القُبعات الزُرق تُصفّي آخر مظاهر اللادولة: بعد الرصاص الحي، القانون أم الهراوات؟

القُبعات الزُرق تُصفّي آخر مظاهر اللادولة: بعد الرصاص الحي، القانون أم الهراوات؟

 بقلم متظاهر
كشفت الطبقة الحاكمة وسلطتها عُريها الكامل، بعد سقوط ورقة التوت المجففة عن عورتها، وظهورها على حقيقتها، كأداة تصفية وجرائم منظمة، منزوعة القيم الاخلاقية، مكشوفة النوايا.

وبعُريّها هذا انزاحت الغشاوة عن العيون المُسهدة من أوهام انتظار فرجٍ مؤجلٍ من "الدولة المتهتكة"، التي لم تعد تستحق أن تكون هي وأركانها غير حاوية للنفايات المُعْدية الوبائية.
جاءت المفارقة، لتتمثل في إزاحة أوهام المراهنة على إمكانية اصطفافٍ داخل الطبقة السياسية المتأسلمة، يقود إلى تغييرٍ في المنظومة الطائفية الفاسدة لصالح بديل ديمقراطي مؤسساتي مدني، على قاعدة المواطنة الحرة. تشارك في إرساء أسسه، جميع القوى الوطنية غير التابعة أو الفاسدة، وفي قوامها إسلاميون يدينون بالولاء للعراق ولدولةٍ لا مكان فيها للفاسدين والقتلة والجريمة المنظمة، تتمتع بالاستقلال والسيادة وحرية الاختيار.
ولم تكن هذه الإمكانية في جوهرها مجرد وهمٍ عابرٍ. فالحركات السياسية والفكرية غالباً ما تخضع لضغط التغيرات الموضوعية وفي سياق عمليات فرزٍ واصطفافاتٍ لا تنقطع. وهو ما يجري في الحركات التاريخية والأحزاب المعبرة عنها من خلال التجديد والتحديث والتغيير في هياكلها وأيديولوجياتها وقياداتها واساليب عملها. وهي تظل كإمكانية قد تعبر عن نفسها في لحظة تحول جذري وانعطافٍ يتجاوز ما صار عبئاً وعائقاً أمام التطور الذي يفرض آليات حركته وقوانينه الموضوعية.
وبسبب رثاثة التشكيلة الفكرية والسياسية لقوى الإسلام السياسي التي تسللت الى السلطة بعد التاسع من نيسان 2003، وتشوهات تراكيبها التنظيمية والسياسية في مهاجرها الضاغطة، انكفأت العناصر الإيجابية المستعدة للتغيير والتفاعل مع القوى الديمقراطية في المجتمع والتفاعل مع نزعاتها وظروف حركتها، والتشارك معها في بناء دولة المواطنة المدنية، وإقصاء القوى الطائفية المتطرفة التي تحتقر "القيم الوطنية" وتشكل امتدادا تابعاً لحواضن تنتهك وطنيتها وتجعل منها مجرد تابعٍ، كوكيلٍ منفذ ووصي بـ"الإنابة".
ومثل هذا التوصيف لا يقتصر على الإسلام السياسي في العراق، بل يمتد إلى الأقطار العربية والإسلامية التي نشطت فيها الأحزاب والحركات الطائفية، كالإخوان المسلمين وغيرها، خرجت من أرحامها، القاعدة و"بوكو حرام" "وداعش" ومنظمات إرهابية تكفيرية في مختلف البلدان الإسلامية. وهذه المنظمات معروفة بارتباطاتها المركزية خارج أوطانها، وبأهدافها التي تصب في خانة إحياء الخلافة الاسلامية وتفرعاتها.
