الشيخ جلال الحنفي في جامع الخلفاء

الشيخ جلال الحنفي في جامع الخلفاء

انوار ناصر حسن
عينت الاوقاف الحنفي إماما ً وخطيبا ً في جوامع كثيرة ببغداد في أواخر ثلاثينات القرن الماضي ، وهو على يقظة ورأسه يزدحم بالرؤى والأفكار الأصلاحية ولاسيما انه رزق لسانا ً مدربا ً على الحكمة والتأني في أصدار الأحكام وكانت خطبه في يوم الجمعة مزيجا ً من بلاغة العوام ووضوح الرأي ومتضمنة شيئا ً من أمثال العامة تصب جميعها في هدف واحد وهو تحقيق نتائج الموعظة الدينية.

إلى جانب تساؤله الدائم عما إذا كانت مواعظه قد دخلت عقول مستمعيه وكيف كان مستوى التلقي والأنصات . وأحيانا ً يسأل بلا تردد من حضر مجلسه أو خطبته عن الشيء الذي حصل عليه من الخطبة المعنية ويأتيه الجواب نعم لقد أفدنا كثيرا ً وتكررت اسئلته على جمع كثير وفي زمن طويل حتى أطمأن إلى منبره فراح بعد شهرته الوعظية يطور من مناخ منبره ويتصاعد في حرارة التوجيه والأرشاد فأخرج الجامع من مهمته الدينية البحتة بحسب تعليمات مديرية الأوقاف إلى مــــهـــمــة أخـــرى وهـــي أن يــكــون الــجامع وســـيلة تـحـرر مـن عـقـد التخلف الأجتماعي  .
وفي أواخر الأربعينات كانت خطبته تحمل في تضاعيفها صوت شاب معمم يحمل آراء وأفكارا ً جديدة فأنتبهت اليه مديرية الأوقاف فحذرته وأصدرت له توجيهات خاصة تردعه إن أمضى في منهجه غير المنسجم مع تعليماتها . وما كان من الحنفي الا الأعراض عن توجيهات الردع الرسمي وراح يضخ منهجه الحر من على المنبر غير هياب أو مبال ٍ بأي عقوبة توجه آليه  . وفعلا ً قد وجهت اليه عقوبة شديدة عام 1946 تتضمن " الأمر بتسفيره إلى البصرة ليقوم بمهام الأمامة والخطابة بجامع بلد السيد في البصرة "  .
وجامع بلد السيد هذا يقع في منطقة نائية جنوب البصرة ... وأختياره بدلا ً من بغداد يحمل أكثر من معنى وهدف أرادت مديرية الأوقاف تحقيقه . ان علاقة الحنفي مع الأوقاف إتسمت بالتشنج وعدم الأنسجام وقد أشار إلى ذلك في أحد مقالاته الصحفية قائلا ً : " ... إن جامع مرجان الأثري القديم هدم برغبة مسؤول في الدولة ومهما صنعت الناس من الأحتجاج على هذا التصرف فان ذلك لم ينضّّ عن شيء .. وجامع الازبك وهو جامع قائم بباب المعظم لا شيء يوجب هدمه ولكن مدير أوقاف بغداد اراد هدمه فهدمه .. ولاني كنت اماما ً فيه وكانوا يــخشون أن اؤلـــب الــدنيا فـــنقلوني إلـــى مـسـجـد آخـــر بــعـيـد ثـــم فـعلوا مـا ارادوا.."
مديرية منطقة أوقاف بغداد
العدد / 1666 / 3463
التاريخ 30 / 5 / 1946
مديرية شرطة لواء بغداد
تسفير شخص
لقد صدرت الارادة الملكية بنقل السيد جلال الحنفي امام جامع الأزبك والخطيب بجامع الآصفية إلى الامامة والخطابة بجامع بلد السيد في البصرة وحيث ان المرقوم على ما يظهر لا يريد السفر وقد أخذ يتصل ببعض الصحف الأهلية بقصد ايثار الشغب ضد مديرية الأوقاف وعليه يرجى الأمر بتسفيره اليوم إلى مقر وظيفته والتفضل باعلامنا بالنتيجة .
و . مدير أوقاف منطقة بغداد
نسخة منه إلى :
مديرية الأوقاف العامة للتفضل بالاطلاع .
