حكاية شهيد..أحمد كريم، الثائر الذي قدم نفسه قرباناً لأبيه العراق متنبئاً برحيله

حكاية شهيد..أحمد كريم، الثائر الذي قدم نفسه قرباناً لأبيه العراق متنبئاً برحيله

 ماس القيسي
"حلم عابر" هو كما يصف نفسه، "ساعي البريد الذي لا يحمل رسائل الى احد"، حمل اجمل رسالة الى الوطن، حين اخبرتنا سطور حكايته ان الروح التي خلقت ثائرة لم تولد عبثا بل كانت متوجة بأعظم القصص التي تطرق مسامعنا وتلوح في افق بصيرتنا، لعلنا نصحو يوما من غفلتنا لنعي حقيقة امجاد الارض ومن يسعى في بقائها. 

احمد كريم كاظم الحلفي، من مواليد 1/12/1994، من اهالي حي طارق الواقع في مدينة الصدر في بغداد، اكمل دراسته الثانوية وحصل على شهادة البكالوريا بفرعها العلمي، ثم توقف بسبب ظروف مادية خارجة عن ارادته، ما منعه من الالتحاق بالكلية العسكرية التي طالما تمنى الانضمام اليها، ليس لديه عمل خاص به، فقد كان يتردد على محل اخيه، لبيع الآيس كريم بشكل يومي ليسانده.
يهوى احمد فن الشعر الشعبي القريب من الناس ويمارسه بشغف، مثل ("الليلة مختلفة النوايا") المنتشرة بين محبيه على مواقع التواصل وغيرها، ويقدم احمد دوما على عمل الخير، وبهذا الصدد يحكي لنا بعضا من تفاصيل حياته، اخوه المتظاهر علي كريم قائلا: "كان احمد يحب تقديم المساعدة للغير من خلال اعطاء الدروس المجانية لطلاب البكالوريا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكل طالب سادس اعدادي لا يتمكن من دفع تكاليف الدروس الخصوصية، يعد احمد ذلك ثوابا لروح اخي الكبير مصطفى الذي استشهد في فترة الاحداث الطائفية واختي فرح التي راحت ضحية انفجار في احد مراكز التسوق". شارك احمد في الاحتجاج الشعبي الذي انطلق منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر المنصرم وكان من أوائل الذين اثبتوا مواقفهم البطولية بجدارة،  ومن النشطاء المدنيين الداعمين للثورة والداعين لها، وعن هذا يعقب علي كريم قائلا: "لقد تجمعنا في ساحة التحرير ثم توجهنا الى مدينة الصدر بعد ان حوصرنا من قبل القناصين، في هذه الاثناء تصوب اخي احمد في يوم 1/10 نتيجة طلق مطاطي اصابه في ظهره، نجا منه ورفض ان يتراجع رغم محاولاتنا انا ورفاقه بإقناعه، كان يقول لنا ("إن تراجعنا انا وانت وغيرنا لم يتبق باب للثورة نستطيع الدخول منه، يجب علينا جميعا ان نعطي دماءً لان ثورتنا هي ثورة دماء")، فقد استمر بالتظاهر رغم اصابته ورفضه بأخذ العلاج اللازم"، ثورة خرجت لأجل مطالب مشروعة ودماء الشهداء اشعلت فتيلها فلا تراجع كما يقول علي مستأنفا حديثه: "نحن قدمنا شهداءً ولن نعود لمنازلنا حتى نسترد حقوقنا وحق كل دم طاهر سال على هذه الارض دفاعا عن وطنه".
توقفت فترة الاحتجاج لفترة عشرة ايام كهدنة اثناء ممارسة طقوس الزيارة الاربعينية التي كان احمد احد المشاركين في  اقامة مواكبها في كربلاء، وبهذا الشأن يضيف علي بقوله: "كان احمد معي في الموكب الحسيني اذ كنا نعلق صور شهداء من رفاقنا الذين سقطوا في حرب داعش واحداث اخرى متفرقة، وقد قال لي حينها وهو يحضر لنا الافطار(" انظر الى تلك الصور ستعلقون لي صورة اكبر منها وسأكون اول شهيد يسقط في يوم 25، وهذه آخر مخلمة ستأكلونها من يدي")، عدنا واستيقظنا في اليوم التالي الذي يصادف 25 وسألني ان كنت جاهزا للذهاب معه، فأجبته بان ليس هناك ما نخسره، حضر لي الطعام بنفسه ثم خرجنا". كان يوما ماطرا حين خرج علي برفقة اخيه احمد الذي رفض ان يرتدي معطفا تجنبا لإعاقة تحركهم اثناء الركض وهم يتظاهرون في ساحة التحرير.
"كن على يقين ستأتي وتلاقيني الساعة الثالثة عصرا في مشفى الجملة العصبية!"، هذا ما قاله احمد لأخيه علي قبل ان يخرج ويشارك في مظاهرات اليوم الموعود الذي وصل صداه انحاء العالم، كما يقول علي معقبا: "كان يرتدي الاسود بالكامل آنذاك حتى ان والدي اطراه بعبارة " كم جميلا تبدو اليوم" متسائلا اين سيذهب فقال له بانه سيخرج للدكان ليبتاع رصيدا ثم يعود، طالبا منه ان لا يتصل به ويسبب له الاحراج امام رفاقه، مرت الساعات حتى حان التوقيت الذي تنبأ به احمد، كما قال علي: "كانت الساعة تقريبا 3 الا خمس دقائق حيت رن هاتفي الخليوي، من قبل غيث صديق احمد، يخبرني ان اخي قد اصيب في رأسه بقنبلة دخانية اسقطته ارضا، صدمت فأخي ليس ممن يتراجعون اثناء الطلق الناري بل يتقدمون دوما، لكني علمت بانه اصيب غدرا وهو يحاول الاتصال بأحدهم مستخدما هاتفه".
في موقف غير انساني على الاطلاق ولا يليق بمهنة الطب التي كتبت على نفسها عهدا بان تقف الى جانب المريض في اي موقف كان، يخبرنا علي قائلا: "وصلنا الى المشفى وقد كان وقتها احمد يتنفس بواسطة جهاز التنفس الاصطناعي، ما اثار دهشتي حين طلب اخي سجاد من الطبيب ان يزيل الدماء النازفة من انف احمد فكان رده صاعقا اذ قال (انا لست الله! لأزيل دمه)"، مؤكدا على ان بعض الاطباء يمارسون ثقافة الترهيب وقد يتسببون بقتل المريض في اسوأ الاحوال حين يحتدم الموقف مع اهالي المرضى!. " حتى الساعة المتوقفة، يكون وقتها صحيحا مرتين في اليوم"، عنوان اضافه احمد لآخر غلاف لصفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، ولو كنت هنا يا احمد سأجيبك بقولي: "لا يا عزيزي، ساعتك حين توقفت كان توقيتها صحيحا بالمطلق وستعاود النبض على مدى نبضات قلب العراق الذي تشرف بكونك شهيده"، وان القنبلة التي لم توجعك (كما قلت) قد اوجعتنا، و(بغداد) التي حلمت بإنجابها من محبوبتك ستولد مع كل طفلة ثائرة ينجبها الوطن حين يتعافى قريبا بفضلك وفضل رفقاك الاحرار.