ورغم افتضاح طبيعة الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها الطائفية ودورها في تدمير البُنى الرثة لما تبقى من الدولة بعد إسقاط نظام البعث، وتلطخها بدماء الآلاف من الشبيبة المنتفضة، فإن النهوض الشعبي غير المسبوق الذي يشهده العراق، وفي حواضن الشيعة بالأساس، من شأنه بلورة اصطفافٍ وفرزٍ للعناصر الإيجابية المستعدة للانخراط في عملية التغيير الجذري في هياكل المنظومة المتفسخة، وإقامة الدولة المدنية، واستعادة السيادة والإرادة الوطنية المستباحة. وهي بهذا التحول، تنطلق أيضاً من تقييم موضوعي لما انتهت إليه الكتل والأحزاب المتنفذة من عجزٍ وفشلٍ وانتهاكٍ لحرمات العراقيين وتجريدٍ لإرادة وطنهم.
لقد فوجئت الأوساط، والعديد من الكتاب والصحفيين، بصدمة "وجدانية" من تغريدات السيد الصدر وتحوله المفاجئ ضد المنتفضين، وتحالفه مع القوى التي كان يعلن "براءته" من الاصطفاف معها. وصدمة المراهنين تجد تفسيرها في رهانهم على سائرون كَـ "حاملٍ" لعملية فرزٍ واصطفافٍ جديدٍ داخل المنظومة القائمة. ورفض كل "مخرجاتها" المعارضة لـ "الخيار الوطني" والمحاصصة الطائفية والميليشيات "الوقحة".
وازدادت حيرة البعض من هذا التحول الدراماتيكي، بدعوة الصدر أنصاره من ذوي القبعات الزرق الخارجين على القانون للتعاون مع الأجهزة الأمنية لفض الاعتصامات، لتكمل ما قامت به الأجهزة الامنية وقوات الصدمة والشغب، ومن خلفها عصابات الميلشيات الخارجة على القانون تنكيلها واستباحتها أرواح الآلاف، من المنتفضين.
وبلغت الحيرة بين البعض، حد نشر تغريدات تؤكد أن الصدر معتقل في إيران، ولا يمكن أن يكون هو وراء المواقف الجديدة المناقضة لما كان يبشر به حتى الامس القريب!
وشككت بأنه وراء انضمام "القبعات الزرق"، التي لا صفة رسمية لها ولا شرعية قانونية، بل برزت بين المتظاهرين لحمايتهم من الطرف الثالث، لتصبح هي الطرف الرابع في قمع المتظاهرين، وهي تقتحم ساحات الاعتصام والمسيرات الاحتجاجية بالهراوات والعصي، دون أن تستثني الرصاص الحي لترويعهم وتفريقهم وكسر إرادتهم.
وهذه المرة قامت هذه الميليشيا الباطنية، خلافاً للحكومة وناطقيتها المهزوزة، بمهمتها علناً وأمام عدسات شاشات التلفزيون، وهي ترفع أصابع الانتصار، وكأنها تزُف البشرى بـ "تحرير القدس" ورفع العلم الفلسطيني فوق مئذنة المسجد الأقصى.
ولم ينتهِ المشهد، عند هذا الحد، بل أكدت التغريدات على تكليف القبعات الزرق باستباحة ساحات الحرية، بالتنسيق والتعاون مع الأجهزة الأمنية والقيام بكل ما من شأنه، إنهاء الانتفاضة، وإعادة ما يسمونه "الاستقرار والحياة الطبيعية" إلى المدن "المتمردة" على سلطته وأوامره وتغريداته التي صارت شعاراً بديلا عن "نريد وطن"، بينما لسان حال الجميع يقول: "ماذا يريد السيد"؟.
ويظل التساؤل الدامي من العراقيين والمنتفضين بوجه خاص، أين القضاء من هذه الظاهرة؟، وهل صار قتلُ المتظاهرين غوايةً مشروعة لكل متلونٍ بقبعاتٍ ولسواه من مرتدي الأسمال ومعاطف الإرهاب؟. هذا التساؤل ينتظر من سلطة القضاء والقانون الإفتاء في مدى تعارض سلمية المنتفضين وشرعية الدفاع عن أنفسهم مع وسائل الأطراف نفسها.