في 17 كانون الأول 1956..من سجل الحركة الوطنية العراقية.. انتفاضة فلاحي الحي

في 17 كانون الأول 1956..من سجل الحركة الوطنية العراقية.. انتفاضة فلاحي الحي

د. سيف عدنان القيسي
راحت موجة المظاهرات الشعبية ضد العدوان الثلاثي على مصر تتزايد يوماً بعد يوم ووصلت الى ذروتها في الرابع والعشرين من تشرين الثاني 1952، عندما أخذت الحشود الغاضبة المسلحة بالخناجر والمسدسات والحجارة والعصي الضخمة، عندما بلغهما نبأ إضراب طلبة ثانوية النجف ومتوسطة الخورنق والسدير إضرابهم عند الدراسة وقبعوا في داخل ساحة المدرسة، مما دفع بالشرطة لصد خروج الطلاب إلى الشارع، فأمطرتهم الشرطة بوابل من رصاص رشاشاتها ومسدساتها فجرحت عدداً كبيراً منهم.

مما دفع أهالي النجف إلى الاصطدام مع الشرطة واستنادا الى الرواية الرسمية إن أثنين من المتظاهرين قتلا وجرح سبعة وعشرون آخرون، وتسعة من الشرطة ولكن الرقم الفعلي كان أكبر من ذلك، وهذا أثار المشاعر الشعبية الى درجة أن علماء الدين في النجف رفضوا في اليوم التالي القيام بواجباتهم الدينية وأختفى رجال الشرطة كلياً من الشوارع، وأن استدعيت قوات الجيش فأنها بدلاً من تنفيذ أوامر الحكومة تآخت مع الجماهير وحشودها.
وتأزمت الحالة في النجف وأخذت المدينة تزدحم بالمتظاهرين صباحاً ومساء بعد أن نال المتظاهرون التأييد من الوجوه والرؤساء كافةٌ حتى علماء الدين وقد أثرت هذه الأوضاع في توسع المظاهرات وامتدادها إلى الكوفة أيضاً حين تسرب بعض الشيوعيين من النجف إليها مساء يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني، وفي الساعة الخامسة تظاهر الشيوعيون داخل المدينة فأشترك معهم جمع غفير من الناس، وحاولت الشرطة تفريقهم، ولما كان عدد الشرطة قليلاً بالنسبة للمتظاهرين انسحبوا عنهم تحت وابل من الحجارة، ودخل المتظاهرون إلى سوق الكوفة، ووزعت منشورات طبعت بالرونيو كان عناوينها”حجج الإسلام في النجف يستنكرون بشدة وحشية السعيد الاجرامية وغدره",قال التقرير اليومي لمديرية شرطة لواء كربلاء أن الشيوعيين قاموا بتوزيعها, ولم تستقر الحالة في النجف إلا بتدخل قوات الجيش وانتشارها بكثافة في المدينة.
استمرت المظاهرات في العراق، فكانت الحي, أحدى المدن العراقية التي أستنفرها العدوان الثلاثي على مصر واستنفرتها حوادث النجف وكانت إلى ذلك تشكو حكم الإقطاع والإقطاعيين فيها، فكانت المظاهرات التي حدثت في الحي هي الأبرز، وكانت المنظمات الشيوعية تشعر بأنها تقف على أرضية ثابتة في المدينة، وفي ضوء التوجهات الجديدة بدأت لجنة الحزب في الحي التي كانت قد بدأت الإضرابات والتظاهرات منذ الثاني من كانون الأول1956، السير باتجاه الانتفاضة المسلحة وكان زعيمها الشيوعي علي الشيخ حمود، وهو بائع كتب محلي، شديد الثقة بالأرضية التي يقف عليها إذ وقف عدد كبير من أبناء الحي إلى جانبه.
لقد تحولت المظاهرات في مدينة الحي التي قام بها الأهالي دعماً إلى مصر ضد العدوان واحتجاجا على موقف نوري السعيد من العدوان إلى انتفاضة حقيقية ضد الحكومة والإقطاعيين، وأعلنت مدينة الحي إضرابها في السابع عشر من كانون الأول 1956، وتجمهر مجموعة من الأهالي في سوق المدينة وهتفوا بهتافات معادية لحكومة نوري السعيد لكن الشرطة اصطدمت بهم وأصيب جراء ذلك ضابط شرطة البلدة في رأسه وطعن أحد أفراد الشرطة بسكين في ظهره، وتتشتت التظاهرة بعد ألقاء القبض على عشرة من المتظاهرين.
