في 11 كانون الأول 1944..رفات الافغاني في بغداد والاحتفال بذكراه

في 11 كانون الأول 1944..رفات الافغاني في بغداد والاحتفال بذكراه

رفعة عبد الرزاق محمد
في  عام 1926 اعلن الثري الامريكي جارلس كراين، العثور على قبر المصلح الكبير  السيد جمال الدين الافغاني في احدى زوايا مقبرة المشايخ في اسطنبول، وكان  قبرا بسيطا مهملا ضائعا بين القبور الكثيرة، فعمد الى ترميمه واقام عليه  ضريحا فخما. وبدأت الدراسات والمقالات في مشارق الارض ومغاربها تحيي ذكراه  وتعيد نشر اثاره وتبحث عن اخباره المتفرقة.

وفي خريف عام 1944، قررت حكومة افغانستان نقل رفات الافغاني من اسطنبول الى وطنه وعبر الاراضي العراقية، وخصصت ارضا في مقدمة جامعة كابل لبناء قبر له.
ومنذ ان اذيع خبر سماح الحكومة العراقية لرفات الافغاني بالمرور عبر العراق حتى اخذت الصحف تنشر المقالات التي تتغنى بمآثر المصلح الكبير، وتطالب ان تحتفي بمقدمه الجهات الثقافية والفكرية العراقية. وفي الاول من كانون الاول 1944 نشر البيان التالي من وسائل الاعلام آنذاك:
"علمت الحكومة في بغداد بقرب مرور رفات المغفور له المصلح الكبير السيد محمد جمال الدين الافغاني من بغداد بقطار الشرق السريع بطريقه الى الافغان. وبالنظر لما لهذا المصلح الشرقي الخطير، فقد اوعزت الحكومة حالا بتأليف لجنة للاحتفاء بالرفات عند المرور عبر العراق. وهذه اسماء حضرات الاعضاء وسوف تعمل اللجنة برئاسة مدير الدعاية العام السيد احمد زكي الخياط ويمثل وزارة الداخلية والسيد باهر فائق مدير التشريفات بوزارة الخارجية والدكتور خالد الهاشمي مدير التعليم الثانوي والسيد فخري الدين الفخري رئيس مهندسي امانة العاصمة والسيد يوسف حنظل مدير الحركات في مديرية الشرطة العامة والسيد احمد القاضي مدير اوقاف بغداد.."
وفي العاشر من كانون الاول 1944 وصل قطار الشرق السريع من تركيا الى محطة قطار الموصل وهو يحمل رفات الافغاني يرافقه السفير الافغاني في العراق السيد عبد الرحمن خان. وقد وصفت جريدة (فتى العراق) الموصلية احتفال الموصليين وقالت ان السيد خير الدين العمري رئيس بلدية الموصل كان على رأس المستقبلين ووضع اكليلا من الزهور على الصندوق الذي يضم رفات الافغاني والقى كلمة بليغة امام الحاضرين فأجابه السفير الافغاني بكلمة شكر.
واتجه القطار بعد هذا الاحتفال الى بغداد فوصلها في ساعة مبكرة من صباح 11 كانون الاول 1944 وكان في انتظاره جمهور غفير يتقدمهم اعضاء لجنة الاحتفال والجالية الافغانية ببغداد وعدد من العلماء وكبار الموظفين. ثم حمل الرفات على الاكتاف واودع سيارة خاصة نقلته الى الحضرة القادرية ووضع بجانب ضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني. كتبت جريدة (الرأي العام): كان معشر الادباء والمثقفين منذ ان اذيع خبر مرور الرفات الكريم متلهفين لرؤية يوم الاحتفاء. وفي مساء يوم الاربعاء (14 كانون الاول 1944) فوجيء الناس بخبر الاحتفاء وما ازفت الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي حتى كانت الجموع تتقاطر مهطعة الى المرقد القادري حيث وضع الرفات وحيث تقرر اقامة الحفل هناك.
ولعل الطبيعة التي عبست بوجه الافغاني منذ ان اشتد عوده حتى احتواه لحده، قد ابت الا ان تعبس بوجهه في هذا اليوم ايضا فقد كانت السماء غائمة وكانت الطرقات تفيض بما هطل من الامطار ثم شرع القوم يتواردون فاذا بالمرقد القادري يضيق بالقادمين ساحاته واروقته وابهاؤه، والشوارع والطرقات المؤدية اليه تزخر بالناس يتدافعون بالمناكب مشرئبة اعناقهم بغية التطلع الى النجم المسجى".
