يونس بحري  كما تصفه مجلة الهلال

يونس بحري كما تصفه مجلة الهلال

وديع فلسطين
كاتب واديب مصري
 كنت وانا طالب جامعي من قراء مجلة "اللطائف المصورة" التي كان يصدرها اسكندر مكاريوس وكانت واسعة الانتشار بسبب الصور والمواد المشوقة التي كانت تنشرها وكنت الاحظ ان للمجلة مراسلا عراقيا في سومطرة اسمه يونس بحري يوافيها ببعض الاخبار من الشرق الاقصى، وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 م بين دول المحور بزعامة ادولف هتلر من ناحية ودول الحلفاء بزعامة تشمبرلين ثم تشرشل من ناحية اخرى،

صار الناس يتابعون الاذاعات الاجنبية ليقفوا على حقيقة الموقف الذي كانت البلاغات الرسمية تلونه ممالأه للطرف الذي تنطق باسمه وكان راديو برلين مصدرا مهما للاخبار التي كان يذيعها باللغة الانكليزية من يدعى "اللورد هاوهاو" وباللغة العربية يونس بحري الذي اتفق ان كان يزور المانيا عندما اندلعت نيران الحرب، فاختير مذيعاً في الاذاعة الالمانية .

 وكان يونس بحري يبدأ نشرة الاخبار بقوله: "هنا برلين، حي العرب"، ثم يذيع نشرة الاخبار بلهجة خطابية وصوت مجلجل، مشيداً وبانتصارات المانيا الهتلرية، ساخرا من دول المحور وزعمائها، مؤكدا ان النصر هو نصيب هتلر وجنوده المظفرين، وكان يحرض العرب على الثورة على دول الحلفاء التي تستعمرهم (انجلترا وفرنسا وايضا ايطاليا) فكان الناس في كل العالم العربي يحرصون على الاصغاء الى اذاعات يونس بحري على الرغم من عمليات التشويش المسلطة عليها. وعندما اصدر العقاد كتابه "هتلر في الميزان" وادان فيه نظامه النازي وجميع الانظمة الدكتاتورية، شن عليه يونس بحري حملة شرسة وتوعده بالمشنقة، ولهذا سارع العقاد الى السفر جوا الى السودان بمجرد ان وصل القائد الالماني روميل الى العلمين مهدداً بالزحف على الاسكندرية والقاهرة ولم يسلم من لسان يونس بحري اللاذع زعيم او كاتب اتخذ موقف الانحياز ضد هتلر ومحوره، واذا كان المذيع الالماني باللغة الانجليزية قد تنكر تحت اسم اللورد هاوهاو، فان البحري كان يعلن اسمه صراحة، ويضيف اليه عبارة "عبو" – ولا اعرف معناها.
وانتهت الحرب بفوز الحلفاء، فنزح يونس بحري الى باريس حيث اصدر جريدة عربية اسبوعية عنوانها "العرب" يحررها من الألف الى الياء باسلوبه الساخر وقلمه اللاذع الذي يتناول به الزعماء الذين لا يرضى عن تصرفاتهم. وهو الذي اطلق على عبد الرحمن عزام باشا اول امين للجامعة العربية اسم "ابو الكلام" بسبب خطبه وتصريحاته العنترية، وكان يوافيني بجريدته على غير معرفة سابقة، كما كان يجاملني في كتاباته في حين كان يقسو في الحملة على المسؤولين حتى قلت له في رسالة: إنك تحرجني بكلامك الطيب، واستشهدت بقول للشاعر المهجري إلياس فرحات لا أتذكره.
