت فيها فكرة "الرجال لا يبكون". "ارحمني يا وادي النجف.. يالماخذ عزاز القلب.. عايفلي بس جروحه.." تتردد هذه اللطميّة في أذنيّ بينما أبحث عن القصص التي تركها قتلى النجف، ليلة الأربعاء، في ذاكرة الأهل والأصدقاء. وكان يتردد اسم مقبرة النجف كلمّا قرأت عن تشييع لقتلى التظاهرات المستمرة منذ أكتوبر الماضي، في عدة محافظات عراقية، والخميس، شيّع أهلها قتلاهم، حيث المقام الأخير في "دار السلام".   7 قتلى حسب الوكالات الدولية ووزارة الصحة العراقية، ذهبوا برصاص جماعات مسلحة ، وعشرات مقاطع الفيديو والصورة وبعض الروايات من مكان الواقعة، كلها في رأي أحد قادة التيّار الصدري نفسه "تمثيل ودبلجة وأفلام هوليودية مدعومة من أميركا"، متسائلاً "أين الشهداء؟ أين مجالس العزاء؟". ورداً على حاكم الزاملي، تم تداول صور وأسماء وحتى محاضر عزاء القتلى في مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن أقارب المفجوعين، تصف لنا بنين علي، أخت خطيبة أحد القتلى وهو حسين فاضل سعيد شبع (20 عاماً)، المشهد بقولها "أبوه يقول: بويه إنت مو كتلي (ألم تقل لي) بويه اني حزام بظهرك. اشو كسرت ظهري يبويه لعد اني منو اليدفني (مَن سيدفنني؟) بويه اني ردتك انت تدفني بيدك. ليش رحت!!!". فيما أخته "تقف في العزاء وتصيح أخويه إرهابي أخويه إرهابي حسين إرهابي تدرون ليش!! لأن موّت كلوبنه (قلوبنا)، كسر قلب أمي، جابلي (أحضر لي) هديه زواجي وذهب" في إشارة إلى التهم التي وُجهت للمتظاهرين بأنهم "مندسون ومخرّبون وإرهابيون يخبئون أسلحة في خيمهم" وردت على ألسنة موالين للصّدر في مواقع التواصل وعبر بعض شاشات التلفزة العراقية. أما خطيبته فغلب عليها صمت البلاء، وكأن الكلام يتشعب في داخلها صراخاً، وفق أختها بنين، مضيفةً "كأنها تقول لماذا ذهبت من دوني؟ أين ضحكتك؟ لم أعد أراك فالتراب يغطي وجهك.. ألم تعدني بأن نكمل دراستنا سوياً ونشتري معاً خاتم الزواج وو... لماذا لم تقاوم الموت وتعد لي؟". وكان والد حسين قد حضّر له طقم عُرسه، وكانت أمّه بانتظار زفّة أصدقائه والأقارب له، لتفرح فيما بعد بأطفاله، لكنها لم تتوقع أن تراهم يرافقونه للقبر. وتتابع بنين حديثها "كان طالباً في معهد الفنون الجميلة (قسم المسرح) في النجف، شاباً خلوقاً محبوباً ومتواضعاً، يحلم من خلال مشاركته في ثورة أكتوبر، أن يشهد نهاية الأحزاب الفاسدة، ثم يروي لأطفاله في المستقبل فخوراً بأنه شارك في هذه المرحلة من تاريخ العراق، لكنه قُتل".

"ولكم هذا أخويه"
لم يكن جميع القتلى السبعة معروفين، ليلة الأربعاء، تحديداً اثنان منهم، ليقوم عشرات النشطاء وصفحات عراقية بنشر صورتيهما بغية التعرّف على هويتهما، منهما الشاب، مسلم راشد الشمري، حين كتبت أخته حوراء حمدان "ولكم هذا أخويه". ونشرت الشاعرة أم أسامة النجيفي، راثية القتلى، مشيرة لأخ حوراء "لا جبت لا ربيت لا شفته فد يوم.. أبچي (أبكي) عل بزر (ابن) الناس ومفارجه (مفارقة) النوم.. إلى متى نبقى هالشكل ننعى ونلطم؟ يوميه نزف شبان للمقابر تعبنا وتعبت حتى الكاع (الأرض) من عدنا من كد الحفر والدفن". وصاحب فيديو تشييع مسلم، الذي نشرته أخته، موسيقى لطمية، يقول منشدها "أشيعهم وأودعم شلع قلبي صور ربعي.. إيش ما أبكي سكتوني.. طاحوا قبالي وما شلتهم.. يا موت شو مسوّي.. شمّة ورد شمّيت دمتهم.. يا صحبتنا ويا عشرتنا قرينا الفاتحة عليها".

ابرولي الذمّة"
من كان يعلم أن هذا اللقاء الذي رفض مهند القيسي، الطالب في قسم اللغات بجامعة الكوفة، إجراءه، سيكون "وصيّته الأخيرة" حيث قال "دم الشهداء هو فقط ما يمثلنا".
وقتل مهند في الهجوم المسلح على خيم الاعتصام في النجف، وكانت مطالبه كما قال "واضحة" وهي "تغيير النظام بصورة جذرية لأن النظام كلّه فاسد". وفي هذه الصورة التي نشرها على حسابه في إنستغرام، كتب "قم من جراحك قد صبرت طويلاً.. ما عاد صبرك يا عراق طويلاً". وكان آخر رسائله عبر "Stories" الإنستغرام "أنا رايح الساحة ابرولي الذمة"، في إشارة إلى أنه قد يتعرض للقتل بسبب خطورة الوضع.

قتلوا طفلاً أيضاً!
وعند تقليب صوره في صفحته الشخصية (فيسبوك)، أعلاه كانت الأحدث، وعمره 15 عاماً! يقول فؤاد، وهو صديق مقرّب لكرار، كان يشاركه دائماً لعب "الببجي" لـ"ارفع صوتك": :ترك كرار المدرسة وهو في صف أول متوسط، بسبب وفاة والده، من أجل العمل وإعالة إخوته الأصغر منه...".
ويضيف فؤاد أن الحالة المادية لعائلة كرار كانت صعبة جداً وكان مؤخراً عاطلاً عن العمل.