وذكرت صحيفة اخرى ان من الشخصيات التي كانت تحيط بالرفات قبل الحفل الرئيسي الشيخ قاسم القيسي ونقيب اشراف بغداد وقاضي بغداد ووزير الشؤون الاجتماعية محمد حسن كبة ووزير المعارف ابراهيم عاكف الالوسي ووزير المواصلات والاشغال عبد الامير الازري ووزير التموين يوسف غنيمة والسفير الافغاني عبد الرحمن خان والسفير السعودي والسفير المصري، ومدير الاوقاف العام رؤوف الكبيسي ومدير الخارجية العام فاضل الجاملي وامين العاصمة حسام الدين جمعة وغيرهم.
وبدأ الاحتفال، وكان السيد طه الراوي، استاذ الادب الغربي في دار المعلمين العالية، اول المتحدثين فالقى كلمة على اثر الافغاني في ايقاظ الشرقيين من رقدتهم والنهوض بهم. ثم القى الدكتور خالد الهاشمي مدير التعليم الثانوي كلمته، وتلاه الشيخ جلال الحنفي كلمة علماء الدين. ثم القى الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري قصيدته الرائعة التي استعيدت مقاطعها عدة مرات، ومطلعها:
هويت لنصرة الحق سهادا
فلولا الموت لم تطق الرقادا
وقد انهاها بقوله:
جمال الدين كنت وكان عهد
سقيت لما صعدت له العبادا
نما واشتط واشتدت عراه
وزاد الصامدون له اشتدادا
فكم في الشرق من بلد جريح
تشكى لا الجروح بل الضمادا
تشكى بغي مقتاد بغيض
تأبى ان يطاوعه انقيادا
وبعدها. تقدم احمد زكي الخياط مدير الرعاية العام ورئيس لجنة الاحتفال والقى كلمته وقد اعلن فيها ان الافغاني التقى الشريف علي بن الحسين الذي استقدم ضيفا على السلطان العثماني للاقامة في اسطنبول وتحادثا كثيرا عن المسئلة الشرقية وقضايا الخلافة والاستقلال والنهضة. وتلاه السيد عبد الرحمن خان وزير الافغان المفوض والقى كلمة قصيرة. واختتم الاحتفال بدعاء تلاه الشيخ جلال الدين الحنفي. واعلن في هذا الحفل ان مجلس امانة العاصمة قرر تسمية احد شوارع بغداد باسم الافغاني، وهو الشارع المبتديء من ساحة عنتر والمنتهي بالسدة الشرقية والمحاذي للنادي الاولمبي (النادي الرياضي الملكي العراقي).
وبعد انتهاء الحفل رفع الرفات ووضع على سيارة مكشوفة وسارت يتبعها رتل طويل من سيارات المشيعين الى المطار المدني مخترقا شارع الملك غازي (الكفاح) ثم شارع الملك فيصل الثاني وجسر الملك فيصل الثاني (جسر الاحرار) فشارع الملك فيصل الاول فالمطار. وانتظر في صالة المطار حتى  نقلته ثلة من الشرطة العراقية الى الطائرة المخصصة لنقله الى البصرة.
وفي البصرة تقرر تغيير واسطة نقل الرفات من العراق الى افغانستان فقد كان مقررا ان ينقل على باخرة متوجهة الى الهند، الا انه نقل في النهاية على متن الطائرة نفسها التي اقلته من بغداد. وصفت جريدة (الثغر) البصرية الاحتفال في عددها ليوم 17 كانون الاول فقالت:
"استقبلت البصرة عصر يوم الخميس الماضي رفات المصلح الاسلامي العظيم والمجاهد الكبير السيد محمد جمال الدين الافغاني بما يليق مقامه من التجلة والاحترام كما استقبلته عام 1308 يعاني الام السقام الجسدي والنفساني مما يلاقيه في سبيل عقيدته ومبادئه الاصلاحية واستضافته بالرحب والسعة واحاطته بكل ضروب الحفاوة والتكرم، حتى ابل من مرضه رحمه الله وغادرها، كما غادرت رفاته صباح امس بالطائرة الى مسقط رأسه. وعندما هبطت الطائرة في ارض الميناء الجوي بالمعقل كان سعادة متصرف اللواء ووجوه المدينة واشرافها ومدير الشرطة ورئيس البلدية في الاستقبال، وكان معالي وزير الافغان المفوض يرافق الرفات مرحب به سعادة المتصرف واقام له وللحاشية مأدبة عشاء فاخرة في فندق شط العرب وأقيم حرس خاص يحرس الرفات حتى صباح امس الباكر حيث واصلت الطائرة سفرها الى الهند.."
وهكذا انتهى عهد الافغاني بالعراق بعد ان هبط في هذه الديار ثلاث مرات، كان اخرها رفاتا سنة 1944، اما المرة الاولى التي قيل انها في سنة 1849 فهي موضع شك ولا تصمد طويلا امام البحث ولم يشر اليها احد من المؤرخين المعاصرين للأفغاني فضلا عن عدم وجود ما يشير اليها في آثار الافغاني القلمية. اما زيارته المحققة للعراق فقد كانت سنة 1891 وقد تركت ذكريات وآثار وهي حرية بالبحث والجمع.