في خمسينيات القرن الماضي..الحزب الوطني الديمقراطي ودائرة التحقيقات الجنائية

في خمسينيات القرن الماضي..الحزب الوطني الديمقراطي ودائرة التحقيقات الجنائية

د. زينة شاكر الميالي
يعد الحزب الوطني الديمقراطي من أحزاب الوسط لأن مؤسسيه من الطبقة المثقفة البرجوازية التي كان يعنيها قبل كل شيء تطبيق الديمقراطية السياسية، وبعبارة أخرى بأنهم جماعة من الاشتراكيين النظريين المتأثرين بالمدرسة الفابية،

ومما يلفت النظر أن دراسة القانون كانت القاسم المشترك لأغلبية أعضاء الهيئة المؤسسة للحزب والعديد من أعضائه الآخرين والمتعاطفين معه مما أضفى على خطابهم السياسي نبرة خاصة طالما ركزت على قضايا النظام ومخالفة الدستور، لكن ذلك أثار حفيظة الفئة الحاكمة ضدهم التي اتهمتهم بالشيوعية وفقاً لتقارير دائرة التحقيقات الجنائية .
وتشير تقارير التحقيقات أن يوسف سلمان يوسف (فهد) مؤسس الحزب الشيوعي كان يزوره في داره ليجعله سنداً للحزب الشيوعي العراقي السرّي الأمر الذي نفاه الجادرجي، إذ أشار إلى أنه ليس شيوعياً بل وليس ممن يعطفون على الشيوعية وإنما هو اشتراكي تقدمي يؤمن بالإصلاح التدريجي أكثر من التغيير الثوري، كما إنّ هذا الأمر لايقتصر عليه بل يشمل عدداً من أعضاء الحزب المتهمين بالشيوعية وهم حسين جميل الذي ورد في تقرير أمني توكله للدفاع عن الشيوعيين في أغلب القضايا وهديب الحاج حمود الذي اتهم بالميل إلى الماركسية والماركسيين فهو في الوثائق البريطانية متحرر الفكر وقريب من الشيوعية.
لايقتصر الأمر على هؤلاء فقد اتهم جعفر كاظم البدر وعواد علي النجم بإلقاء خطب وكلمات ذات نهج يساري والمثقف المسيحي نائل انطوان بولص سمحيري الذي اتهم بسبب محاضراته عن الحزب الشيوعي اللبناني وعلاقته بالمحامي عزيز شريف من قبل التقارير الأمنية بالشيوعية والمحامي مظهر فهمي العزاوي الذي حظي بتأييد واسع من الشيوعيين على وفق تقرير أمني بعد ترشيحه لانتخابات المجالس النيابية في حزيران عام 1954، إذ عدت السلطات الأمنية مظهر العزاوي من الوطنيين الديمقراطيين المريبين فوضعته تحت مراقبة مشددة لاسيما جولاته التي قالت عنها انها تستهدف بث السموم بين العشائر وأحداث الشغب بينها، فضلاً عن قاسم حسن الذي أشارت التقارير الأمنية الخاصة بالشعبة الخاصة التابعة لدائرة التحقيقات الجنائية بأنه يعمل على بث الدعاية الصهيونية والدعاية الشيوعية في العراق حيث ألّف كتاباً بعنوان "المبادئ الشيوعية السياسية الحديثة". وعلى الرغم من ذلك فقد أخذ هذا الحزب حيزاً واسعاً من عمل التحقيقات الجنائية الذي صنفته إلى جانب الأحزاب السياسية الخطرة المعارضة للسلطة بدليل كثرة التقارير الأمنية التي تناولت نشاطه.
حدث تغيير واضح في العراق في بداية الخمسينات بالنسبة للقوى السياسية وتحسنت ظروف الحركة الوطنية ومن هذه التغيرات استئناف الحزب الوطني الديمقراطي لنشاطه السياسي في آذار عام 1950، إلا انه الحزب استمر بنشاطه المعادي للسلطة التي استمرت بمراقبة خطواته، ففي تاريخ التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1951 عقد الحزب مؤتمره السنوي الخامس وقد ألقى الجادرجي خطاباً أشار فيه إلى سعي الحزب إلى إيجاد كتلة وطنية من مختلف العناصر لغرض إيجاد حكم ديمقراطي، كما أشارت التقارير الأمنية إلى اجتماع أعضاء الحزب  في أيلول 1952 في دار كامل الجادرجي مما يدل على وجود مخبر سري بالقرب من داره في أثناء الاجتماع لكي يتم رفع تقرير عن تحركاته إلى رؤسائه في الدائرة، كما حضر الاجتماع بعض أقطاب حزب الجبهة الشعبية، إذ أصدر بياناً اتهم فيه الفئة الحاكمة في تزييف الانتخابات داعياً الشعب إلى مقاطعتها وعدم الاشتراك فيها، كما اتضح في الوقت ذاته بأن هناك تعاوناً مازال مستمراً بين كامل الجادرجي والحزب الشيوعي، ففي المظاهرات التي حدثت في أواخر تشرين الثاني عام 1952 والتي اسهم الحزب الوطني الديمقراطي فيها هتف الشيوعيون بكامل الجادرجي مطالبين بأن يكون رئيساً للوزراء.
