نظام البطاقة التموينية والحاجة للمراجعة والتقييم

نظام البطاقة التموينية والحاجة للمراجعة والتقييم

ميعاد الطائي
انطلق نظام البطاقة التموينية في العراق كإجراء مؤقت تحت ظرف العقوبات الاقتصادية على العراق أبان تسعينيات القرن الماضي والذي أصدرته الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كعقوبات دولية ضد النظام السابق  .ولقد شمل هذا الحصة التموينية جميع شرائح المجتمع التي كانت حينها

بأمس الحاجة اليه لفقدان معظم المواد الغذائية من الأسواق العراقية وخاصة المواد الرئيسية كالطحين والرز والسكر والزيت .
وتستفيد اليوم من نظام الحصة التموينية حوالي 6 ملايين عائلة عراقية ولقد باتت الكثير من هذه العوائل تعتمد على مفردات هذه الحصة وخاصة أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل من العوائل الفقيرة والتي تشكل  23% من السكان حسب دراسة الجهاز المركزي للإحصاء حول الأمن الغذائي والهشاشة في العراق."  وكذلك شمل جميع العوائل العراقية بما فيها الميسورة منها والتي بقيت مستفيدة من النظام التمويني حتى بعد نهاية ظروف الحصار الاقتصادي المفروض على البلد وحتى يومنا هذا .
ومن الجدير بالذكر هنا أن العراق أنفَق منذ عام 1991 وحتى الآن "مبالغ طائلة قد تتجاوز المئة مليار دولار من أجل استيراد المواد الغذائية المطلوبة في البطاقة التموينية . وان هذا النظام الذي بدا العراق تطبيقه منذ اكثر من عشرين عاما كحل مؤقت يستخدم في الأزمات والكوارث يحتاج الى مراجعة وتقييم لغرض تحسين الوضع الاقتصادي والغذائي للمواطن المشمول بهذا النظام والاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال .
الا اننا نجد اليوم ان المشهد العراقي لا يعطي الفرصة للجهات المسؤولة بمراجعة هذا النظام او تقييمه ليواكب المستجدات التي طرأت على المشهد العراقي في ظل التحولات الجديدة بعد 2003 ولحد اليوم وذلك لحساسية هذا الملف وتعلقه بحياة المواطن بصورة مباشرة وهذا ما عكسته التظاهرات التي خرجت وطالبت بتحسين الأداء في هذا الملف بعد ان شهد بعض التعثر في تجهيز المفردات التموينية .
ومن جانب اخر نجد ان نظام البطاقة التموينية اتخذ أبعادا اجتماعية واقتصادية وسياسية تسببت في ردع اي محاولة لتعطيل هذا النظام او وضع بدائل او حلول حتى لو كانت بالاتجاه الصحيح وتسعى لتحسين مستوى المواطن المستفيد من هذا النظام وذلك لحساسية الملف وإمكانية تأثيره على الموقف الشعبي من الحكومة ومن ممثلي الشعب في البرلمان وهذا ما يستغله البعض للضغط على جهات سياسية معينة اذا ما حاولت مراجعة او تقييم لهذا الملف .
ومنذ ان وضع رئيس الوزراء مهلة المئة يوم نجد اننا نبتعد عن اي فرصة لمراجعة هذا النظام وتقييمه بل على العكس من ذلك ونتيجة للضغوط الشعبية نجد ان هذا النظام شهد اهتماما كبيرا تمثل بإحالة مبلغ 900 مليون دولار لدعم نظام البطاقة التموينية وشبكة الرعاية الاجتماعية حيث كان هذا المبلغ مخصصا ضمن موازنة العام الحالي لشراء طائرات اف 16 الأمريكية والتي يحتاجها العراق لدعم قواته العسكرية التي ستتصدى للملف الأمني بعد انسحاب القوات الأمريكية نهاية العام الحالي وهذا يعكس اهتمام الدولة بملف البطاقة التموينية .
وفي أحدث الدعوات التي تُطرَح بين حينٍ وآخر لتقييم هذا البرنامج بالغ الأهمية بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية، أشارَ سفير العراق لدى منظمات الغذاء التابعة للأمم المتحدة في مقالٍ نشَره أخيراً تحت عنوان (العراق: "الأمن الغذائي" أم "البطاقة التموينية"؟)، أشارَ إلى الحاجة إلى "وقفة مراجعة تتّحد بها قوى المجتمع كافة لإنقاذ البلاد من هذا الإرث الثقيل الذي ورثه من النظام السابق، واللجوء إلى وسائل وبرامج أثبتت الحياة فاعليتها، مشابهة لما جرى في البرازيل والهند والصين وفيتنام وغيرها من الدول التي حققت نجاحات" على هذا الصعيد. ولكن المقال لفَت إلى ما يبدو واضحاً أنه في حال "تصدّت الحكومة بشجاعة إلى أمر المراجعة الشاملة لملف البطاقة التموينية باتجاه التخلص منها لمصلحة المجتمع والدولة، فإن بعض القوى السياسية قد تحاول النيل منها وابتزازها"، على حد تعبيره.
خلاصة القول ان حساسية ملف البطاقة التموينية يجعله بعيدا عن المراجعة والتقييم الشامل لذلك ندعو الحكومة الى الاقتداء بالتجارب العالمية الأخرى وإيجاد البدائل دون المساس بأمن المواطن الغذائي وخاصة الفئات الفقيرة من المجتمع العراقي وهي ليست دعوة لإلغائه بقدر ما هي دعوة إلى استبداله ببرنامج آخر أكثر فائدة وواقعية يؤدي إلى تحرير المجتمع من ظاهرة الفقر  .