ثانوية (كلية بغداد) وثورة 14 تموز 1958

ثانوية (كلية بغداد) وثورة 14 تموز 1958

عبد الستار محمد علوش
عند اندلاع ثورة الرابع عشر من تموز1958 وعن احوال كلية بغداد في تلك الاحداث ، يمكن القول، أن تلك المرحلة كانت الحد الفاصل بين سياسة الحياد التي تميز بها طلبة الكلية وظهور بوادر الوعي السياسي لديهم، فقد ظهر تأييد عدد منهم لمسألة الجمهورية العربية المتحدة  بين( مصر وسوريا) ، والدعوة لانضمام العراق إليها عام 1958، مقابل رفض طلبة آخرين لتلك الفكرة.

 وباتت حادثة الاعتداء على الطالب باسم عمر، الذي تعرض للضرب من قبل بعض المأجورين السياسيين خارج الكلية الذي كان من المؤيدين لانضمام العراق لتلك الوحدة، شاهداً على ذلك. كما كان لاغتيال أحد طلاب الكلية وهو أرميني لاتهامه بالانتماء للشيوعية، شاهداً آخر على شيوع ظاهرة الحراك السياسي بين طلبة الكلية، وجرى اغتياله خارج الكلية لدى مشاهدته لأحدى المباريات الرياضية، وأجريت له حفلة تأبين كبيرة في كنيسة الكلية استغرقت عشرين دقيقة بحضور الآباء وعدد كبير من زملائه الطلبة.
يقول حارث العجيل، وهو أحد طلاب الكلية في تلك المدة:"لقد كانت إدارة الآباء تتعرض دوماً للإرباك خلال المدة التي أعقبت ثورة 1958، على خلاف ما كانت تعتاد عليه في السابق. فثمة فرق بطبيعة الحال ما بين العهدين الملكي والجمهوري وتبعاته على الوضع الداخلي للكلية، فمن المعلوم أن العهد الجمهوري شهد مجيء قيادات عسكرية كان أكثرها من ضباط الجيش الذين تميزوا بنوع من الضباب الفكري (بحكم تنشئتهم العسكرية لا المدنية)، وغالباً ما اختير عددٌ من أولئك الضباط لتولي مهام الوزارات، وبناءً على ذلك ولدواعي أمنية وسياسية صار لأولئك العسكريين بمرور الزمن مكانة وشأن على حساب طبقة المثقفين الذين كان من المفروض أن تكون لهم الأولوية في قيادة الدولة الجديدة".ولأول مرة بعد ست وعشرين سنة مضت على تأسيس الكلية، تظهر بوادر الخلاف والشقاق بين المكون الداخلي لهذه المؤسسة، فالعلاقات ساءت بين الطلاب المؤيدين للثورة وأولئك المعارضين لها، سواء كانت هذه المعارضة ناجمة عن عدم الإيمان بها أو بسبب ارتباطهم بصلات وثيقة بالنظام الملكي من واقع أن أغلب الطلبة هم من أبناء النخب السياسية وأولاد ضباط في الجيش أو موظفين كبار في البلاط الملكي أو أبناء رجال إقطاع متنفذين في البلاد، ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أولادهم بعد فقدانهم لمراكزهم في الدولة. أما بالنسبة للآباء اليسوعيين فأنهم لم يتعرضوا لأية إساءة، وربما كان لاعتراف الولايات المتحدة بحكومة الثورة في العراق أثر في تخفيف حدة العداء بين قادة الثورة من جهة، والحكومة الأمريكية من جهة أخرى، وبالتالي شكّل ذلك سبباً أدى الى عدم إلحاق الأذى بالآباء اليسوعيين.
على أية حال، فعلى الرغم من كل التحفظات التي طغت على الأوضاع أوائل الثورة إلا انه بوسعنا القول، أن حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم بعد انتهاء أحداث الثورة لم تقم بأي إجراءات استبدادية ضد المدارس والجامعات العراقية بما فيها الأجنبية. وأن الوزارة التي تولت مهام شؤون المعارف لم تخل من اتخاذها القرارات اللازمة لرسم الخطوط العامة للسياسة التربوية الجديدة التي ستسير في ضوئها وزارة المعارف لتكون منسجمة مع مبادئ الثورة الجديدة، ومن بين تلك الإجراءات إصدارها للقانون رقم (39) لسنة 1958 الذي وضع فيه فصلٌ خاصٌ عن المدارس الأهلية والأجنبية عمل على تنظيم تلك المدارس والتركيز على مسألة التزامها بالتعليمات الجديدة. من جهة أخرى تنبهت وزارة المعارف إلى أن المدارس الأهلية والأجنبية يمكنها أن تؤدي خدمات إلى النظام التعليمي خلال هذه المرحلة الحرجة شريطة أن تؤكد المستويات العلمية والثقافية من دون تأكيد الجوانب المادية.