ولمواجهة الاوضاع في المدينة, وصلت اليها تحت جنح الظلام ليله 17/12/1956، قوات اضافية من الشرطة وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليلة نفسها بدأت الشرطة تحرشاتها فراحت تنتهك حرمات الدور وتعتقل وتعتدي على النساء والرجال بمختلف الاهانات والشتائم وهاجمت إحدى الدور التي يسكنها شيوعي بارز في المدينة مستعملة الرشاشات لفتح بابها، فأستشاط سكان المدينة لهذا الاستهتار فهجموا على الشرطة ولكنها لاذت بالفرار، فقامت الحكومة على أثرها باعتقال أعداد كبيرة من المتظاهرين ومهاجمة الكثير من أبناء المدينة وتحويلهم الى المجلس العرفي العسكري.
وأنطلقت الجماهير بمظاهرات صاخبة متواصلة حتى المساء أحتجاجاً على ذلك فعززت قوات الشرطة بقوات أضافية وبالمدافع والرشاشات، والسيارات المسلحة وأقامت المتاريس والاستحكامات وجاء متصرف اللواء وطالب الاهالي بتسليم 40 شخصاً من دون أن يحددهم وأنذرهم بأن الشرطة ستدخل السوق لترابط هناك وتعتقل من تشاء، والا فأن معاقل المتظاهرين ستضرب بالمدافع وكانت قوات الشرطة قد بلغت 1500 شرطي وضابط.
ومن جانب أهل المدينة طالبوا بأطلاق سراح المواطنين المعتقلين الذين أعتقلتهم قوات الشرطة في 17 تشرين الثاني، وكف قوات الشرطة من أرهابهم وأستهتارها بحياة المواطنين، وبالفعل وعند الضحى كان الوفد لدى المتصرف، وأبلغهم بأن المعتقلين سيطلق سراحهم، سرى الاستبشار بين الجماهير، ولكن هذه خديعة من الشرطة هدفها تطمين الجماهير، لكي تتمكن الحكومة من فرض سيطرتها على المدينة، وتمكنت من عزلها عما حولها ومنعت الدخول والخروج منها واليها.
وكانت الحكومة تستغل الاحكام العرفية لضرب الحركة االوطنية المتمثلة في الاشخاص الموجودين في مدينة الحي الذين ينظمون المظاهرات وهم من ملاكات  الحزب الشيوعي، وهما كل من علي الشيخ حمود وعطا مهدي الدباس.
فحدثت مواجهات بين المتظاهرين والشرطة وأطلقت الشرطة نيرانها على أهالي المدينة الذي أمطروا الشرطة من رصاص بنادقهم من على سطوح أبنيتهم الامر الذي أوقع أصابات كبيرة بين الطرفين و ادى الى استشهاد اثنين من المواطنين وقتل شرطي واحد.
وانتهت المعركة بعد أن نضب عتاد المتظاهرين فأستباحت الشرطة المدينة التي تنادى أهلها بجعلها (بورسعيد الثانية) وألقي القبض على أعداد كبيرة من أبناء المدينة بلغت في اليوم الاول أكثر من ألف شخص وقد أحيل زعماء وقادة الحركة الوطنية الى المجالس العرفية العسكرية التي حكمت بالاعدام على كل من عطا مهدي الدباس وعلي الشيخ حمود ونفذ الحكم بهما في وسط المدينة، ونفذ الحكم في التاسع والعشرين من كانون الاول 1956، في الساحة التي انطلقت منها المظاهرات الجماهيرية, ولهذا  فأن الحزب الذي اعتبر النضال السلمي هو الاسلوب الرئيسي والغالب، الا أن ما جرى في مدينة الحي وإعدام الشيوعيين جعل الحزب يعدّ الاسلوب السلمي الذي سلكه أصبح غير مجد، وأن أسلوب القوة هو الاساس، وبدأ الحزب يدرب رفاقه على أستخدام السلاح وكان الشيوعي العسكري خزعل يدرب الشيوعيين على إستخدام السلاح في البيوت.
وأصدر المجلس العرفي العسكري أحكاماً أنتقامية فحكم على (ستة عشر) مواطناً بالاشغال الشاقة مدة (خمسة عشر) سنة لكل منهم، وحكم على (ستة) مواطنين بـ (عشرة)  سنوات لكل واحد منهم، كما أصدر أحكاماً ثقيلة أخرى مددًا مختلفة بين (1-3) سنوات وأودعت المئات من أهالي المدينة رهن التوقيف.
عن: رسالة (الحزب الشيوعي العراقي ودوره في الحركة الوطنية العراقية)