ما أشبه الليلة بالبارحة..كيف سنّ قانون الانتخابات المباشرة في الخمسينيات؟وماهوموقف احزاب السلطة منه؟

ما أشبه الليلة بالبارحة..كيف سنّ قانون الانتخابات المباشرة في الخمسينيات؟وماهوموقف احزاب السلطة منه؟

عماد كريم عكوب محمد
يعد قانون انتخاب النواب العراقي الموروث من العهد العثماني قانوناً قديماً, إذ تستطيع الحكومة من خلال هذا القانون أبعاد من تشاء, وتأتي بمن تشاء في  الانتخابات النيابية, لذا شرعت وزارة توفيق السويدي الثانية التي تألفت في 23 شباط 1946م, قانوناً جديداً للانتخابات, وتمت المصادقة عليه في 21 ايارم1946, ألا أن القانون الجديد لم يحول دون تدخل الحكومة السافر في الانتخابات, وحدوث عمليات تزوير,

 وابتزاز  في الانتخابات النيابية التي أجريت في عهد وزارة نوري السعيد التاسعة عام 1947م, ووزارة السيد محمد الصدر عام 1948م.
استنادا إلى ذلك, نشطت المطالبة بتعديل قانون الانتخابات من قبل الأحزاب الوطنية قبل انتهاء الدورة الانتخابية الثانية عشرة لمجلس النواب المنتخب في حزيران 1948م, وقدم نواب المعارضة في المجلس النيابي, وعددهم ثمانية وعشرون نائبا بما فيهم نواب الأحزاب, طلبا لتعديل قانون الانتخابات وجعله مباشرا, وعلى درجة واحدة, وأشاروا إلى أن الأخذ بطريقة الانتخاب المباشر أكثر انطباقا مع أحكام الدستور الذي منح هذا الحق للمواطن يمارسه دون صعوبة خلافا لطريقة الانتخاب على درجتين.
نوقش الطلب الذي تقدم به نواب المعارضة في عدة جلسات , ورفض من قبل الأكثرية الحكومية في مجلس النواب  الذين رأوا فيه ما يتعارض, ومصالحهم في أبقاء دائرة الانتخاب ضيقة.
عارض حزب الاتحاد الدستوري مقترح قانون الانتخاب المباشر, وأكد أعضاء الحزب أن الانتخاب المباشر لا يمكن أن يعد الوسيلة الوحيدة الضامنة للتمثيل الصحيح, وأشار عدد من أعضاء الحزب إلى أن الناخبين من العشائر يمثلون ثلثي السكان, ويتعذر نقلهم إلى صناديق الانتخاب, الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم مشاركتهم في الانتخابات.
حدثت مشادات كلامية في مجلس النواب حول مقترح قانون الانتخاب المباشر بين أعضاء حزب الاتحاد الدستوري المعارضين للمقترح, وبين نواب المعارضة المؤيدين, وأشار نواب حزب الاتحاد الدستوري إلى عدم أمكانية تمرير المقترح في المجلس, واستحالة تطبيق القانون في الظروف الحالية مبررين ذلك بتأخر البلاد(, وأشار جميل الاورفه لي إلى أن النقطة المهمة إصلاح القانون, وجعل الانتخابات حرة بعيدة عن التدخل, لتمثيل الأمة تمثيلا صحيحا, وأوضح بأن الطريقة سواء كانت مباشرة, أو غير مباشرة غير مهمة, لكنه ذكر بأن تاريخ العراق السياسي, والبرلماني يتطلب تطبيق الانتخابات غير المباشرة( وفي ذات السياق عَدّ محمد علي محمود نائب اربيل واحد مؤسسي الحزب البارزين تطبيق قانون الانتخاب المباشر غير ملائم للمرحلة ,مشيرا إلى أن الأحزاب السياسية"غير مستقرة" وأن إجراء انتخابات مباشرة سيؤدي إلى نتائج سلبية.
وفي مقابل الطلب الذي رفعه نواب المعارضة لتعديل قانون الانتخابات, طرح في مجلس النواب في 13 آذار 1951م, بإيعاز من نوري السعيد تقرير تقدم به ثمانية وعشرون نائبا من نواب الحكومة, ومن ضمنهم أربعة وعشرون نائبا من حزب الاتحاد الدستوري لإعادة النظر في قانون الانتخاب بما يضمن سلامة الانتخابات من التدخل فيها, دون الإشارة إلى الأخذ بقانون الانتخاب المباشر.
احدث التقرير المقدم من نواب حزب الاتحاد الدستوري ضجة في مجلس النواب, إذ رأى كثير من النواب, ولاسيما نواب الأحزاب السياسية أن الاقتراح  جاء مطلقا, ولم يحدد, أو يوضح التعديلات المراد إدخالها على قانون الانتخاب, ووصفوه بأنه ارتجالي.
