من تاريخ الحركة الحزبية في العراق..الحزب الوطني في سنواته الاخيرة

من تاريخ الحركة الحزبية في العراق..الحزب الوطني في سنواته الاخيرة

زينب جبار رحيمة
لم يتغير موقف "الحزب الوطني العراقي" بعد حصول العراق على استقلاله في 3 تشرين الأول 1932،فبعد أن أقدمت وزارة نوري السعيد الثانية على تقديم استقالتها في 27 تشرين الأول 1932، وتكليف الملك فيصل لناجي شوكت بتشكيل الوزارة  في 3 تشرين الثاني 1932. حاول رئيس الوزراء المكلف تشكيل وزارة إتلافية من رجالات الحزبين "الوطني والإخاء الوطني"،

 لكنه مال أخيراً إلى تأليف وزارة محايدة تضم عناصر مثقفة من غير محترفي السياسة، وعلى هذا الأساس رأت وزارة ناجي شوكت النور في 3 تشرين الثاني 1932 وكان باكورة اعمالها حل مجلس النواب والدعوة لأجراء انتخابات مجلس جديد.
بعد فشل الزعيم الوطني جعفر أبو التمن في الحصول على تأييد شعبي لمقاطعة الانتخابات، التي كان يعتقد بأنها لم تكن حرة ولا سليمة من المداخلات الحكومية، وأنها خاضعة لتأثير كل حكومة تقوم بها، والأمر من ذلك كله أنه لاحظ كيف أخذ المقربون اليه والمشاركون له في كفاحه يتسللون من حزبه طمعاً في جاه زائل أو منفعة تافهة، فاجأ الجميع في 26 تشرين الثاني 1932 بهذا الخطاب:"قررت والأسف ملء قلبي اعتزال السياسة، إلى أن يهيأ لهذه البلاد من ابنائها كتلة للمبدأ السامي الأخلاص في خدمة الوطن، وهي متفاهمة متعاضدة، تسير بخطى راسخة، وايمان ثابت، وراء هذا المبدأ المقدس، راجياً هيئتكم المحترمة أن تعلم بأني لم أقدم على ما أقدمت عليه الا بدافع الإخلاص لخدمة وطني والله الهادي للصواب".
وفي 12 كانون الأول 1932، صدر بيان آخر بتوقيع جعفر أبو التمن حدد موقف حزبه تجاه الحكومة الجديدة، فأنتقد البيان غموض برنامج الحكومة وخلوه من أية اشارة إلى حقوق الشعب التي اغتصبت بفعل قوانين الوزارة السعيدية
 (أي مرسوم رقم 90) وهو مرسوم منع الأضراب. واختتم البيان بالوعد لحماية الدستور.
ولم يقرّ الحزب رأي رئيسه في اعتزالهِ العمل الحزبي، واستمر في مزاولة اعماله الاعتيادية حتى ألف الإخائيون وزارتهم في 20 آذار 1933. وبذلك خرق الإخائيون وثيقة التآخي مما ادى الى انفصال "الحزب الوطني العراقي" عن "حزب الإخاء الوطني" وأخذ التباعد بين الحزبين يتسع يوماً بعد آخر، ولاسيما وأن رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني كان قد اعلن أن سياسة العراق في عهد الملك غازي سوف لا تختلف عن سياسة والده الملك فيصل. إذ صرح قائلا : "إن سياسة التي سارت عليها البلاد تحت قيادة سيد البلاد الراحل والتي من أهم اركانها الاعتماد على الصداقة المتكونة بين المملكتين الحليفتين العراق وبريطانيا والتي صادق عليها مجلس الأمة سوف لا يطرأ عليها أي تغيير".
وعندما استقالت وزارة رشيد عالي الكيلاني الثانية في 28 تشرين الأول 1933، رأى الملك غازي أن ليس من مصلحته ولا من مصحة البلاد ان يتخلى عن الإخائيين بعد أن سار معهم في سياسة قمع التمرد الأثوري، فطلب الى ياسين الهاشمي أن يؤلف وزارة تخلف وزارة الكيلاني المستقيلة على أن لا يتعرض إلى المجلس النيابي القائم بالحل فرفض ياسين الهاشمي شروط الملك، واضطر الملك إلى البحث عن رئيس محايد. ومما يلفت الانتباه أنه ما كادت الوزارة الكيلانية الثانية تودع كراسي المسؤولية، حتى طغت موجة من الاستقالات من حزب
"الإخاء الوطني" وفروعهِ، كأن الانتماء الى الأحزاب يجب أن يكون قائماً على بقاء الحزب ممثلاً في الوزارات المتعاقبة. ويذكر شيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني أن لتأليف الوزارة المدفعية دخلاً في هذه الاستقالات، ولكن عندما تمت معرفة اسباب الاستقالة المتمثلة بعدم وفاء الاخائيين بالعهود التي قطعوها للشعب، أيام صولتهم في المعارضة.
