الصراع من اجل الحريات الصحفية..محاكمة كامل الجادرجي سنة 1946

الصراع من اجل الحريات الصحفية..محاكمة كامل الجادرجي سنة 1946

د . وسام هادي عكار
أقامت وزارة أرشد العمري ثلاث دعاوى على كامل الجادرجي صاحب صحيفة صوت الأهالي ، ومديرها المسؤول ، لنشرها ثلاث مقالات ؛ الأول بعنوان (الغاية الخفية وراء خطة الحكومة الحاضرة ) في (10 تموز 1946)، ومقالاً في حقل بريد الأهالي ، بعنوان : (إطلاق الرصاص على المتظاهرين )، في (18 تموز 1946)

والمقال الثالث بعنوان ( الحادث المؤسف في كركوك ـ بيان الحكومة يكشف عن أعمالها الاعتدائية)، في (25 تموز 1946) ، وقد زعمت الحكومة أن هذه المقالات تدعو إلى تشويش الرأي العام واستفزازه ضد الحكومة ، وإضعافها لغايات غير حسنة وإثارة الكراهية بين الطوائف ، وتحريض الشعب على التمرد والعصيان ، وتحريضهم بعدم الالتزام بالقوانين  .
 بدأت محاكمة كامل الجادرجي بتاريخ (11 آب 1946) ، في محكمة جزاء بغداد الأولى التي ترأسها القاضي خليل أمين ، وأصدرت المحكمة حكمها في الجلسة الثانية في (13 آب 1946) ، بحبس كامل الجادرجي لمدة ستة أشهر ،على وفق المادة السادسة من الباب الثاني من ( ق.ع.ب) ، كما قررت تعطيل صحيفة صوت الأهالي بصورة دائمية على وفق المادة العاشرة من قانون المطبوعات  ، وقررت أيضاً وضع الجادرجي تحت مراقبة الشرطة لمدة سنة بعد انتهاء محكوميته  .
 كانت محاكمة كامل الجادرجي أشبه بمناسبة وطنية ، حيث تكفَّل للدفاع عنه ثلاثة وثلاثون محامياً معظمهم من رجال المعارضة ، وكان عزيز شريف من ضمنهم ، وقسّم وكلاء المتهم دفاعهم على ثلاثة أقسام الأول وموضوعه  (إخلال محكمة الجزاء بحق الدفاع ، وبطلان إجراءات المحكمة ) ، وألقى الدفاع فيه المحامي قاسم حسن ، والثاني وموضوعه (الناحية العامة للقضية ) وألقى الدفاع فيه المحامي حسين جميل ، والثالث وموضوعه ( التطبيقات القانونية للقضية ) ، وألقى الدفاع فيه بالنيابة عن هيئة الدفاع المحامي عزيز شريف  ، واستهل دفاعه مستبشراً بوجود قضاة متمسكين بسلطتهم القضائية ، لأنهم خير ما يحمي الأفراد والجماعات من جور السلطات الإدارية والسياسية ، مبيناً دور القضاء العراقي في الدفاع عن القوانين والحريات التي ضمنها الدستور  .
 رأى عزيز شريف ، إن كلا المادتين التي جرّمت موكله فيهما بعض الثغرات القانونية ، مشيراً إلى أن تطبيق المادة السادسة من (ق.ع.ب)، يشترط أمرين، أولهما: أن يكون للناشر علماً بأن ما نشره أخباراً كاذبة، وثانيهما: أن يكون ما نشره في تلك الأخبار يهدف من خلالها تحقيق إحدى الغايات ، في نص المادة العاشرة من قانون المطبوعات ، وهي الإخلال بالراحة العامة أو إضعاف الحكومة أو تقوية النفوذ الأجنبي ، مبيناً أن كلا الشرطين لم يتحققا لتجريم موكله.
 استرسل عزيز شريف دفاعه بالتأكيد على أن قرار المحكمة بوضع كامل الجادرجي ، تحت المراقبة لمدة سنة بعد انتهاء محكوميته جاء مخالفاً للقانون ، لأنها لم تأخذ بنظر الاعتبار المكانة الاجتماعية والسياسية لموكله ، إضافة إلى عدم جواز تطبيق هذه المادة عليه ، لأنها خصت المجرمين الذين يخشى منهم على الأمن ؛ ومع ذلك فإن المادة (28) من (ق.ع.ب) ، لم تجز الحكم بالمراقبة أكثر من المدة المحكوم بها ،ولا تكون أقل من سنة ، مؤكداً أن وضع موكله مخالفُ لنص القانون ، لأنه محكوم بالحبس لستة أشهر فقط  ، ورأى عزيز شريف ، إن قانون المطبوعات المتعلق بالتعطيل قد بيّن الأحوال التي يجوز بها التعطيل ، إذ أجاز هذا القانون لوزير الداخلية ، أن ينذر المدير المسؤول عندما ينشر شيئاً يخالف الحقيقة ، وإذا تكرر النشر يصدر قرار تعطيل الصحيفة نصت المادة الثامنة أولاً من قانون المطبوعات رقم (56) لعام 1932 المعدل ، إنذار صاحب المطبوع مرة واحدة إذا نشر ما يثير الكراهية ضد الحكومة ، وإذا تكرر ما نشر سابقاً فلوزير الداخلية الحق بإصدار قرار تعطيل المطبوع لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر  ، موضحاً أن عقوبة تعطيل الصحيفة بصورة دائمية ، قاسية جداً ، لأن صحيفة صوت الأهالي هي لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي المجاز من الحكومة ، وختم عزيز شريف دفاعه بالمطالبة بإلغاء التهم الموجهة لموكله وتبرئته منها  . على ضوء ما تقدم به عزيز شريف ، وزملاؤه في هيئة الدفاع ، قررت محكمة جزاء بغداد الأولى ، تخفيف مدة محكوميته إلى شهرين ، وإلغاء مراقبة الشرطة ، وتقليص مدة تعطيل الصحيفة لمدة أربعة أشهر .
عن رسالة : عزيز شريف ودوره السياسي ..