أن أهم ما فاجأ كلية بغداد بعد الثورة هو استلامها كتاباً من المديرية العامة يتهمها بعدم امتثالها لتعليمات وزارة المعارف لاسيما ما يتعلق بموضوع تغيير المناهج الذي حصل فيما بعد، وقيام الكلية بإجراء التغييرات وفقاً لرغبة إدارتها. فضلاً عن تلقيها كتاب آخر من الرقابة العسكرية في حكومة الثورة ينبه إدارة الكلية بعدم اكتراثها بالتغييرات الجديدة الحاصلة في البلد الذي انعكس في كتابها السنوي الذي نشرته هذا العام الذي لم يشر إلى أي من انجازات الثورة التي تحققت.
الواقع، أن من أكثر الأمور إثارة للاهتمام التي تستحق الدهشة والاستغراب حقاً، هو ذلك الهجوم الذي تعرضت له كلية بغداد في العام الدراسي الأول بعد ثورة 1958، إذ تعرضت الكلية إلى اعتداء في وضح النهار وفي ظروف غامضة من قبل جماعة كبيرة من الشبان قدموا من واجهة الاعظمية. إذ فوجئت الكلية بدخول ما يقارب الثلاثين ولداً إلى حرم الكلية بعد الساعة العاشرة صباحاً بعد أن كان (280) طالباً من طلاب الكلية في ساحات وحدائق الكلية، وعلى الرغم من محاولة الآباء إخراج تلك المجموعة من داخل الكلية وقيام الأب مايكل ماكارثي مدير الكلية بالاتصال بالشرطة إلا أن محاولاتهم تلك لم تجد نفعاً، فقد اعتدى المهاجمون على الطلبة بالضرب مما أدى إلى جرح عددٍ منهم، وبرغم الاتصالات التي أجريت مع مدير ناحية الاعظمية ومدير المعارف في لواء بغداد لإغاثتهم، إلا أن أي أحد من أولئك لم يفعل شيئاً لمعالجة الموقف أو إرسال من يتحقق من هذا الحادث أو معاقبة المعتدين. وبعد خروج تلك العصابة قاموا بتهديد الطلاب بالعودة مرة أخرى لتكرار الاعتداء عليهم، والغريب أنه لم تعرف إلى الآن أسرار تلك الحادثة ودوافعها والجهة التي تقف وراءها.
وكان لكلية بغداد أيضاً موقف من محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في السابع من تشرين الأول 1959، فقد شاركت كلية بغداد سائر بقية المدارس في تنظيم مظاهرة تأييد للزعيم قاسم، وهي أول مظاهرة ينظمها الطلاب داخل الكلية منذ تأسيسها عام 1932 حتى زمن وقوع هذه الحادثة. ورغم الجهود التي بذلها الآباء ومدير الكلية الأب سلفان اليسوعي للحيلولة دون حصول تلك المظاهرة رغبة منهم لتجنيب الطلبة أي مشاكل في حال انخراطهم في شؤون السياسة، إلا أن تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح. من جهة أخرى لجأت إدارة الكلية إلى استدعاء الطلبة المنظمين لتلك المظاهرة والطلب منهم بالكف عن ذلك بعد إنذار العديد منهم بالطرد من الكلية في محاولة منهم لمعالجة الموقف، إلا أن الطلاب لم ينقادوا لتوجيهات إدارتهم وصمموا على الخروج لتأييد الزعيم، واستطاع عدد منهم يقدر بنحو خمسين طالباً التوجه إلى خارج حرم الكلية، ورغب الباقون الخروج معهم إلا أن الآباء منعوهم بعد أن وقفوا في الأبواب الرئيسة للكلية وابلغوهم بتحمل تبعات عملهم وتعريض أنفسهم للعقاب من قبل الإدارة، فخرج منهم من خرج وبقي القسم الآخر في الداخل. وأثناء التظاهر تم تعليق صورة للزعيم على أحدى الأشجار، وأخذ الطلاب يرددون بعض العبارات الوطنية ويهتفون بحياة الزعيم الأوحد، ومن أجل تهدئة الوضع قام أحد الآباء بانتزاع الصورة من الشجرة. وبعد اتخاذ الإدارة لعدد من الإجراءات ضدهم، فقد أثارت تلك الإجراءات حفيظة عدد من الطلاب الذين قرروا أن يشكوا أمرهم إلى لجنة الاتحاد العام للطلبة حول ما حدث، وفي اليوم التالي استدعى المدير الطلاب المشتركين بالمظاهرة وتم إخراجهم من الصفوف الدراسية وأمرهم بجلب أولياء أمورهم، ولم تستطع إدارة الكلية التعرف إلى أسماء المشتركين كلهم إلا من خلال الطلبة الممتنعين عن الاشتراك فيها. كما طالب المتظاهرون الاتحاد العام للطلبة بالتدخل السريع لإرجاع المبعدين من الكلية.
عن: رسالة (كلية بغداد 1928-1969 " دراسة تاريخية")