أيقونة ثورة تشرين، حكاية البطل الثائر المغوار (صفاء السراي)

أيقونة ثورة تشرين، حكاية البطل الثائر المغوار (صفاء السراي)

 ماس القيسي
"محد يحب العراق بكدي.."، ليست مجرد عبارة نلمحها على جدران ساحات الاعتصام والتظاهر، أو تطرأ على مسامعنا هنا وهناك حين نتحدث عن ثورتنا، بل باتت أشبه بشعار رمزي، نار على علم أشعل فتيله ذاك الفتى المغوار، من قد يحسب أنه جرم صغير لكن فيه انطوى عراق الله أكبر، برافديه أرضه، وشعبه الحر، احترق عزيز نفس  كي يولد من رماد حضارة ما بين النهرين، وميض عراق جديد يزهو بانتصاراته.

"حيث، لا أين!"، عنوان يؤطر أسم صفاء في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)،  بل هي تؤطر حياته بأكملها، وأضيف لها، بعد المعذرة منه "حيث، لا متى!"،  و لا مكان ولا زمان يحدّ فكر الإنسان الحر، من كسر كل قيود الذُلّ والعبودية، وأغلال الموروثات الاجتماعية دينية كانت أم عرقية، من حارب كل معايير الجهل والرجعية، منبثقاً من وعي إدراكه الكامل وثقته بكبرياء تلك النفس التي ما خلقت إلا لتكون حياة تحيى متفردة بزمانها ومكانها كما يصرح أينشتاين في نظريته النسبية.
 صفاء السراي، (ابن ثنوة) كما يحب أن نناديه، ولد سنة 1993 في بغداد، درس علوم حاسبات في الجامعة التكنولوجية، عمل بداية خارج إطار تخصصه في العديد من المجالات، بدءاً ببائع كتب في شارع المتنبي وصولاً الى تقديم خدمات للمواطنين (عرضحالجي)، عمل أيضاً في مجاله كأستاذ جامعي لمدة أربع أيام فقط في آخر أسبوع من حياته، تصب اهتماماته في عدة اتجاهات، فهو الشاعر، الفنان، الرسام، الثائر، الأديب، الناشط، والمثقف، هل يمكن اختصار اي من ومضات ذاك السراج المنير!، نوافذ معتقة، كل نافذة  تفتح بابا على مدينة متفردة بمزاياها،  ويقول غيث محمد (صديقه المقرب) :" نحن أمام أكثر من صفاء لا أعرف من أين أبداً بالحديث عنه، شاب حالم يحب اتقان الأشياء، يعزف العود، يحفظ الشعر ويكتبه باحترافية، ويحب الرسم، إذ يرسم بطريقته الخاصة، ويهوى قراءة الكتب  فقد شارك في مهرجان أنا عراقي أنا أقرأ".
شارك صفاء في التظاهرات ضد السلطة الحاكمة وفسادها المستشري منذ عام 2011، حتى شوهد في أحد المرات يجلس أسفل نصب الحرية في ساحة التحرير بمفرده قائلاً:" "، كما كان أحد حاملي شعلة ثورة اكتوبر المجيدة ومن أهم مَن قدموا لها أكبر التضحيات من تحشيد الجماهير وايصال الصوت العراقي الحر عبر وسائل الإعلام العالمية فكان ثائراً اعلامياً وناشطاً مدنياً، وعن تفاصيل يوم استشهاده يقول علي ثابت ( صديق وشاهد عيان):"  في صباح يوم الثامن والعشرين من اكتوبر، الساعة العاشرة صباحاً، اتصلت بصفاء كي اطمئن عليه، عندها أخبرني إنه في عمله بالقرب مني وطلب مني، حينها ملبساً (تيشيرت وبنطلون)، إذ أن الزي الرسمي الخاص بالعمل يضايقه عند ذهابنا لساحة التحرير، اتفقت