من ذكرياتها مع ادباء بغداد..عفيفة اسكندر بين جبرا ابراهيم جبرا وديزموند ستيوارت

من ذكرياتها مع ادباء بغداد..عفيفة اسكندر بين جبرا ابراهيم جبرا وديزموند ستيوارت

اعداد : ذاكرة عراقية
كانت الفنانة عفيفة أسكندر أول مغنية عراقية تغني القصيدة وتصادق المثقفين وتقيم صالونا في منزلها يحضره مشاهير الفن والأدب والسياسه في النصف الأول من القرن العشرين، وفيه يتجاور نوري السعيد والوصي على العرش وسعيد قزاز مع حسين مردان وناظم الغزالي وجعفر الخليلي وأنور شاوول وفي كتابه " شارع الأميرات" الذي دون فيه فصولاً من سيرته الذاتية،

 يروي جبرا ابراهيم جبرا إنه تعرف على عفيفه اسكندر، بطلب منها عن طريق صديقه وزميله في هيئة التدريس بكلية الآداب في بغداد دزموند ستيورات.

وكان هذا الأخير يعطي للمغنية دروساً خصوصية في اللغة الإنكليزية ويكتب جبرا الذي ذهب إلى الموعد في الملهى الذي كانت تغني فيه، في الأربعينات :" وجدتها، لدهشتي، شابه نيره الذهن، تواقه للمزيد من المعرفه والثقافة وكنا نتباهى أنا ودزموند ضاحكين بأننا الرجلان الوحيدان في بغداد اللذان إذا ذهبا إلى الملهى كانت الفنانة التي تجالسهما هي التي تسقيهما على حسابها وليس العكس .
 وكتب رفعت عبد الرزاق محمد متحدثاً عن العلاقة التي جمعت الفنانة بأدباء عصرها ويقول أن الكاتب والقاص الرائد جعفر الخليلي كان ينشر ذكرياته في جريدة"البلد"عن مجايلية من كبار زمانه تحت عنوان"هكذا عرفتهم " عندما انتشرت شائعة تفيد بأن عفيفه اسكندر قد ماتت قطع الخليلي سلسلة مقالاته وراح ينشر عوضاً عنها ذكرياته عن صديقته الفنانه تحت عنوان"هكذا عرفت عفيفه اسكندر"ووقع تلك المقالات باسم " أديب مخضرم" لكن الجميع كان يعرف من وراء ذلك الاسم ثم جمع الخليلي تلك المقالات في كتاب سماه "تسواهن"غنت عفيفه أول ما غنت "برهوم يا برهوم بابو الجديلة "واحب الناس أغنياتها سواء أكانت خفيفه أم حزينه مثل "يا حافر البير" و "حرقت الروح" و "قيل لي قد تبدلا" و "على عنادك" "ويا عاقد الحاجبين" التي لحنها علاء كامل ثم غنتها فيروز فيما بعد بلحن آخر وتعاونت عفيفة مع معظم ملحني تلك الفترة أمثال رضا علي عباس جميل والأخوين صالح وداؤد الكويتي وهما من اليهود الذين غادروا العراق بعد ذلك كما كانت لها فرقتها الخاصة في الحفلات وعزف وراءها فنانون صاروا نجوماً أمثال منير بشير وأخيه جميل بشير وكريم بدر وسالم حسين وروحي الخماش وخضر ألياس ورغم الشهرة والثروة وحب الناس أدركت عفيفه اسكندر منذ فترة مبكرة أن النظرة إليها كفنانة ستبقى نظرة ملتبسة في أعراض مجتمع يراوح بين البداوة والمدنية.
 وقالت في مقابلة نشرت عام 1949 "إن معظم أنواع الفنون لا تظفر بأي تقدير أو مكانة لائقة عند الشعوب العربية بل إن بعضها يحتقر الفن ويعتبره من الكماليات"لكنها أكدت في نهاية المقابلة إنها "غير آسفه على احترافها الفن بل شديدة الاعتزاز لكونها فنانة ويبدو إن عفيفة اسكندر تحولت عن رأيها ذاك بعد تقدمها في السن وحلول زمن صار الفنان جزء من آله تعبوية حزبية وسياسية هذا ما سمعته منها عندما زرتها، قبل خمس سنوات، في شقتها المطلة على دجلة في شارع أبي نواس في بغداد كانت قد اعتزلت الغناء منذ أواسط السبعينات وتبرعت بكل أملاكها إلى الكنيسة التي تنتمي إليها مبقية على مورد مالي بسيط كانت تظنه يسد حاجتها لما تبقى لها من عمر، ولم تحسب حساب الحروب الآتية وانهيار العملة العراقية إلى الحضيض، فوجدت نفسها خالية الوفاض، يتقطع بها سبيل العلاج وقد كلّ بصرها وخانتها ركبتاها. ذهبت إليها بعد موعد رتبة محام ظل كريماً معها يرعى شؤونها، وأخذت لها باقة من الزنابق الحمراء، نادرة في زمن الحصار، تليق بدلالها السابق، وكانت الكهرباء مقطوعة والمصعد جامداً، وأنا أتلمس دربي إلى طابقها العالي وكأنني أؤدي نذراً لولية صالحة.وفتحت لي الباب امرأة من أهل الشمال، تعتني بها، وجلسنا في صالون شديد التواضع يتوسطه منقل من السيراميك الأخضر تعلوه أباريق ودلال قهوة فولكلورية وجاءت نجمة الأمس في جلباب زاهر تتوكأ على عكاز، تسبقها بحتها المميزة وضحكتها التي لم ينل منها الزمن، وكانت مهفهفة معطرة جميلة، أو هكذا رأيتها بعين المحبة تأسفنا على أحوال الحاضر، وتحدثنا عن الماضي، وقالت إنها "تابت" وتريد أن تنسى عمرها الذي أمضته في الفن وسألتني عن "الشانزليزية"و" الأوبرا" التي شيدوا لها مبنى جديداً في الباستيل وعن " الكوميدي فرانسيز"، وحدثتني عن سفراتها في أوربا وصداقاتها في باريس، ورطنت ببضع عبارات بالفرنسية عند باب المغادرة، قالت لي المرأة التي تقوم على خدمتها إن " الست عفيفة مريضة وتعبانة، وأن المنقل الذي يزين غرفة الجلوس معروض للبيع".