قبل سدة الهندية .. ومحاولات لإحياء شط الحلة

قبل سدة الهندية .. ومحاولات لإحياء شط الحلة

د . لمى عبد العزيز مصطفى
لم تحقق محاولات الولاة العثمانيين في العراق في القرن التاسع عشر لاصلاح الوضع الاروائي اية نتائج ايجابية اذ استمر تقلص الاراضي الزراعية وتدهور وضعها بشكل خطير. حتى مجئ  الوالي المصلح مدحت باشا ، الذي ابدى اهتماما في مجال الري وتحسين معدلات الانتاج الزراعي من خلال اتخاذه لعدد من التدابير لاصلاح الاراضي الزراعية .

ومن المعروف ان نهر الفرات وعند مروره بناحية يجري بخط مستقيم من غير اية تشعبات وعلى بعد خمسة اميال جنوب المسيب ينقسم الفرات الى قسمين هما شط الحلة وشط الهندية . ثم مالبث الفرعان ان يلتقيا من جديد على بعد بضعة اميال شمال السماوة ، ولما كان صدر فرع الهندية اكثر انخفاضاً من صدر فرع الحلة ، ولهذا اخذ مجرى نهر الفرات يميل نحو الهندية ، وبمرور الوقت توسع مجرى فرع الهندية ، مما هدد فرع الحلة .
وعلى اثر تحول مياه الفرات الى فرع شط الهندية ، بدلاً من فرع الحلة ، الذي شحت فيه المياه . وجرت محاولات سابقة لعهد الوالي محت باشا لمعالجة تلك المشكلة . وترقى اولى تلك المحاولات الى سنة 1252هـ/1836م ، عندما قام الواليان علي رضا باشا اللاز ، ومحمد نجيب باشا (1258 ـ 1266)هـ/(1842 ـ 1849)م ، بانشاء سدة على فرع الهندية لغرض تحويل مياه الفرات الى فرع الحلة ، الاان السدة مالبث ان تحطمت سنة 1268هـ/1851م وتدفق منها الماء ، وفي سنة 1275هـ/1858م بني سد جديد لتوفير المزيد من المياه الاانه مالبث ان تصدع .
وامام فشل تلك المحاولات وكثرة شكاوى الاهالي من استمرار الحالة شكل الوالي مدحت باشا لجنة مؤلفة من عدد من مهندسي الري ، لوضع دراسة تفصيلة ومقترحات عملية لمعالجة تلك الحالة . حيث استمر العمل لمدة تزيد على الثلاثة اشهر ، ويبدو انه تغلب على المشكلة بدليل اشارة جريدة (الزوراء) الى ذلك احد اعدادها ، ان نهر الحسينية الذي يبس ماؤه من ثلاثة اشهر ، واوقع النفوس الوافرة العدد في كربلاء باظطراب العطش ، وصات عملياته مرتب الختام واطلق ماؤه ، وهو جدول من جداول نهر الحلة ينبع من الضفة الغربية للفرات ، على بعد (5) اميال جنوبي المسيب الاان هذه المشكلة لم تنته اذ سرعان ماعادت وتجددت من جديد بعد سنوات .
ولم يكن النجاح حليف غالبية المشاريع التي اضطلع مدحت باشا بتنفيذها في العراق . وقد عزي سبب فشل تلك المشاريع الى نقص الاموال ، وقلة الخبرة الفنية فضلاً عن انعدام الدراسات الاولية ، والعمل بشكل مرتجل في اغلب المشاريع الاورائية ، علاوة على عدم اهتمام الولاة من بعده بتلك المشاريع .
وفي اعقاب تجدد المشكلة القديمة الناجمة عن تحول مياه الفرات إلى شط الهندية بدلاً من شط الحلة ، اسهمت دائرة السنية في ايجاد حل مؤقت لهذه المشكلة عندما اوعزت بتشكيل لجنة مؤلفة من متصرفي الحلة وكربلاء ، ومحسن بك مدير الكشف في دائرة السنية الذي
قام بكشف النهر واوصى بسد جزء من صدر فرع الهندية المسمى "الردارء") فضلاً عن ظاهر افندي وكيل السنية ، وبعض اصحاب الخبرة  ونتيجة لاعمال هذه اللجنة فقد تمت ازالة مافي النهر من الموانع كالجزرات وغيرها.