معه على وقت اللقاء وكان في الساعة الثانية عشر " ويعقب لنا علي عن أصرار صفاء وولعه بالتواجد الدائم في التحرير بقوله:" بعدما جهزت كل شيء ذهبت إليه، كان مكان عمله بالقرب من مكان أقامتي في حي العامل، أخذنا سيارة أجرة (تكسي) وفي الطريق أخذ يحدثني عن إنه قد فرغ صبره وهو في مكان عمله، وكيف أخبر مقرر القسم بأن يعطيه كل راتبه فقط ليذهب في هذا اليوم الى ساحة التحرير، وكيف إنه قد اختنق البارحة في شارع ابي نؤاس من القنابل الغازية، استمع لنا سائق التكسي وقد أخذه الحديث مع صفاء عن هذه التظاهرة، وكيف هي معطياتها، وعندما استمع السائق لكلام صفاء عن اندفاعه الشجاع لما يقوم به من مخاطرة كبيرة قال له السائق بالحرف الواحد (احنه جيل جبنّا صدام )، قام صفاء بتقبيل السائق من جبينه وقال له الآن قد قلت الصواب".
 ويضيف علي ساردا مجريات أحداث تلك الليلة بقوله:" قبل أن نصل الى باب الشرجي مرّرنا بالقرب من الكرادة الساعة الثانية ظهرا، حيث نزلت أنا، بينما هو أكمل طريقه لساحة التحرير، وبعد أن أكملت ما أريد من الكرادة عند الرابعة عصراً ذهبت الى التحرير واتصلت بصفاء، حيث  التقيته في حديقة الأمة وعندما  وعندها كنا جائعين، حيث قال لي احضر لي (لفة )، وبعد ما أكلنا أنا وهو، قمنا وذهبنا الى جسر الجمهورية، المكان الأخطر لما فيه من إطلاقات من الشغب للقنابل الدخانية والصوتية حيث كانت الإصابات تحدث بكل دقيقة أو كل خمس دقائق، كنا أنا وهو نراوغ الدخانيات، وكانت هناك سواتر مصنوعة من الصفائح الحديدية لصد القنابل، تقدمنا أنا وهو وبقينا خلف أحد السواتر، وبعدها اطلقت دخانية حطت بيننا، اختنقنا أنا وهو وافترقنا، وبعد ساعة تقريباً اتصلت به قال لي إنه ينتظرني في حديقة الأمة، ذهبت لهناك والتقيت به لنصف ساعة ثم افترقنا".
 ساعات مرّت بعد آخر لقاء جمع علي بصفاء الذي طالته أيادي الغدر ويقول علي بهذا الصدد:"  لم اتصل به خلال تلك الساعات، لم أكن أتوقع أن هذا الرجل الشجاع الذي لا يهاب الموت ولا السلطات إنه سيضرب برأسه بقنبلة دخانية، اتصل بي أحد أصدقائي في الساعة السابعة مساءً، وقال لي إن صفاء قد أصيب برأسه وبعدها حدث ما حدث". نقل صفاء على إثرها الى مشفى الجملة العصبية بحالة خطرة، وأدخل الى غرفة العناية المركزة حتى فارق الحياة.
هو الذي قال قبيل رحيله، عن لسان مظفر النواب:" إني أرى يوم انتصار الناس، واسمع من هتافي في الشوارع لاسيما في ساحة التحرير". نعم أنت ترانا نحمل عنك رايتك نلوح بها عالياً، تلك مسؤوليتنا من بعدك، "ومن مثل قلبك يعرف خط الوطن؟!" فكانت نبضاته ترانيم عشق صوفية على شواطئ دجلة وهي تتوق للقاء فراتها، ومن يسمو ليكون بصفائك  يا صفاء؟!، من يرتقي ليكون بمجد عزك، شموخك وبسالتك، كفارس أهدى جواده شرف التحليق، ليغدو ثوراً مجنحاً يصدح بصوت جهور حدوده السماء، ها آنذا العراق!.