من التراث البغدادي..مطاعم بغداد ومآكلها في اوائل القرن الماضي

من التراث البغدادي..مطاعم بغداد ومآكلها في اوائل القرن الماضي

الشيخ جلال الحنفي
لم تعرف بغداد أول هذا القرن انتشار المطاعم والتي تبيع التمن والمرق وما إلى ذلك إنما كان الموجود في بغداد من المطاعم كان الكبابجي والباجة جي كما أن هناك من باعة الهريسة يصنعونها في الصباح وعرفت بغداد باعة الحميس يجلسون على الأرض وبين أيديهم طاوة كبيرة واسعة يقلون فيها الحلافيظ والمصارين ورديء اللحوم وكان الخميس مما يرغب فيه أكلته لطيب رائحته عند قلية فاذا مر عليه الوقت الطويل صار اشبه بالجلود.

ولم يكن الناس في بغداد ولا ذوو البيوت يأكلون المعلاك (الكبد والقلب والرئتين) اذ كان مما يستوجب السخرية ان ياتي الرجال اهله بمعلاك يحمله معه كما ان المعلاك لم يكن مما يبيعه القصابون انما كانوا يتركونه للزنابير والقطط ... والمعلاك اليوم من المآكل الغالية المرغوب فيها وكذلك القول في الفشافيش فانها لم تكن تعرف في بغداد اول القرن. وظهرت في بغداد اوائل ايام القرن اكلة تعرف بالابيض وبيض وهو ان يجلس  في السوق رجل اماه منضدة صغيرة واطئة عليها كؤوس الطرشي واوعية البيض المسلوق الذي يقطعه ويقدمه مع الخبز لأكليه الجالسين على كراسي صغيرة تكاد تكون لصق الارض. ولم تكن في بغداد اول القرن دكاكين لبيع البقلاة والزلابية انما كانت البقلاوة واخواتها تظهر الى الساحة في رمضان فقط اذ تباع على رؤوس الازقة فاذا انتهى رمضان لم تعد الناس تشاهد هذا النمط من الحلويات.. والزلابية الموجودة الان ليس بغدادية وانما هي تركية اما الزلابية البغدادية فقد انقرضت من وقت بعيد وكنا ادركناها ببيعها باعة من اليهود.
ومن مآكل الناس اليومية في بغداد الباكلة التي ينقعون فيها أرغفة الخبز لقاء قليل من النقود. وكانت باعة الباكلة هم من النساء يجلسن عند رؤوس الأزقة ومما اشتهرت بذلك امراة في الاعظمية اسمها (سعدة) وقد سمي الزقاق باسمها وصارت الباقلاء هذه اليوم تباع في مطاعم معروفة في بعض الاسواق وكذلك كان هناك من يقلي الكبة في الطاوات الواسعة. وكذلك من يقلي السمك في الاسواق لتأكل منه الأكلة.. اما الدجاج فلم تعرفه بغداد معروضا في مطاعم خاصة هنا وهناك .. وتطورت أكلة الأبيض بيض اليوم الى ما يسمى بالفات والسندويش والفلافل، وفي الصباح كان باعة الشرابت من مثل شربت الزبيب والتمر هند يبيعونها لمن يفطر عليها في الصباح .. وكان باعة الكبة يبيعونها في سلال خاصة ويتخذون لهم مواقف في السوق قبيل الغروب كما كان باعة الباجة الباردة يتخذون لهم مقاعد في السوق بين الغروب ليقبل عليهم من يتعشى بذلك.
مطابخ البيوت كانت تتألف من ثلاثة احجار يركب عليها قدر الطعام ومن هنا جاءت تسميتهم للطبوخات بالتركيب تقول (اشركبت اليوم) فيرد عليك من يقول لك انهم "ركبوا البيتنجان والبامية" وغير ذلك ثم دخلت الى المطابخ ادوات تعمل بالنفط والفتائل ثم ظهرت البريمزات وهي تعمل بالضغط ثم تطورت وسائل الطبخ فصارت راقية وحسنة المنظر ثم ظهرت الطباخات التي تعمل بالغاز كما ظهرت انواع من الطباخات الكهربائية بعد ان شاع امر استخدام الكهرباء، وكانت غالب القدور من النحاس وهم بين حين وآخر يذهبون بها الى من يسمى مبيض الجدور ليبيضهن بالقصدير ثم شاعت قدور الفافون التي لا تحتاج لتبييض.. وكانت القدور النحاسية اذا اهمل تبيضها تسبب التسمم الذي وقع غير مرة.. وكانت للناس في مطابخهم قدور ذوات اشكال وتسميات منها الجدر العرابي والكمحدون والفوشخانة وانواع الطاوات التي تستعمل لقلي اللحم والعروك وكانت عندهم لطبخ الرز طريقة تركت في ايامنا اذ كانوا "يفركعون الدهن بالطاوة ويسكبونه على قدر التمن" وهذا مما تناساه الناس اليوم.
وكان قصابو بغداد يرمون العظام للكلاب ولم يكونوا يبيعونها ولا كان احد يشتريها وأول ما رأيت ذلك في القاهرة سنة 1929 إذ كان الجزار المصري يفرض عليك قطعة من العظم يضعها في الميزان حين يبيعك اللحم الذي نشتريه منه.. كان بقالو بغداد يبيعون كل شيء بالعدد إلا النومي حلو فأنهم كانوا يبيعونه بالميزان !! وكان الطبخ على المواقد يستعمل فيه حطب الطرفة والبرماجة والعاكول والتوك والسعف.
ادركنا بغداد وهي تتحرك نحو التغيير في أزقتها وأحيائها اذ كانت لهذه الأزقة والأحياء أبواب تغلق بعد صلاة العشاء فلا يدخلها داخل ولا يخرج منها خارج إلا في ليالي رمضان فأنها تبقى مفتوحة حتى الفجر، وقد شهدت هذه الأبواب في بعض مواقعها لأن بغداد كانت مدينة مسورة ذات أبواب فخمة منها الباب الذي يقع في منطقة باب المعظم كما شهدت الباب الذي يقع في جهة الباب الشرقي ومكانها اليوم ساحة التحرير وما تزال هناك باب في جهة الشيخ عمر اما الباب الرابعة وهي باب الطلسم فقد أزيلت أواخر العهد العثماني إذ كانت مستودعا للبارود وقد نسف بالبارود الذي فيه خشية ان يستولي عليه المحتلون الانكليز وكانت هناك باب الخامس تقع على النهر في جهة الجسر العتيق وكانت تسمى باب الاغا وقد ازيلت من زمن بعيد، وكان لبغداد سور يحيط بها من جهاتها الاربع ومن ذلك جهة النهر ، جاء على ذكر ذلك بعض السياح الاجانب والان منهم من حدد طوله بالمشي حوله ساعتين ومنهم من استعمل في قياس طوله الياردات ومنهم من استعمل الخطوات وكانت بغداد محاطة بخندق ضيق وذي عرض ظاهر شاهدت منه ما كان بين المعدان والسور والمستشفى المجيدية الذي هو في كلية الطب اليوم كانت بغداد بدءا من مدخلها في باب المعظم كثيرة المقاهي ووجدنا منها كهوة البلدية وكهوة ابن كلك وكهوة لطيف وكهوة الوقف التي كانت عند جامع الميدان (جامع الاحمدية) ويتجمع الناس في المقاهي ليلا ونهارا وتدار عليهم اشربة متنوعة من ضمنها القهوة العربية والمقاهي التي نراها هنا لا وجود لها اليومز.. ولم يكن لوزارة الدفاع باب على الشارع.
عن: ج . البلد 1967