من الجدير بالذكر، إنه بعد انتشار الدعوة لتخفيض أسعار الوحدة الكهربائية أسوة ببقية البضائع بناء على ما يعانيه المواطنون من آثار الأزمة الاقتصادية. حيث لاقت هذه الدعوة ترحيباً كبيراً في أوساط العمال الذين يشعرون أكثر من غيرهم بوطأة هذه الأسعار. فسارعت جمعيات العمال إلى تبني الدعوة،ولاسيما وأن الاحزاب السياسية لم تكن في وضع يمكنها من أخذ زمام المبادرة، إذ أن "الحزب الوطني" قد أصابه الضعف بسبب اعتزال معتمده، جعفر أبو التمن.
ومن المفيد أن نشير إلى أن جعفر أبو التمن قاطع الكهرباء قبل ان تعلن النقابة المقاطعة، فأرسل كتاباً إلى مدير شركة التنوير والكهرباء لمدينة بغداد، أعلن فيه استياءه من إصرار الشركة على عدم النزول عند رغبة المستهلكين للقوة الكهربائية في تخفيض سعر الوحدة المستهلكة إلى ما يماثلها في البلاد الأخرى، وطلب الاستغناء عن استعمال القوة الكهربائية في داره ومحله التجاري إلى أن تنزل الشركة عند رغبة المستهلكين. وكان لعمل جعفر أبو التمن هذا أثر كبير فقد اقتدى به كثير من المواطنين لما له من منزلة اجتماعية في نفوسهم وما يعتقدونه من إخلاصه، وتلقت الصحف برقيات عديدة يذكر فيها موقوعها أنهم قرروا مقاطعة شركة الكهرباء الأجنبية إقتداءً بجعفر أبو التمن وتنفيذا لقرارات المجلس الأعلى "لنقابة اتحاد العمال"(. وبعد أن أصدر "الحزب الوطني" جريدة "الثبات" اعلن في عددها الأول رأي الحزب الوطني في المقاطعة بأنه لا يختلف عن رأي الجمهور المستمر بالشكوى من فداحة الأجور ومن استبداد الشركة الأجنبية بمقدرات المستهلكين، واعلن الحزب استنكاره لتهاون المسؤولين وتجاهلهم في حسم المسألة. أما بالنسبة لحزب الإخاء الوطني فقد أصابه التصدع بسبب التناقض الذي وقع بين الشعارات التي رفعها حينما تآخى مع الحزب الوطني بتعديل معاهدة 1930 وحل البرلمان الذي أبرمها، وخلو منهاج وزارته التي تألفت في آذار 1933 من هذه الشعارات مما أثار انقسامات بين صفوفه. وإن اشترك في مقاطعة شركة الكهرباء. أما بشأن "حزب العهد" وموقفه تجاه المقاطعة فلكونه حزباً يضم عدداً من محترفي السياسة لم يكن بوضع يسمح له بتبني هذه الدعوة.
على أية حال، اجتمع اعضاء "الحزب الوطني العراقي" برئاسة مولود مخلص وانتخبوا هيئة ادارية جديدة للحزب في 9 شباط 1934، وهي مولود مخلص معتمداً، عبد الله القصير محاسباً، نوري الأورفه لي كاتباً، ومحمود رامز، احمد عزت الأعظمي، فهمي المدرس، نوري فتاح، سامي سعد الدين أعضاء. وكان معظم المنتمين للحزب من جماعة جعفر أبو التمن، ومع ذلك كانت اعمال الحزب محدودة، وكان موقف الحكومة منه سلبيا، ولم يستطع الباقون الصمود، فأعلن أن الحزب قد قرر تأجيل أعماله وتأخير اصدار جريدة "الثبات" فاختفى عن الأنظار نهائياً. اما بشأن "حزب الإخاء الوطني" فقد ابتعد عن السلطة بعد تسلم علي جودة الأيوبي الوزارة في 27 آب 1934. غير ان الحزب عاد اليها عام 1935 ولكن سرعان  ما دبّ خلاف بين اعضائه على تولي المناصب مما أدى إلى تصدع الحزب. توقف الحزب عن العمل السياسي على أن يسعى رجاله لتوحيد كلمة الأمة واندماج الأحزاب في هيئة واحدة. وكان توقفه عن العمل السياسي بمثابة توقف جميع الاحزاب العلنية الأخرى اما جريدته "الأخاء الوطني" فقد استمرت بالصدور حتى الإنقلاب العسكري الذي قام به بكر صدقي 1936 إذ أنتهت حياة الحزب.
مما سبق يبدو واضحاً أن جميع الأحزاب التي تأسست في عهد الانتداب لم تول الاصلاحات الاجتماعية قدراً كافياً من الاهتمام، وربما يعود السبب في ذلك إلى أنشغال شخصيات تلك الاحزاب بالصراع فيما بينها من أجل الحكم، وإلى انشغالها بقضايا سياسية خطيرة مثل قضية الاستقلال وتعديل المعاهدات وقضية الموصل ، ان هذه الاحزاب كانت تمثل بداية التحول السياسي في البلاد، إذ أسهمت في بلورة الوعي السياسي العام بين صفوف المجتمع .
عن: رسالة (الموقف الرسمي والشعبي من الطبقة العاملة في العراق)