وعلى اثر تفاقم مشكلة مياه شط الحلة التي اخذت بالجفاف اثر تحولها إلى شط الهندية وما رافق ذلك من تدهور في انتاج المنطقة الزراعية نتيجة لعدم توافر كميات المياه الكافية لسقي المزروعات ، وفي اعقاب انقطاع المواصلات الهندية على طريق نهر الفرات بين الحلة والبصرة. وعلى اثر استغاثة اهالي الحلة والديوانية ، انصب اهتمام الدولة ابان تلك المرحلة على إنشاء سدة الهندية . وكانت فاتحة اعمالها استقدام المهندس الفرنسي شوندرفرM. Schonder ومساعده ثيودور دوران ، اللذين اجريا كشفاً للمنطقة الممتدة على طول نهر الفرات وحتى مسكنه تمهيداً لانشاء السدة . وبعد عام تقريباً قدما تقريرهما إلى الوالي سري باشا معززاً بالخرائط . وقد احالة الوالي بدوره إلى وزارة النافعة والاشغال العامة لاستحصال المواقفة على تخصيص الاموال اللازمة تنفيذ المشروع وقد اسهمت خزينة الدولة بنصف الاموال المطلوبة ، أما النصف الاخر تم تامينة من الخزينة الخاصة ، وواردات الاراضي السنية ، وممن كانت له مصلحة من الاهالي في بناء السد ، حيث بلغت مجموع الاموال المستحصلة للمشرروع 1.733.998 قرشاًو 33 بارة .
جرى البناء بوتيرة عالية وباشراف من الوالي سري باشا ، حيث قدمت جريدة (الزوراء) في أحد تقاريرها وصفا لمساحة السد ، الذي امتد من نهر الهندية إلى مجرى الحلة وبارتفاع (6) امتار، وعرض(100) متر ، وبطول 1200 متر .
كما ناشد الوالي رؤساء عشائر الحلة والهندية المساعدة ، فاستجابوا وامدوه بعدة الاف من العمال الذين تمت الاستعانة بهم في حفر صدر السد . وجرى افتتاح السد في 25 تشرين الثاني سنة 1308هـ/1890م وعرف باسم "سد شوندرفر" تيمناً باسم مهندسه . ونتج عن بناء هذا السد اعادة المياه إلى شط الحلة ، كما تشير بعض الدراسات إلى أن المياه الزراعية عادت إلى مجاريها إذ بدأت الحياة الاقتصادية في الحلة والمناطق المحيطة بها بالانتعاش من جديد بعد الانتهاء من اعمال تلك السدة سنة 1308هـ/1890م . غير أن السدة لم تصمد طويلاً ، لاسباب عدة منها الترسبات المستمرة ، متانة البناء . مما داى إلى خراب اجزائها منها فيما بعد .لم تصمد السدة طويلا إذ سرعان ما تعرضت للاهمال بعد نقل الوالي سري باشا وتصدعت بعض جوانبها 1314هـ/1896م) ، مما استدعى القيام باصلاحات بلغت كلفتها 174475 ليرة تركية . لتنهار مرة اخرى على اثر فيضانات سنة 1321هـ/1903م .
وجدت الدولة العثمانية أن مشكلة المياه في العراق بدأت تزداد سوءاً ، وتترتب عليها مشاكل اقتصادية واجتماعية ، ولمعالجة الموقف المتأزم ، انتدبت الحكومة العثمانية مهندس الري الانكليزي وليم ويلكوكس W . Willcocks ليقوم بدراسة مشكلة الري بشكل ميداني واقتراح الحلول الناتجة لمعالجة هذه المشكلة واعداد التصاميم الفنية لاحياء مشاريع الري في العراق ، فقام بزيارة العراق سنة 1326هـ/1908م برفقته (12) مهندساً مع عدد من المساحين وبعد أن مكث زهاء السنتين والنصف انجز خلالها التحريات الفنية اللازمة قدم إلى وزارة الاشغال العامة (نظارة النافعة) تقريراً مفصلاً ضمنه كل ارائه وافكاره في معالجة مشاكل الري ، وارفق التقرير المذكور (84) خارطة وتصميمات للمشاريع التي يتوقف عليها اعمار الاراضي وانعاش البلاد وتخليصها من اخطار الفيضانات .
 ومن مقترحاته المهمة مشروع سدة الهندية الذي اشتمل على إنشاء سدة الفرات في جنوب المسيب لتامين تجهيز المياه  في شط الحلة وفي جداول الكفل وبني حسن والحسينية احيل انجاز المشروع إلى شركة جون جاكسون البريطانية . ووفق شروط منها أن يأخذ المتعهدون على أنفسهم اتمام العمل برمته مع تحميلهم التبعات المالية في حالة عدم اتمام المشروع .بوشر العمل في بناء السدة في شباط سنة 1329هـ/1911م ، واستغرق العمل زهاء السنتين ، حيث تم افتتاح السدة في 12كانون الاول سنة 1332هـ/1913م .
عن رسالة (الخدمات العامة في العراق 1869- 1914)