بعد إعلان نتائج انتخابات 1954 المزيفة في كافة أنحاء العراق، قدم أرشد العمري رئيس الوزراء استقالته يوم السابع عشر من حزيران عام 1954 والتي قبلت يوم الثالث من آب، وكلف  نوري السعيد بتاليف الوزارة لحصول حزبه على الأغلبية البرلمانية، الا انه اشترط في كتاب أرسله إلى الملك فيصل الثاني حل المجلس الذي انتخب حديثاً وإجراء انتخابات حرّة جديدة وذلك لأن ألاكثرية التي نالها حزبه في انتخابات هذا المجلس كانت قليلة وضعيفة ولأن الجبهة الوطنية نالت أحد عشر مقعداً ومن بين من فازوا كامل الجادرجي الذي لم يرغب نوري السعيد بوجوده في البرلمان، وفي السابع عشر من آب أصدر الحزب الوطني الديمقراطي بياناً إلى الشعب لمقاطعة تلك الانتخابات.
  عندما شكّل نوري السعيد وزارته الثانية عشرة عام 1954، أصدر أمراً بتعطيل الأحزاب السياسية العلنية، ففي الثاني من أيلول أصدر وزير الداخلية أمراً بسحب إجازة الحزب الوطني لأن تصرفات الحزب تهدف إلى الإخلال بالأمن وإقلاق الراحة العامة وخروج الحزب عن منهاجه الذي أُجيز بموجبه، وقد أشارت التحقيقات الجنائية إلى حالة التأثر الشديد لدى المحامين الشيوعيين لغلق الحزب وجريدته لأن أمر غلقهما قد حرمهم من مجال فسيح لفعالياتهم ونشاطهم لاسيما في أمر نشر المذكرات والاحتجاجات والتأييدات التي اعتادوا على نشرها وادعت السلطة الحاكمة أنّ الرأي العام العراقي كان مرتاحاً من قرار إبطال رخصة الحزب الوطني الديمقراطي وغلق جريدته ووصفت هذا القرار بأنه أمر مصيب وضروري وأنّ ما اتخذته الحكومة ضدهما من إجراءات كان لزاماً عليها لتحقيق منهاجها ضد الفوضويين والمخربين لأن الحزب والجريدة المذكورين أثبت أنهما كانا الشعلة المحرقة التي ينشر عن طريقها الشيوعيون شرورهم لأن كليهما لاينفك يؤيد المطالب الشيوعية والشعارات التي ينادون بها.
  تعرض الحزب بسبب مواقفه الوطنية للمضايقة والاضطهاد، إذ كانت أجهزة الأمن السرّية تراقب تحركاته بدقة وبقلق واضح بل وأكثر من أي حزب علني آخر مما يبدو جلياً من تقاريرها الخاصة التي كانت تحاول فيها تحريض السلطات العليا على ضرب الحزب وإيجاد مبررات لعمل كهذا، إذ سجل تقرير أمني خاص تابع لدائرة التحقيقات الجنائية الشعارات التي عُلّقت عند مدخل مقر الحزب على جدرانه في الداخل في أثناء الحفل الذي أقامه في الساعة السابعة من بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق للثلاثين من حزيران عام 1956... احتفاءً بذكرى الثورة العراقية (ثورة العشرين) وحضره حوالي ستمائة شخص وكان من بين الشعارات "تسقط المعاهدة العراقية البريطانية" و"لتحيا ذكرى الثورة العراقية". وعلى الرغم من ذلك فقد استمرت سياسة الحزب المعادية للسلطة إذ تميز عام 1956 بنشاط أعضاء الحزب الوطني الديمقراطي خارج العراق، إذ شارك هديب الحاج حمود ورفاقه في الحزب في المؤتمرات العربية التي عقدت في البلدان العربية ضمن الحركة العربية العامة لمكافحة الاستعمار لاسيما بعد أن رفض طلبهم المقدم في السادس عشر من حزيران لتأسيس حزب المؤتمر الوطني، الأمر الذي استمرت معه مطاردات دائرة التحقيقات الجنائية لهم لاسيما في أثناء العدوان الثلاثي على مصر، إذ أفاد كل من الشهود كامل محمد ظاهر المتولي وعبد الرزاق ياسين ومحمد فتحي وإبراهيم حسن الجبوري، عن مفوضي ومعاوني التحقيقات الجنائية أن كامل الجادرجي وحسين جميل من أقطاب السياسة المعارضين والمعروفين بنشاطهم السياسي الحزبي المتطرف والمعارض للحكومة لاسيما تصريحاتهم وبياناتهم وخطاباتهم في الصحف العراقية والأجنبية وبتحريضهم على المظاهرات والإضرابات وخلق الفتن والفوضى خاصةً بعد رفض طلبهم في التاسع من تشرين الثاني حول إقامة مظاهرة احتجاجية في شارع الرشيد وقد استمرت العرائض المقدمة إلى الملك وهي تشمل المطاليب ذاتها التي تقدم بها أعضاء حزب الاستقلال مع الإشارة إلى شخصية كامل الجادرجي بصورة أساسية بعدّه أهم شخصية معارضة لهم بعد عودته من خارج العراق مع مراقبة داره بصورة دائمة الأمر الذي أدى إلى حبسه، أما حسين جميل فقد أُفرج عنه بكفالة شخص ضامن لمدة عام، في الوقت ذاته استمر نشاط الحزب المعارض مع بقية الأحزاب، مما يعني دور التحقيقات الجنائية في مراقبة تحركات شخوص الحزب لاسيما الذين يمتلكون قاعدة جماهيرية واسعة كالجادرجي الذي أخذت تتبع كل خطوة يقوم بها مما يعكس الخطر الذي يشكله الجادرجي خاصة والحزب عامة على السلطة التي سحبت إجازته في نهاية المطاف متهمة إياه بالتعاون مع الشيوعيين الذين يشكّلون الخطر الأكبر على الحكومة التي جنّدت دائرة التحقيقات لمحاربتهم بصورة أكبر من بقية الأحزاب.

 عن رسالة (التحقيقات الجنائية في العراق وموقفها
 من الاحزاب الوطنية 1921-1957)