60 عاما على رحيله يعقوب سركيس ومكتبته الشهيرة

60 عاما على رحيله يعقوب سركيس ومكتبته الشهيرة

رفعة عبد الرزاق محمد
كان ليعقوب سركيس ( توفي يوم 3 كانون الاول 1959 )مكتبة عامرة ، تعد من اشهر المكتبات الشخصية في الشرق . وكانت هذه المكتبة تقع في بيته المطل عل دجلة في محلة المربعة غير بعيد عن جامع ومرقد السيد سلطان علي . وقد اوصى قبل وفاته ان تهدى هذه المكتبة الى جامع الحكمة ( الاهلية ) في بغداد ، ثم آلت بعد الغاء الجامعة الى مكتبة المتحف العراقي .

 وقد قام الاستاذ كوركيس عواد بوضع فهرس تفصيلي بمخطوطات الاستاذ سركيس عام 1966  . اما المطبوعات فقد حفظ النادر والنفيس في مكتبة المتحف في بغداد ونقل القسم الاخر الى مكتبة متحف كركوك .
ومن الذخائر الخطية في مكتبته ، وقد افادته كثيرا في بحوثه ، ما وجده في صندوق آل عبود اخواله ، ولندعه يصف لنا هذه اللقية : وجدت في دار لطف الله عبود ( ت1947 ) صندوقا ، طوله متر وعرضه نحو نصف متر ، وكذلك ارتفاعه وهو مملوء رسائل كان قد بعث بها اجداد اسرته الكريمة ، بعضهم الى بعض من حلب و بغداد والبصرة وغيرها ، بقصد التجارة ، وفيه اوراق تجارية مختلفة تتعلق باواخر القرن الثامن عشر واوائل القرن التاسع عشر ... وذكر اصحابها في سياق كلامهم حوادث ووقائع متنوعة . وما هذه الدفينة الا جزءا ضعيفا من اوراق التهمتها نار شبت في 2 تشرين الاول 1908 في خان لطف الله عبود فاحرقت ما فيه . وهذه الاوراق المحترقة كان ينوف قدرها على نحو عشرين صندوقا كصندوقنا الباقي ..
  ويبدو ان هذه الذخيرة الوثائقية ضمت اوراقا ادبية وتاريخية مختلفة ، منها كما اشار اليها سركيس في مباحثه قصائد شعرية ورسائل شخصية واوراق تجارية و سواها .
  ان اول مقالة نشرها سركيس كانت ( خواطر في المنتفك وديارهم ) ، نشرها بتوقيع مستعار هو ( منتفكي ) في مجلة لغة العرب ( السنة الثانية 1913 ) ، وهي ملاحظات على مقالة للشيخ محمد رضا الشبيبي في المجلة نفسها . الا انه طواها ولم ينشرها في ( مباحث عراقية ) . وقد ذكر فيما بعد ان يدا تلاعبت بها فشوهت بعض ما اراده ، وبقصد هنا يد الاب انستاس ماري الكرملي صاحب المجلة . غير انه تابع مباحثه في المجلة ، فنشر في السنة نفسها مقالا ممتعا عن سعدون باشا السعدون ، وصف فيه المترجم له وصفا دقيقا لامثيل له . وبعدها شرع بتسطير بحوثه الشلئقة عن المنتفق معتمدا على وثائق نادرة . ويبدو انه اهتم بالمسائل التاريخية والاثارية ، بدأ منذ فترة مبكرة ، فقد ذكر في مقال له سنة 1931 ، انه لما كان تلميذا في مدرسة الاباء الكرمليين سنة 1891 ، وهو في السادسة عشر من عمره ، رغب في زيارة والده في الشطرة ، فذهب اليه على طريق الكوت . وعند عودته طلب من والده ان يسمح له بأن يحيد بضعة كيلو مترات عن الطريق التي سلكها في المجيء ليتفقد الاثار التي بعثت من مدافنها في تلك المناطق .
 لقد طرق سركيس في مقالاته قضايا نادرة وطريفة من تاريخنا المنسي . ومن طرائف مقالاته اكتشافه عندما احتفل بتكريم اللاب الكرملي عام 1928 في دار عبد المحسن السعدون ، رئيس الوزراء ، بتقديمه بحثا عن سعدوني كرم كرمليا في اوائل القرن الثامن عشر ، اعتمادا على سجل قديم للبعثة الكرملية في البصرة .
اتسمت طريقة كتابته البحوث التاريخية بدقة التعبير ، اذ كان يزن كل كلمة يكتبها خشية اللبس ، فقلما كان يعني بجمال صياغة الجمل التي يكتبها ، فلم يكن يهتم بذلك كثيرا ، بقدر اهتمامه بحشد اكبر ما يمكن من الفوائد . وكان يصرف في كتابة المقالة اياما واسابيع لمراجعة المصادر المختلفة ، وما اكثر مصادره البعيدة عن ايدي الاخرين ، فلا غرو ان تجد في كل ماكتبه اضافات اخرى على ما تجده في المصادر المتداولة . هذا فضلا عن طرافة ما يبحثه وغرابة الموضوعات التي يتناولها . لقد امتلك يعقوب سركيس بصيرة نفاذة نقادة ، تميز بين الحق والباطل وروحا علمية لا ترضى بغير التدقيق والتحقيق ومحاكمة النصوص وتمحيصها ، قبل اعطاء الرأي . وكان حريصا بما لامثيل له على الاطلاع على كل مايفيد البحث ويدفعه نحو الحقيقة ، وجلدا فائقا على وعورة الوصول الى مظان بحثه ومراجعه . وبهذه الصفات جاءت ابحاثه غزيرة المادة ، كاشفة لحقائق مجهولة من تاريخ هذه البلاد . ولا ريب ان بحوثه مكتشفاته تحمل في ثناياها عوامل البقاء والخلود ، فضلا عن اعتمادها في السنوات اللاحقة باشكال مختلفة . ومن المؤسف ان تصبح آثاره نهبا لادعياء البحث وانصاف الاميين ممن شجعته بعض الصحف على التمادي في ذلك .
  اذا طرق سركيس موضوعا تاريخيا لايكتفي بما يسهل الحصول عليه من المضان بل يرجع الى ماهو عزيز المنال مما في مكتبته الكبيرة ، او في مكتبات الاخرين ، ليشبع الموضوع تدقيقا وتوثيقا .
 وكان رحمه الله يستقبل منتقديه بكل حفاوة واهتمام . بل كان يعتذر لهم عن أي خطأ مهما كان صغيرا ، ويكفي هنا شاهدا على ذلك ما ذكره تعقيبا على مقال للمرحوم عبد الحميد عبادة ، صحح فيه ما كا يعتقده سركيس من ان قبر ابن الجوزي في محلة السنك ، فقال : واني لاشكر عبادة على نقده النزيه وعلى تخطئته اياي ، وكان سبب غلطي اني اعتمدت على سالنامة بغداد وعلى ما رأيته في اول مخطوط قديم ذكرته هناك . وكان الواجب علي ان ارجع الى ابن خلكان ، وليس بين المترجم والمترجم له الا قرن واحد فضلا عن ان ابن خلكان من الثقات المعلومين.