في ذكرى رحيله في 13 تموز 1995..علي الوردي في طفولته.. ماهي ابشع فترة في حياته ؟

في ذكرى رحيله في 13 تموز 1995..علي الوردي في طفولته.. ماهي ابشع فترة في حياته ؟

علي طاهر تركي
ولد علي الوردي بتاريخ 1913  في مدينة الكاظمية ، وكان المولود الرابع والوحيد لأبويه اذ توفي اخوته جميعاً بسبب الامراض والاوبئة المتفشية يومئذ في البلاد ، والده هو السيد حسين بن محسن بن هاشم ابي الورد بن جواد البغدادي الذي يتصل بنسبه الى الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) .

كان جده محسن من اعيان الكاظمية ، امتهن في نهاره حرفة الصياغة ، وفي ليله قريئاً للشعر وذواقاً لفنونه ، حافظاً لرقراقة ورفيعه ، جامعاً لنادره وشارده ، فانجز مؤلفات عدة ، كان منها (المجموع الجامع) وصفه حسين محفوظ بـ(الحماسة الوردية). لحق لقب الورد ومن ثم الوردي بالاسرة بسبب امتهان جد الاسرة السيد هاشم وبعض من ابنائه حرفة تقطير ماء الورد ، وأما والدته فهي تعود بنسبها الى الاسرة نفسها، فهي كريمة عم ابيه سيدة فاضلة من بيت علم وأدب .

نشأ علي الوردي وترعرع في بيت صبا ، طلت اعتابه عند زقاق "محلة الشيوخ" ، واشرفت نوافذه الخلفية على "محلة الانباريين" ، وهوأمر مكنه من الاختلاط مع أطفال المحلتين، وبالتالي الاحتكاك والتعرف على عادات وتقاليد واعراف هاتيك المحلتين المتباينة في جوانب والملتقية بأخرى ، وفقاً لأسس النشأة والتكون في أصولها العشائرية وتركيبها السكانية ، فضلاً عما اتسمت به من أنشطة معرفية وحرفية اثرت في تشكيل خصائصها الاجتماعية .
 
ساعد هذا التنوع بين المحلتين على انماء معرفته الأولية ، ومثلما التمست خطاه الأولى  طريقها نحو مراتع الطفولة وملاعب الصبا ، عرجت به الى مجالس الكاظمية الزاخرة بعلمائها وادبائها ومثقفيها من متنورين ومجددين ، فشنفت مسامعه سجالاتها الشعرية ، وداعبت حوارات باحاتها مخيلته ، مستثيرة اياها بسؤال وسؤال ، واستفهام آخر ؟! أثرت في تكوينه المعرفي المبكر الى حد كبير ، وفي توجهاتها الفكرية والعلمية فيما بعد من مسيرته الدراسية والاكاديمية. أثرت فيه قيم الصراع بين المحافظ القديم والمتنور الجديد ، وتفاعل معها تفاعلاً حسياً بدءاً ، وموضوعياً في مراحل تالية من عمره الزمني والاكاديمي ، صراع اتسم في بعض الاحيان بالحدة والعنف بين ما هو تقليدي (جامد) ومتنور (مجدد) ، برزت ملامحه منذ العقد الاول من القرن العشرين ، واتضحت صوره اعقاب الاحتلال البريطاني للبلاد خلال الحرب العالمية الاولى وما تلاها . وتجسد صراع الرؤى والافكار بين تياري المحافظين والمجددين في ذهنه برمزية الاصطراع بين من سماهم "الملائية" ، ممن ارتكزوا في بنائهم العقائدي والفكري على قيم ومقومات الشرع الاسلامي القويم ، والتراث الانساني والعلمي العربي والاسلامي، واولئك الذين اطلق عليهم بـ"الافندية" معظمهم من ابناء الفئة المثقفة العراقية الحديثة ، ممن درسوا في المدارس والمعاهد والكليات الحديثة ، وتأثروا بصورة عميقة بالنهضة العلمية والفكرية في اوربا ، لا بل وحتى في مظاهر السلوكية والتحرر في العلاقات العامة المرفوضة بقوة من المجتمع العراقي المحافظ ، مما كان له ابعد الاثر في تأجيج المواجهات بين الطرفين ، لم تخل في احيان غير قليلة من "لمز" و "همز" واتهامات هدفت الى تقليل الشأن في وسط الرأي العام لهذا الطرف أو ذاك .

كما تركت التناقضات بين منشئه الطبيعي – المدني (الكاظمية)  ومحيطها العشائري (الريفي) من قيم وعادات وتقاليد وسلوك واعراف ، فضلاً عن انتماءاتها المذهبية، اثرها الفاعل في خوالج نفسه ورؤاه عن المجتمع العراقي ، فهو وعلى حد تعبيره جزء لم يتجزء عما كان سائداً في مجتمعه من قيم اجتماعية او تطورات اقتصادية او ارهاصات سياسية ، ولعل من الجدير بالذكر هنا ان نقتبس فقرة مما صرح به لأحد معاصريه عن ذلك:
" ان كل حادثة حدثت في العراق في تلك الفترة ، سياسية او اجتماعية او اقتصادية او طبيعية ، كان لها اثرها في نفوس الناس ، وافكارهم …… وانا كنت أحد هؤلاء الناس أفكر كما يفكرون" .