لم التق بيونس بحري إلا مرة واحدة زار فيها القاهرة فاحتفى به المجاهد الفلسطيني محمد على الطاهر (أبو الحسن) والطبيب الدكتور الطيب ناصر الذي درس في ألمانيا اثناء الحرب وانضم هناك الى العرب المجاهدين ومنهم سماحة الحاج محمد أمين الحسيني مفتي القدس الأكبر والدكتور مصطفى الوكيل عضو حزب مصر الفتاة، وكان حكمي عليه عن قرب انه "مهرج" او "شرلطان" – كما يقول اخواننا الشوام. فهو منفلت اللسان، بوهيمي المسلك، إذا ضحك اسمع الحي كله، واذا نصبت مائدة الطعام فتك بكل ما عليها. اما سخرياته فلم ينج منها زعيم او كبير، فلا يدري سامعه هل هو هازل او جاد، لأنه يخلط بين الأمرين، ويبدو ان السلطات الفرنسية لم تطق بقاءه في باريس، فامرته بمغادرتها وإغلاق مجلته المثيرة للمشكلات، فتنقل في أنحاء العالم العربي وعاش فترة في الخليج حيث عين محرراً لجريدة "ابو ظبي نيوز" باللغة الانجليزية ومديراً لشعبة الترجمة في وزارة الاعلام والصحافة، ثم عاد الى بغداد حيث توفى عام 1979م عن نحو تسعين عاماً.
ولكي تكتمل صورة يونس بحري انقل ما رواه عنه صديقه الروائي السوري الدكتور عبد السلام العجيلي – وهو في اعتقادي احق الناس بجائزة الرواية العربية – في كتاب له عنوانه "حفنة من الذكريات" إذ كان العجيلي هو واستاذ الفلسفة الدكتور عبد الرحمن بدوي من اقرب المخالطين ليونس بحري في باريس.
يقول العجيلي: "يونس هذا واحد من الشخصيات المغرقة في الطرافة او العجيبة الأطوار.. لم يكن يونس بحري انذاك مجرد مذيع يقرأ النشرة التي تقدم إليه قراءة باهتة، بل كان خطيبا مصقعاً وداعية مثيراً ومعلقاً ساخراً. كان يصف انجلترا التي كانت الغواصات الالمانية تصطاد سفنها في جوانب المحيطات بانها بريطانيا سيدة قعر البحار. ولازلنا نذكر استدراكه حين اخطأ، عن عفوية او متعمداً، فلفظ اسم تشمبرلين مكان تشرشل، إذ اسرع فقال: معذرة، إن البقر تشابه علينا! وكانت أحدى نكاته البليغة الشديدة إيلاما حين اعلن بان وزارة الحرب الالمانية زادت ميزانية دفاعها ثمانية ماركات، لماذا؟ لأن الإمارة العربية الفلانية انضمت اخيرا إلى الحلفاء واعلنت الحرب على الرايخ الألماني".
واستشهد العجيلي بمقال للكاتب السوداني محمد خير البدوي – ولعله قريب للأديب السوداني الدكتور احمد محمد البدوي الذي وصفني في "هلال" اكتوبر الماضي بانني "شيخ العقاديين" وهو شرف لا أدعيه وتهمة لا ادفعها – حيث قال:
"بقيت في حياة البحرى امنية واحدة لو رد الى الحياة لدفع راضيا قانعا نصف عمره من أجل تحقيقها. امنيته ان يقف وراء ميكروفون إذاعة القدس المحررة منادياً: حي العرب، إيذانا بمولد الدولة العربية في فلسطين، ثم يتفرغ بعد ذلك البحث عن زوجاته الثمانين وابنائه وبناته المنتشرين في مشارق الأرض ومغاربها، ولا سبيل لأحصائهم، ولكن عددهم يتجاوز المائة قطعاً. ومات يونس بحري الأسطورة ولما تتحرر الأرض السليبة. لقد امضى حياة مثيرة حافلة تفوق فيها زواجاً وتجوالا على الرحالة العربي ابن بطوطة، إذ هيأت له وسائل النقل المعاصرة الطواف على اركان المعمورة، وخلف وراءه في كل بلد زاره زوجات ورهطاً من البنين والبنات.. ومن اشهر ابنائه الادميرال رعد يونس بحري قائد الاسطول الفليبيني والدكتور سعدي المحامي في باريس".
واثبت العجيلي مذكرة وجهها واحد من ابناء يونس بحري إلى الحاكم العسكري العام في بغداد يحتج فيها باسم المقاومة الشعبية على إطلاق سراح والده؛ فهو مزواج ومغامر وعربيد ويستحق السجن إلى الأبد او الموت!.
عن مجلة الهلال المصرية