حكاية شهيد ..مصطفى سلمان داود، وحيد أمّهِ، رحل وتركها تائهة بانتظار عودته

حكاية شهيد ..مصطفى سلمان داود، وحيد أمّهِ، رحل وتركها تائهة بانتظار عودته

 ماس القيسي
مصطفى سلمان شاب من مدينة الصدر في بغداد، من مواليد 2001، متخرج من احدى الجامعات ولديه وظيفة رسمية، وحيد لعائلته فليس لديهم ابناء سواه، خرج ليتظاهر في ثورة تشرين منذ بدايتها بتاريخ الاول من اكتوبر، يخبرنا عنه صديقه علي الحنين والاسف ممزوج بغصة حنين والم يلمع في نبرة صوته، قائلا: "صديقي مصطفى رحمه الله، شخص محب للحياة مرح ويهوى الكوميديا في سلوكه واهتماماته، معطاء ونقي لا يرضى الاذى المعنوي وحتى اللفظي بحق اي انسان، لم يكن ينقصه شيء، فهو متخرج وحاصل على العمل براتب دائم ولديه سيارة خاصة، لكن غيرته على وطنه واخوته، دفعته ليشارك في الثورة، اذ كان يقول لي دائما (علي ما فرقي انا عن اخوتي المتظاهرين في الشارع؟)".

"وحيد لامه"، عبارة حين نسمعها سرعان ما نشعر وكأن صفعة وجهها القدر لنا، نحن من نصغي لحادثة انسانية موجعة، كيف اذن بمن تعاني من وقع تأثيرها بعد ان رحل وتركها وحيدة؟، وبهذا يعقب علي قائلا: "تمسكت به والدته لكي تمنعه من الخروج يومها ولكنه اصر واخبرها بانه سيعود مساء، اذ كان اكثر ما يشغل باله والدته" ولكن شاء القدر ان يذهب تاركا امه في محطة انتظار دون وعي بما حصل، كما يقول علي: "والدته اصبحت بحالة اشبه بالهستيريا، لم تعد تعي بانه رحل ومازالت تأتي الى ساحة التحرير وتسأل عنه".
 شارك مصطفى في التظاهرات في يومها الاول حين اندلعت الشرارة في ساحة التحرير بيوم الاول من تشرين الاول، اليوم الذي انهى  حياته على يد احد مجهولي الهوية من قناصي الطرف الثالث، كما يقال!، الذي قرر ان يرد له هتافه الوطني السلمي المشرف برصاصة غادرة اصابت رأسه واودت بحياته على الفور. ويضيف علي قائلا: "منذ اول دخوله الى الساحة  ارتقى شهيدا، حين بدأنا  نتجمع في ساحة التحرير ونهتف حاملين اعلامنا فقط، ثم توجهنا صوب الجسر، هناك حاصرونا من خلال الحواجز الحديدية، وكنا وقتها نخاطب قوات الشغب باننا نريد اسقاط الحكومة فتم رمينا بالرصاص العشوائي لتفريقنا من جهة المطعم التركي، واطلاقات تطاردنا من قبل قناصين من عدة جهات، تفرقنا ثم وصلني خبر بان مصطفى قد اصيب في رأسه من جهة جسر الجمهورية واستشهد بلحظتها، لم تكن امامنا اية فرصة لإنقاذه، وقتها كنت محاصرا في الساحة ولا استطيع الوصول اليه".
 فاجعة كبيرة ادمت قلوب اسرة واحبة ورفاق شاب كان كل ذنبه انه عراقي الهوية والانتماء، وكل ما اقترفه وكان سببا في انهاء حياته عبارة "بالروح بالدم نفديك يا عراق!". ويضيف علي الصديق المخلص الذي ابى ان يفارق رفيقه الشهيد واضعا له صورة امام خيمة مجلس الشهداء، و يؤبن روحه يوميا بقراءة القرآن واشعال الشموع مع شهداء آخرين، بقوله: "نحن مفجوعون برحيل مصطفى، منذ رحيله ونحن نجدد العزاء على روحه الطاهرة، قبل ايام حتى ازحنا العلم الذي سقط من يده حين استشهاده ملطخا بدمه". ملائكة ترحل تاركة خلفها اعلام ترتسم بالوان حكايات معطرة بالشرف والكرامة.
 انه ليس عددا، ما كان ولن يكون عدد نمر عليه مرور الكرام حين نكتب او نوثق قصة شهيد، هو كيان له كل الحق في ان يحيا بسلام، ولكن كيف يمكن لدعاة الموت والخراب والفساد ان يدعون روح ثائرة دون المساس بها والتطاول عليها!، واهدار حقها في العيش على ارض الوطن. مصطفى لم يمت بل بقي فكرة تثور وتصدح في اذهان رفاقه، وكل من يواصل الحراك الثوري في بلادنا.