بدأت رحلته الشاقة في مضمار الدرس والتعلم مع نهاية الحرب العالمية الاولى ، وهو ابن خمس سنوات ، معتمراً عمامة خضراء دلالة نسبه الشريف الى البيت العلوي ، حيث درس مبادئ القراءة والكتابة وشيء من الحساب ، الى جانب حفظه للقرآن الكريم ، في احدى (كتاتيب) الكاظمية في مسجد قرب دار أبيه .

استكمل بعد ذلك دراسته في احدى مدارس الكاظمية ، على الرغم من نظرة الريبة والازدراء من المجتمع المتخلف ازاء المدارس الحديثة أو كما اطلقوا عليها يومئذ بـ"المكتب" ، وهي نظرة من مخلفات العهد العثماني ، تركت اثرها الفاعل في عزوف العديد من ابناء المدن عن ارسال اولادهم الى المدارس .

لم يستكمل علي الوردي دراسته في المرحلة الابتدائية ، اذ اخرج من المدرسة في عام 1927 وهو في الصف الاخير من دراسته ، وزج به في دكان احد أقربائه ، ليتعلم عنده، وعلى حد تعبيره ، (فن العطارة) من بيع وشراء ، لقاء أجر شهري قوامه خمس ربيات  فقط، بيد ان هذا التغيير المفاجئ والطارئ في مساره التعليمي لم يرقه ولم ينسجم معه ،  اذ وجد نفسه غريباً في وسط (العطارة) ، وما يتعلق بها من معاملات التسوق وتعاملات زبائنه.

فلا غرو اذ نجده مقتنصاً كل فرصة سانحة لولوج عالمه الخاص ، حيث المطالعة وقراءة الكتب داخل دكان العطار ، وهو أمر قوبل بالرفض والاستهجان من رب العمل ، مشدداً على ضرورة الاهتمام بأصول المهنة من إغراء وجلب للزبائن ، محذراً إياه في الوقت نفسه من مغبة التقاعس عن العمل ، والتوجه ، وعلى حد تعبيره ، نحو "قراءة لا تغني ولا تسمن"، متوعداً أياه بالطرد من العمل إذا استمر في نهجه هذا .

ضاق ذرعاً به صاحب الدكان ، فقرر الاستغناء عن خدماته ، فتنفس الوردي الصعداء لحرية طال انتظارها لسنوات خمس . ناءت بأوزارها عليه الى حد وصفها بـ"أبشع فترة" في حياته ، بل و"مرارة لا حد لها" ، لاسيما انها وقعت وهو في خضم سني المراهقة وريعان الشباب ، مما زاد من معاناته وتأثره في هذه المرحلة الحرجة من عمره معاناة اضافية اثرت في تكوينه الشخصي تأثيراً كبيراً ، اكده وبصورة لا لبس فيها في احدى لقاءاته الصحفية اذ جاء فيها ما نصه :
" لقد أمضيت في مهنة العطارة نحو خمس سنوات ، وكانت تلك أبشع فترة في حياتي … وكنت في تلك الفترة اجتاز مرحلة المراهقة والبلوغ ، وهي مرحلة ذات أهمية بالغة في نمو شخصية الانسان ، ولعلني لا أغالي اذا قلت بأن شخصيتي نمت على أساس من المرارة لا حد لها "  .

اصطدم داخله التواق في الرجوع الى فصول الدراسة ومتابعة تعليمه برغبة أسرته العارمة في ضرورة ممارسة عمل يتكسب منه ويعيله في أمور دنياه ، وهوأمر أضطره على مضض ان يعود الى مهنة العطارة ، ولكن هذه المرة افتتح دكانه الخاص به ، فجمع بين المهنة والرغبة العارمة في القراءة ، بل ووجد متسعاً لكتابة اولى مقالاته في موضوعات متنوعة ، أرسل العديد الى مختلف الصحف والمجلات البغدادية يومئذ ، متأثراً بما طالعه في هذه المدة من مقالات واخبار تناولتها الصحف والمجلات المصرية والشامية ، وحازت على اهتمامه الكبير "الهلال" و "المقتطف" و "الرسالة" و "الثقافة" ، بيد ان مقالاته تلك لم تلق اهتماماً من الصحافة العراقية ، ولم يجد الكثير منها طريقه للنشر.

استمر على هذا المنوال بين القراءة والكتابة ، حتى جاءت انعطافه تاريخية مهمة في حياته وذلك خريف عام 1931 ، تلك الانعطافة المتمثلة في عودته الى مقاعد الدراسة مرة اخرى ، عندما علم يوماً بافتتاح مدرسة ابتدائية مسائية في الكاظمية ، عندها قرر التسجيل فيها والانضمام الى فصولها الدراسية وملؤه حماسة وشغف بحب العلم ، ترجمه الى تفوق في الدراسة ، اهله الى استكمال دراسته الاولية في مرحلة المتوسطة ، فانتقل للدراسة في "متوسطة الكرخ" ، تاركاً دكانه ومهنة العطارة دونما رجعة ، مستثمراً أرباحه فيها في الانفاق على دراسته التي عدها تطوراً "ذا أهمية كبيرة" في حياته .

عن رسالة (  علي الوردي جهوده الفكرية وآراؤه الإصلاحية دراسة تاريخية)