وفي أضبارته الشخصية الموجودة في مديرية الأوقاف إشارات عن سلوكه المعارض لتعليمات الأوقاف ( كما أفاد عن ذلك أولاده ) بل ثمة أوراق فيها تحذره من عواقب الخروج عن تعليماتها . ولكي يخرج الشيخ الحنفي من أتهام الأوقاف صار يستعمل الاستعارات والمجازات في خطبه المنبرية ويكثر من التأويلات الدينية والتفسيرية أذ كان المهم والجوهري عنده أن يوصل الشيء المعين إلى جمهور مستمعيه " وهو إفهام الناس كيف يفكرون بالشيء سياسة او غير سياسة " خطأ أو غير خطأ . فاذا علم أن الناس أدركوا شيئاًً من مواعظه أطمأن إلى أنه نجح في مهمته خطيبا ً أولا ً وأماما ً ثانيا ً ومفكرا ً ثالثا ً "  .
وكان من عاداته بعد ان يفرغ من خطبته ومن صلاة الجماعة الجلوس تحت المنبر محاطا ً بجمع من المصلين يسألونه ويشكون له بعض حالاتهم ومشاكلهم . فيجيبهم دينيا ً وعلى أي مشكلة في الطلاق أو السوق أو المحرمات . أي أنه يبعث بتأثيره إلى قلوب السائلين كانه أَبٌ أو راع ٍ لهم ويخرجون منه وكأنهم حصلوا على ما يتمنونه لأنفسهم ثم يخرج من المصلى إلى غرفة أخرى ينصرف فيها إلى توثيق أســـئلة الـــسائلين وتــحــريرهــا مـقـالات يــنشرها فــي الــصحف أو يـــضربها أمـثـالا ً فـي كتبه المؤلفة  .
لقد كان جامع الخلفاء الذي تولى فيه الأمامة عالمه الخاص وحوله من كونه بناية دينية صرفة إلى مدرسة لتنوير الأذهان وتهذيب النفوس . جامع الخلفاء هذا يعد من الجوامع القديمة في بغداد بناه الخليفة العباسي ( المكتفي بالله ) وقبل ذلك كان سجنا ً أنشأه والــده ( المعتضد بالله ) وعندما دخل المغول بغداد قاموا بهدمه . ولكن بعد أعتناقهم الأسلام أعادوا بناءه عام ( 687هـ الموافق 1280م).
وكان من أمنيات الحنفي أن يكون أماما ً لهذا الجامع  وقد نشأت هذه الأمنية عندما كان صبيا ً يمر من أمامه عندما كان الجامع مجرد منارة وحيدة يغلب عليها طابع الفقر والأهمال . وقد تحققت أمنتيه هذه وأصبح أماما ً وخطيبا ً فيه . وأصبح ذلك الجامع جزءا ً من حياته بل أن حياته أقترنت به  . فكان يدخل أروقته صباحا ً ولا يخرج منه ألا بعد صلاة العشاء وكانت تلك الساعات تتوزع بين التدريس والتأليف وأستقبال الناس وسماع شكاواهم واسئلتهم  .
وكان الحنفي حريصا ً على جامع الخلفاء هذا من حيث النظافة والموقع رغم وقوعه في منطقة مزدحمة تضم خليطا ً عجيبا ً من الناس وبخاصة ( سوق الغزل ) وأسواق الطيور . وكانت خطبة الجمعة التي يلقيها مميزة بقصرها وتركيزها وكان يهتم بطريقة جـلـوس المصلين وحسن إصغائهم ولا يتردد في تأنيب من يراه منشغلا ً أو يجلس جلسة لا تليق بصلاة الجمعة  .
وقد أصبح هذا الجامع مزارا ً للسياح الأجانب والعرب فأذا صعد شخص ما إلى المنارة رأى كتابات وأختاما ً وتواقيع على طوابيق المنارة ، ففيها توقيع أجنبي وآخر عربي وأرخت كل هذه التواقيع بتواريخ مختلفة منها ما يرجع إلى مئتي عام أو أكثر وفيها الحديث وآخرها في نهاية عام ( 2000 ) وتحوي منارته على حوضين الأول في مرتفع والثاني منخفض . وقد أعد الحنفي سجلات للزائرين السياح لغرض توقيع وتدوين مشاهداتهم لما شاهدوه في الجامع من المعالم الآثارية كما أن مديرية الأوقاف كانت تستخدمه لأقامة المناسبات والأحتفالات ولاسيما الأحتفال بمناسبة المولد النبوي الشريف.
عن: رسالة (جلال الدين الحنفي وأثره الثقافي في المجتمع العراقي)