عند مناقشة التقرير الذي تقدم به نواب حزب الاتحاد الدستوري في مجلس النواب, قُبلَ بالأكثرية, وأحيل على الوزارة, فألفت الوزارة لجنة للنظر  فيه, وأقامت بإدخال عدد من التعديلات التي لم تمس جوهر القانون, وقدم إلى مجلس النواب لائحة قانون تعديل انتخاب النواب رقم 11 لسنة 1946م, وتم التصويت عليه في 28 حزيران 1952م, وكان أهم ما تضمنه تقليل مدة الانتخابات, وإعادة النظر في قضية تمثيل اليهود في المجلس, بعد أن هاجر اغلبهم إلى إسرائيل, وعَدَّ الطعن بالانتخابات التي تجري بمقتضى القانون جريمة يعاقب عليها.
أدى أقرار لائحة تعديل قانون النواب إلى استياء الحركة الوطنية, وعَدَّ الحزب الوطني الديمقراطي ذلك يعني كبت المعارضة, وفرض دكتاتورية سافرة, وتكوين سلطة تشريعية تكون خاضعة للحكومة, واصدر حزب الجبهة الشعبية المتحدة بيانا عَدَّ فيه التعديل خطراً كبيراً على النظام الديمقراطي, ويشجع على التزوير, في حين أشادت صحافة حزب الاتحاد الدستوري باللائحة, وأشارت إلى أن السلطة القضائية, والتشريعية ستشرف إشرافا فاعلاً على الانتخابات, وعَدَّ    ذلك يقطع الطريق أمام كل من يود تشويه سمعة المملكة في الداخل, والخارج, كما نشرت مقالا تحت عنوان"ضجة مصطنعة حول لائحة قانون تعديل قانون الانتخابات" إذ انتقدت بشدة المعارضين لقانون الانتخاب الجديد, وعدّت القانون مثالياً للمرحلة.
استمرت الأحزاب السياسية في مطالبتها بتعديل قانون الانتخاب, وفي 28 تشرين الاول1952م, قدمت الأحزاب مذكرات إلى الوصي عبد الإله, استعرضت فيها أحوال البلاد العامة, وشددت فيها بوجوب تعديل قانون الانتخاب.الأمر الذي دفع الوصي عبد الإله إلى دعوة قادة الأحزاب, ورؤساء الوزارات السابقين لعقد مؤتمر في البلاط الملكي.
في 3تشرين الثاني 1952م, عقد الوصي عبد الإله مؤتمراً في البلاط الملكي لمناقشة الوضع السياسي في البلاد, وقد حضر الاجتماع رئيس الوزراء مصطفى العمري, ورؤساء الأحزاب, ورؤساء الوزارات السابقون وأثناء المداولات, أيد اغلب الحاضرين ومعهم نوري السعيد نظام الانتخاب غير المباشر, باستثناء رؤساء الأحزاب الأربعة الذين شددوا على أهمية الانتخاب المباشر.
على الرغم من معارضة الأغلبية في مؤتمر البلاط لنظام الانتخاب المباشر, إلا أن رئيس الوزراء مصطفى العمري, اصدر بيانا في 16 تشرين الـــثاني1952م, أكد فيه أن الوزارة تتبنى مبدأ الانتخاب المباشروأنها قـررت تألـيف لجنة من كبار خبراء القانون لإعداد لائحة القانون, وطلب من الأحزاب انتداب من يمثلها في وضع لائحة الانتخاب المباشر, لكن الأحزاب رفضت التعاون مع الوزارة, باستثناء حزب الاتحاد الدستوري, الذي أجاب على الطلب, وانتدب محمد علي محمود عضو الهيئة العليا للحزب لتمثيل الحزب في اللجنة المقرر تأليفها لإعداد لائحة قانون الانتخاب المباشر.
لم يلق بيان رئيس الوزراء مصطفى العمري فيما يخص قانون الانتخاب المباشر قبولا من قبل الأحزاب, "لعدم صفاء نية الحكومة".وقد تطورت الأحداث باندلاع الانتفاضة في 22 تشرين الثاني 1952م, إذ شاركت فيها جميع الأحزاب السياسية, وشكلت هيئة ارتباط للتنسيق فيما بينها, باستثناء حزب الاتحاد    الدستوري. الذي تعرض مقره إلى هجوم المتظاهرين, إذ خلعوا لوحة معلقة على مقر الحزب تحمل اسمه ثم وضعوها على مكان تجمع فيه "النفايات, ثم رفعوها, ووضعوها على مدخل المبغى العام.
استقالت وزارة مصطفى العمري في 22 تشرين الثاني1952م, إثرَ اندلاع انتفاضة 22 تشرين الثاني  1952م وازديادها حدة, وكلف الوصي عبد الإله رئيس أركان الجيش نور الدين محمود, بتأليف الوزارة فألفها في 23 تشرين الثاني 1952م, إذ أعلنت الوزارة الأحكام العرفية بصورة مؤقتة في  بغداد, وشكلت مجلساً عرفياً لمحاكمة المعتقلين, وحلت الأحزاب السياسية بما فيها حزب الاتحاد الدستوري,وعطلت الصحف التابعة لها, وصحفاً أخرى معها, إذ بلغ عدد الصحف التي عطلت (17) صحيفة, من بينها صحف حزب الاتحاد الدستوري.
عن: رسالة (حزب الاتحاد الدستوري- دراسة تاريخية)